|
دمّر لبنان مرة أخرى نتيجة قرار لم يتخذه اللبنانيون.
فالاسباب التي سمحت
لفريق سياسي أن ينوب عن اللبنانيين في تقرير مصير
البلاد كثيرة ومتعددة. لكن من
المؤكد ان ما حدث لم يكن ليحدث لو حافظ المسيحيون على
فاعليتهم، تلك الفاعلية التي
لعبت، منذ لحظة اعلان بيان المطارنة الموارنة الشهير
في 20 ايلول 2000، دوراً
حاسماً، من خلال تواصلها مع المسلمين، في استعادة
سيادة لبنان واستقلاله.
فقد
المسيحيون فاعليتهم عندما بدأت الانتفاضة تفقد زمام
المبادرة نتيجة التردد وفقدان
الرؤية ودخول بعض اطرافها في تسويات أشعرت البعض الآخر
وكأنه تم التخلي عن الوحدة
التي تجلت في 14 أذار. فاهتزت ثقة المسيحيين بأنفسهم،
وسيطر عليهم شعور الخوف على
المصير والدور، فاندفعوا في اتجاه من كان يعدهم
بالاطمئنان وسلموه أمرهم. فاعتبر
نفسه صاحب وكالة حصرية غير قابلة للعزل وجرهم الى موقع
ليس هو موقعهم. فارتكبت
أخطاء تمس بجوهر التوجهات المسيحية التاريخية، وذلك
على مستويات أربعة:
1 -
على
مستوى الدولة: ربط البعض تأييده لها بالامساك بها
بداعي اصلاحها، وحين تعذر الأمر،
حوّل اعتراضه على الدولة تأييداً لمشاريع "اللادولة"،
وصولاً الى إعادة الاعتبار
الى الذين حوّلوا في مرحلة سابقة الدولة اللبنانية الى
ولاية سورية.
2 -
على
مستوى المجتمع الدولي: دفع خيار "اللادولة" البعض الى
مواجهة المجتمع الدولي
والاعتراض على قراراته والاصطفاف في معسكر الدول
الخارجة عن الشرعية الدولية،
والتحّول الى مجرد قوة ملحقة بمشاريع لا قرار لها
فيها، تدفع ثمناً في حال فشلها
وثمناً أكبر في حال نجاحها.
3 -
على مستوى الوحدة الداخلية: تجاهل البعض أهمية
الحدث التاريخي الذي مثله دخول المسلمين بقوة في
الدفاع عن استقلال لبنان في مواجهة
سوريا، وهذا أمر لم يحدث من قبل، وتحوّل في المقابل
عنصراً فاعلاً في تأجيج
الصراعات المذهبية بين السنة والشيعة بدل أن يكون عامل
تقارب وتوحيد.
4 -
على
مستوى اتفاق الطائف: طالب البعض بإعادة النظر في هذا
الاتفاق من دون ادراك لخطورة
العودة الى المنطق القديم، ذلك أن اتفاق الطائف وضع
حداً للصراع بين الطوائف حول
تقاسم السلطة، وألغى المعيار العددي الديموغرافي الذي
هو في أساس هذا الصراع،
معتبراً أن العيش المشترك المؤسس على المشاركة
المتوازنة في السلطة هو خيار لا
يحكمه منطق موازين القوى.
هذه الأخطاء الجسيمة نجمت عن طموحات واطماع وعقد،
وتسبب باستمرارها غياب المراجعة والمساءلة والمحاسبة
التي هي في أساس الديموقراطية
التي نطالب بها على المستوى العام ونرفض ممارستها في
بيئاتنا السياسية. هذه الأخطاء
تعرض المسيحيين لخطر الخروج من السياسة، والخروج من
السياسة يمهد عادة الطريق
للخروج من التاريخ والجغرافيا. وهذا خطر يتهدد
المسيحيين في لبنان ويتهدد ايضاً
المسيحيين في الشرق العربي نظراً الى الترابط في
المصير في ما بينهم.
تحتاج
استعادة الدور المسيحي الى قرار مزدوج:
-
قرار يقضي بالخروج من منطق استسلام
انسان لآخر في تقرير مصيره، فيقوده الى حيث يريد دون
مشاركة أو مساءلة. إن هذا
المنطق هو منطق عشائري بامتياز يحوّل الانتماء الواعي
الى تعصب أعمى، فيدمج القضية
التي هي في أساس انتمائه ومن يرمز اليها، فيتحزب للرمز
على حساب القضية.
-
وآخر
يقضي بالخروج من المنطق الأقلوي الذي يعطل القدرة على
التفكير السليم ويرسم خطوط
مواجهة مع الآخرين ويجعل الطموح محصوراً بالضمانات
والحماية. والمجمع البطريركي
الماروني الأخير كان واضحاً في هذا المجال عندما اعتبر
أن الموارنة "ليسوا أقلية
ترتبط بعلاقات جوار وتساكن مع الآخرين، وتبحث عن سبل
تنظيم تعايشها مع الأكثرية
والمحافظة على خصوصيتها"، بل "جماعة لها دور فاعل من
خلال تواصلها وتفاعلها مع كل
الجماعات في رسم مستقبل مشترك لها ولهم، يقوم على
المبادئ التي تؤمّن للانسان حريته
وتحفظ كرامته وتوفر له العيش الكريم".
هذا القرار المزدوج هو الذي يعيد الى
المسيحيين فاعليتهم ويؤهلهم للمساهمة في صوغ "تسوية
تاريخية" تحمي لبنان وتحمي
المنطقة.
فنحن اليوم، لبنانيين وعرباً، رهائن صراع يدور على
أرضنا. هذا الصراع
هو صراع على دور كل من اسرائيل وايران في النظام
الاقليمي الذي هو قيد التحديد بعد
نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي. انتهى
الفصل الأخير من هذا الصراع
الذي كان لبنان مسرحه بفشل مزدوج: فشل اسرائيل التي
عجزت للمرة الأولى عن الحسم
العسكري، فاهتزت صورتها كذراع مسلحة للغرب في مواجهة
الاسلام، وفشل ايران في
الاستيلاء، عبر غزة ولبنان، على قضية العرب الأولى وهي
قضية فلسطين، وتالياً تأهيل
نفسها لقيادة العالم العربي والاسلامي في مواجهة الغرب.
أفسح هذا الفشل المزدوج
في المجال لإمكان تجاوز مقولة "صراع الحضارات" التي
يستخدمها الطرفان المتقابلان.
وقد بدأ يظهر تحول في العالم الاسلامي بجناحه العربي
والعالم الغربي بجناحه
الاوروبي في اتجاه عودة التواصل بين العالمين والبحث
عن صيغ تعايش وتعاون خارج منطق
التصادم والإلغاء. وقد أعاد هذا التحّول الاعتبار الى
تجربة لبنان والنظر اليها على
أنها نموذج يمكن الاقتداء به لتجربة انسانية جديدة
عنوانها: العيش معاً، متساوين
ومختلفين.
والشرط اللبناني لهذا التحّول هو أن يقدم اللبنانيون
على صوغ هذه
"التسوية
التاريخية" القائمة على المبادئ الآتية:
1 -
رفض "ثقافة الموت" التي
عممتها اسرائيل على المنطقة من خلال الفعل الذي تقوم
به ورد الفعل الذي تستدرجه،
وارساء "ثقافة حياة" تقوم على نقيض المنطق الذي يجعل
الحق والحقيقة حكراً على رؤية
معينة، فيعتبر الذات خيراً مطلقاً والآخر المختلف شراً
مطلقاً.
2 -
الدفاع عن
هوية المنطقة العربية وحق ابنائها دون سواهم في تقرير
مصيرها، وذلك عن طريق تصويب
مفهوم العروبة الذي تعرض لتشويهات في العمق على يد
أنظمة عسكرية استخدمته مطيّة
لبلوغ السلطة، وايديولوجيا لتسويق كل صنوف القمع في
بلدانها، والعودة بالعروبة الى
مفهومها النبيل، باعتبارها رابطة ثقافية وحساسية
مشتركة كونتا نظرة أهلها الى
أنفسهم والى الكون. إن مثل هذا الجهد ضروري وملحّ لوقف
التشنجات العقيمة التي
يتخبّط فيها العالم العربي، تراجعاً أو هروباً الى
الأمام، وتأمين تنمية بشرية
شاملة.
3 -
الضغط على المجتمع الدولي للخروج من سياسة "الكيل
بمكيالين" – من
تطبيق القرارت الدولية وصولاً الى مكافحة انتشار أسلحة
الدمار الشامل – التي هي في
أساس سوء التفاهم القائم تاريخياً بينه وبين العرب،
والمساهمة الجادة في ايجاد
تسوية عادلة للصراع العربي - الاسرائيلي التي هي
المدخل الأساس لوقف دوامة العنف في
المنطقة، والتحاور حول طبيعة النظام العالمي الجديد
الذي يفتقر الى التوازن
والعدالة، وبناء شركة فعلية مع أوروبا من أجل عودة
"المتوسط" منطقة تعايش وتقارب
بين شعوبه وثقافاته ذات الأصول العريقة والامتدادات
الشاسعة.
4 -
ترسيخ وتطوير
صيغة العيش المشترك الذي هو في أساس العقد الاجتماعي
الذي حدده اتفاق الطائف والذي
يتأسس على الاعتراف بالآخر في تمايزه وفرادته دون
السعي الى الغائه او استتباعه، أو
فرض انصهار عليه يلغي خصوصيته أو توحد يختزل شخصيته
ببعد واحد من أبعادها. والعيش
المشترك يقوم على احترام الحياة في تنوعها وغناها،
ب¥دون اخضاعها لتراتبية تفقدها
غناها، أكانت هذه التراتبية ثقافية، أم اجتماعية أم
عددية، فتفرز الناس أقليات
وأكثريات، وترسم في ما بينهم خطوط تماس سرعان ما تؤدي
الى التصارع والتصادم.
5 -
بناء دولة قادرة على حماية العيش المشترك وتحصينه.
والدولة القادرة هي الدولة
المحررة من هيمنة الطوائف عليها، دولة مدنية مرتكزة،
كما جاء في المجمع البطريركي،
على "التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين
والدولة"، وعلى احلال "الانسجام
بين حق المواطن - الفرد في تقرير مصيره ورسم مستقبله،
وحق الجماعات في الحضور على
أساس خياراتها". فالدولة المدنية هي التي تضمن مساواة
المواطنين أمام القانون، كما
تضمن احترام التعدد الطائفي، وهي القادرة على صون
الاستقلال بوضع حدّ للتدخلات
الخارجية التي تستدعيها الصراعات الطائفية بصورة دورية.
إن صوغ هذه "التسوية
التاريخية" أمر ملحّ، وهو مسؤولية الجميع دون استثناء.
فالفرصة المتاحة لتبديل
قواعد اللعبة ليست بطويلة. علينا ألا نضيعها.
النائب سمير فرنجية |