النهار  07-11-2005

 

في أسئلة سلاح "حزب اللـه" ومفارقاته

زياد ماجد

يحاول هذا المقال طرح عدد من الأسئلة حول المواضيع الحوارية المفترضة مع "حزب الله"، والتي لم يعد تأجيل البحث فيها مفيداً للتماسك الداخلي ولمشروع بناء الدولة اللبنانية، خاصة أن رصد مواقف الحزب في الأشهر الماضية (على تناقضها) لا يشي على الدوام بحرص على صون الساحة المحلية واحترام هواجس أكثر اللبنانيين واقتناعاتهم.

مواقف متناقضة

فالحزب اتهم في شباط وآذار الماضيين معظم قوى المعارضة بالعمالة لأميركا وإسرائيل وللقرار 1559. ثم قرر ابتداء من نيسان التحالف انتخابياً معها في بيروت وبعبدا - عاليه والبقاع الغربي، ومع الخارجين عنها، منافسيها العونيين في كسروان- جبيل والبقاع الأوسط.

والحزب حيّا المخابرات السورية وأهدى بندقية المقاومة الى رستم غزالة (تقديراً ربما لكفايته ونظافة كفه)، وأكد وقوفه الى جانب "سوريا الأسد" معلناً أن لبنان سيبقى "عرين الأسود"... ثم دخل حكومة القوى التي طردت المخابرات السورية وقائدها، وحررت العرين اللبناني من أسوده!

والحزب يعلن دعمه لإميل لحود وتقديره لوطنيته وفصاحته في نيويورك وفي سائر المحافل حيث تتجلى ألمعيته، ويرفض البحث في استقالته ويدعوه الى احتفال يوم القدس وعرضه العسكري، ويؤكد في الوقت عينه استعداده للتحاور في كل القضايا المطروحة وطنياً ومن دون أي مواقف مسبقة.

والحزب يتهم الأمم المتحدة (رغم ترحيب الحكومة التي يشارك فيها بدعمها وبتقريرها حول اغتيال الرئيس الحريري) بمحاولة بث الفتنة بين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، و"ينسى" أن القتل والنهب والقمع والاغتيالات لم تكن من فعل المنظمة الدولية، ولا كانت حرب المخيمات من البارد والبداوي الى بيروت وبرج البراجنة فعين الحلوة والرشيدية من تصميمها.

على أن المشكلة الفعلية التي يطرحها سلوك الحزب وخطابه ليست في كل ما ذكر وما فيه من تناقض ومكابرة وارتباك سياسي فحسب، بل هي تتجلى خصوصاً في استمرار نهج عروضه العسكرية وما تعبّر عنه من رفض لفكرة الدولة، ومن تهديد لسائر اللبنانيين.

وما شهدناه في "يوم القدس" لا ينفع معه القول إن قوامه مخصص لمواجهة إسرائيل ولحماية لبنان، خاصة بعد أن رأينا أثر تظاهرة الأكفان "خارجياً"، التي توعّدت بقتال الأميركيين إن هم مسّوا النجف وكربلاء، يستحيل سراباً رغم اجتياح المدينتين واحتلالهما (وليس المس بهما فقط)...

في أي حال، قد يقال إن أكثر الأطراف في لبنان يتخبط في مواقفه، وليس "حزب الله" وحده، وإن المطلوب اليوم هو تقديم أجندة سياسية واضحة تحصّن الساحة اللبنانية من المضاعفات المحتملة للتطورات الإقليمية وتطلق الحوار الداخلي الجدي. وبمعزل عن صحة هذا القول، أو تبسيطيته لجهة وضعه قوة سياسية وشعبية مسلحة موضع قوى أخرى عزلاء، إلا أن ترجمته العملية لم تتّضح بعد، إذ أن أحداً من دعاة الحوار لم يحدد نقاطه وأهدافه، ولا سيما في الجانب المتعلق بـ"حزب الله" وسلاحه.

بهذا المعنى، ربما تفيد الأسئلة التالية لتحريك النقاش حول مضمون الحوار المنتظر ومواده.

أهداف سلاح "حزب الله"

تتردد على ألسنة مسؤولي الحزب روايات عديدة حول أسباب بقائه مسلحاً. فتارة يكون السبب استمرار احتلال مزارع شبعا ووجود أسرى في السجون الاسرائيلية، وتارة نسمع عن القرى السبع، وتارة عن دعم الانتفاضة. وفي يوم القدس، يُرفع شعار "قادمون"، وهو ما قد يعني استمراراً للمقاومة حتى تحرير القدس.

واخيراً، صار التركيز على قضية الردع وحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية هو الأساس، مما يسمح بالقول "إنه طالما بقي الكيان الصهيوني، بقي الخطر على لبنان قائماً، وبات بالتالي سلاح الحزب ضرورياً (الى حين إزالة إسرائيل من الوجود)"...

يختلف منطق التعامل مع هذه الروايات، ومع مترتّباها. فترسيم الحدود مع سوريا مثلاً، وموافقة الدولتين خطياً على لبنانية مزارع شبعا (وهي الى الآن غير ذلك بحسب الأمم المتحدة وسوريا نفسها) إضافة الى المطالبة بالأسرى، قد يبرران استمرار السلاح الى حين تحرير ما تبقى من أرض محتلة ومناضلين مأسورين.

لكن ماذا عن قضية القرى السبع؟ وماذا عن القدس ودعم المقاومة الفلسطينية؟ من يقرّر أشكال هذا الدعم ومواقع استخدامه؟ وهل صحيح أن إبقاء حال من التوتر على الحدود الجنوبية يفيد الفلسطينيين فعلاًَ؟ لماذا لم نقع على هذه الفائدة الى الآن؟ لم نجدها لا خلال اجتياح الضفة، ولا خلال تدمير رفح، ولا في ذروة بناء جدار الفصل العنصري والانقضاض الاستيطاني على القدس. فما المقصود فعلياً من هذه الحجة؟

أما في ما يتعلق بحماية لبنان وبناء قوة ردع لمواجهة أي عدوان إسرائيلي عليه، فالأمر يحتاج للاستفاضة في النقاش. وفي معزل عن الجانب العسكري غير المقنع في الموضوع، ينبغي التوقف عند منطق رفض اعتبار الجيش اللبناني قوة تصدٍ للعدو، في حين أنه المؤسسة العسكرية الشرعية الواجب فيها دستورياً حماية البلاد من أي تهديد خارجي، وهي المتغنّى منذ عقد بتغيّر عقيدتها القتالية وعدائها "الحالي والنهائي" لإسرائيل. فما المانع أن ينخرط "حزب الله"، وهو المشارك في الحكومة وفي البرلمان، بسلاحه في ألويتها إذن، أو أن يأتمنها على السلاح ويضع إمكاناته في تصرفها؟ وبانتظار ذلك، لماذا لا يُسمح للجيش بالانتشار على الحدود الجنوبية والتنسيق مع الحزب في منطقة العرقوب ليضفي أمام الأمم المتحدة وأمام جميع اللبنانيين صبغة الشرعية على معركة تحرير المزارع؟

إن المنطق الذي يصر على إبعاد الدولة عن مسؤولياتها الأمنية تجاه حدودها لمصلحة أمن خاص ومقاومة خاصة لم يعد مقبولاً، ففيه إخراج للمؤسسات من معادلة القرار الوطني من جهة، وحصر لواجب التصدي لإسرائيل بطرف جهوي بذاته من جهة ثانية (مع ما في ذلك من فصل سياسي وأمني للجنوب عن سائر لبنان).

وثمة أسئلة أخرى تطرح انطلاقاً من تصريحات قادة "حزب الله”. فماذا عن علاقتهم "بسوريا الأسد"؟ وهل من مقتضيات عسكرية مستقبلية لهذه العلاقة؟ ماذا لو قرر النظام السوري تذكّر الجولان المحتل (أهدأ الجبهات العربية الاسرائيلية منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً)؟ أو ماذا إن تعرض هذا النظام للتهديد بالعقاب العسكري دولياً لأسباب مختلفة؟ كيف سيعرب الحزب عن تضامنه معه؟ أبالسلاح؟

وماذا عن التحالف مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية؟ أو بمعنى آخر، ماذا لو اعتدت إسرائيل أو أميركا على إيران وهاجمت منشآتها النووية؟ هل يتدخل "حزب الله" "ليخفف الضغط عنها" فاتحاً جبهة الجنوب على مصراعيها؟ وهل توافق أكثرية اللبنانيين (والجنوبيين بالذات) ومعهم دولتهم على ذلك؟ وماذا إن لم يوافقوا؟

إن الحوار حول أسئلة من هذا النوع، بعيداً عن ارتداء "القفازات" واعتماد المزايدات الديماغوجية بات أمراً ملحاً في دولة تعيد بناء ذاتها.

لكنه أمر لن يستوي إن لم يقابله أيضاً وضوح تام في خطاب الدولة المتعلق بموقع لبنان في الصراع العربي - الاسرائيلي ودعمه الحقوق العربية والنضال الفلسطيني، وعدم حاجته الى أي تفاوض مع إسرائيل، في معزل عما يفعله سائر العرب. فلا اللبنانيون معنيون بمبدأ "الأرض مقابل السلام"، ولا هم مضطرون لتوقيع أي اتفاق مع الاسرائيليين، ولهم السبق في التصدي لهم وفي طردهم لأول مرة من أرض عربية اغتصبوها.

وعلى الدولة اللبنانية إنطلاقاً من ذلك أن تقوم بهجوم ديبلوماسي في المحافل الدولية لرفض كل اتهام بالارهاب لمن طرد إسرائيل من لبنان، وفي الطليعة "حزب الله"، والإعلان أن اتهاماً كهذا هو اعتداء على الوطن وبرلمانه وحكومته وشعبه. وثمة الكثير من الشرع والقوانين الدولية التي يمكن الاتكاء عليها في مواقف مشابهة، وهي أفضل للاستخدام من اللغة الخشبية التي اعتمدت طويلاً في الماضي ولم تأتِ بغير الخيبات.

لكن، هل يساعد "حزب الله" الدولة على القيام بواجبها على حدودها وفي المحافل الدولية؟ وهل يقتنع بعض المسؤولين أن الوضوح وطرق المواضيع الحيوية أفيد من المراوغة والتأجيل؟

لا يبدو الى الآن أننا نسير في هذا الاتجاه. ونرجو أن يكون تقديرنا خاطئاً...