Beirut Letter/articles/hala hajj story

 

النهار 26-04-2006

فصل من رواية الوجود السوري في لبنان
هالا الحاج وسنواتها الثماني بين البوريفاج وعنجر والمزّة

كتب وليد الكوراني:

هالا الحاج نموذج مخجل للمعاناة اللبنانية مع النظام الامني، فهذه السيدة المتواضعة وربة المنزل ووالدة الاطفال، لم تكن تعلم ان انتماء زوجها الى اجهزة الامن اللبنانية سيودي بها الى ثماني سنين في المعتقل السوري، مظنونا بها بتهمة التآمر على النظام السوري. ومهما قدّم منظِّرو مشاريع الاخوة والتعاون والتنسيق من تفسيرات لتبرير البطش باللبنانيين، فانهم لن يستطيعوا ان يشرحوا سبب اعتقال هالا ربة العائلة التي لا تذهب قناعاتها السياسية وادراكها الى ابعد من عتبة منزلها الزوجي.

اليكم قصة هالا الحاج، ولكم نترك العبرة.

وصلت هالا الحاج زوجة غابي كرم عام 2000 الى العاصمة الفرنسية، منهكة بعد ثماني سنين مرة امضتها في معتقل المزة السوري، بعيدا عن عائلتها واهلها ووطنها وهي لا تدري سببا لاعتقالها الطويل. وهالا في براءتها هذه، لا تخرج عن مذهب غالبية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية الذين اقتادتهم سلطات النظام الامني المشترك من وطنهم، بوشاية او مسعى من احد المتعاونين، درءا لتهديد خطير لصنم الاخوة اللبنانية السورية المنزه عن كل عيب، والمثال في الديموقراطية والحرية ودولة القانون.

انتقال هالا من زنزانتها الصغيرة في المزة وزنزانتها الكبيرة في لبنان الى فرنسا، فرصة لم تتح مثلها لكثرة من المعتقلين السابقين. فهي كانت تحظى برعاية "منظمة العفو الدولية" و"لجنة دعم المعتقلين اللبنانيين اعتباطا"، الامر الذي مكّن زوجها (المطلوب) وافراد عائلتها من ان يسبقوها الى فرنسا حيث حصلوا على اللجوء السياسي من الدولة الفرنسية، التي احتضنت افراد العائلة بعدما تخلى عنهم الجميع في لبنان شعبا ومؤسسات وكنيسة وقيادات.

التقينا هالا في احد المنازل المخصصة لاقامة اللاجئين السياسيين في ضواحي العاصمة الفرنسية، وعرضنا عليها ان تروي قصتها. طبعا تمنعت بداية الامر، خوفا على الاهل والاقارب في لبنان وايضا لان الرعب لا يزال معشعشا في خلايا جسدها بعد ما عانته وتعرضت له. وبعد نقاش طويل اقترحنا عليها طمس بعض التفاصيل وهذا ما جرى، فكانت رواية هالا الحاج المرعبة عن ثماني سنين في المعتقلات السورية.

عمل زوج هالا لمصلحة اجهزة الامن اللبنانية خلال الحرب، وكان مطلوبا القاء القبض عليه، لكن الاستخبارات السورية لم تتمكن منه، فعمدت الى القاء القبض على زوجته عندما كانت في منطقة المتحف الفاصلة بين المنطقتين الشرقية والغربية التي كان اهالي بيروت الشرقية يذهبون لشراء حاجاتهم منها. وبوشاية من احد اللبنانيين المتعاملين، ترصدت الاستخبارات السورية هالا الى حين وصولها الى امام مستشفى البربير، وانقض عليها اربعة رجال قائلين: "اياكي ان تتحركي او تأتي بأي حركة"، ثم عمد اثنان منهم الى وضع كيس اسود على رأسها والاصفاد الحديدية في يديها ورموها في صندوق سيارة وانطلقوا بأقصى سرعة.

في البوريفاج

ازدحمت الصور في رأس هالا ولم يطل الامر، كي تكتشف ان رحلتها السريعة انتهت في معتقل البوريفاج الشهير في منطقة الجناح جنوب غرب بيروت. توقفت السيارة الخاطفة وانزلت هالا بعنف من صندوقها والقيت على الارض قبل ان تستقيم على قدميها، وتقتاد مكبلة والكيس في رأسها عبر درج طويل (تعثرت عليه مرات عدة) الى ان شعرت انها اصبحت في زنزانة رطبة، عفنة تحت الارض. تنشقت هالا في تلك اللحظة رائحة بحر بيروت للمرة الاخيرة وتأكدت انها في البوريفاج. من لم يسمع عن البوريفاج، وها هي هالا تختبره شخصيا، بعدما حولته الاستخبارات السورية سجنا مركزيا لها في بيروت، بادارة العميد الدكتور رستم غزالي (قبل ان يصبح رئيسا للاستخبارات السورية في لبنان) والذي حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة اللبنانية القريبة من مقر الاستخبارات. تنهدت هالا عميقا على قدر جراحاتها النفسية، وهي تذكر جيدا مهانة الضرب، والرفض والشتائم منذ ان انزلت من السيارة حتى وصولها الى الزنزانة السوداء، الصغيرة الحجم.

اتسعت حدقتا عينا هالا، وهي تتذكر الشتائم التي كالها عناصر الاستخبارات السورية لها وللبنانيين طوال الوقت: "بدنا نني... اكبر لبناني، مين مفكرين حالكن يا كلاب...". وبعد ساعتين على نزول هالا في الزنزانة الافرادية، فتح الباب ودخل منه الجلادون الذين اعادوا وضع الكيس الاسود على رأسها ودفعوها امامهم عبر ممر طويل لا ينتهي على ما تذكر. ومنه صعودا الى غرفة تحقيق حيث اجلست على كرسي حديد مخصص للتحقيق، ليبدأ فصل جديد من الشتائم للبنانيين ولم تهدأ حفلة القسوة الا عند دخول عدد من الاشخاص الذين سرعان ما عرفت هالا انهم من المسؤولين بعدما اخذ الجلادون يستعملون كلمة "سيدنا".

عمد الجلادون الى تجريد هالة من ثيابها او تمزيقها، والكيس على رأسها والاصفاد في يديها لا تتزحزح، ثم دلقوا على فريستهم مياها باردة جدا وانهالوا عليها بالضرب مستعملين العصي والقبضات (البوكس). بداية، احصت هالا الضربات الى انها فقدت الاحساس ولم تعد تدري عدد العصي المنهالة عليها، اذ سال الدم سريعا بعد الضربة الثانية من الفم والاذن والانف. واختلطت قذارة الكيس الاسود المحكم الاغلاق على رأسها مع الدم الحار لتشكل مزيجا من الروائح البشعة التي لا يستطيع اي امرئ احتمالها. ومع العصي المتساقطة انهالت اسئلة المحقق، تتهم هالا بجمع المعلومات عن الجيش السوري، وكلما اجابت المسكينة بالنفي كان المحقق السوري يزداد هياجا ويأمر مساعديه بالمزيد من الضرب. تذكر هالا بألم ان التعذيب استمر على هذه الوتيرة طويلا: ضرب، اسئلة ونفي، ومياه باردة او حارة وهكذا دواليك. تغيب هالا عن الوعي فيعيدونها الى الزنزانة، وما ان تعود الى رشدها حتى يأخذونها من جديد الى التحقيق، ولم تعلم ان ثلاثة ايام قد انقضت على هذه الحال الا من الجلادين والمحققين الذين ابلغوها انها ستنقل الى عنجر لاستكمال التحقيق، بعدما مرت ثلاثة ايام هي فترة التحقيق الاولى في معتقل البوريفاج.

عنجر وخطبة كنعان

وضعت هالا في الشاحنة العسكرية السورية، وكانت سماء بيروت باردة جدا والجميع يرتدون ما تبقى من قطع الثياب الممزقة. وبين مطر بيروت وبردها عرف المعتقلون جميعا انهم وصلوا الى ضهر البيدر، بعدما لفح الصقيع اجسامهم ويبس الدماء في جروحهم المتقيحة من التعذيب. وعند منحدرات السلسلة الغربية في اتجاه سهل البقاع، ادركت هالا انها تتجه اما الى معتقل عنجر او الى سوريا في رحلة قد لا تعود منها. ولكن ساعتها لم تكن قد ازفت بعد، وكان على رحلة الموت ان تتوقف في معتقل عنجر المركزي، وهو التجمع الرئيسي للمعتقلين اللبنانيين قبل ان يتم تحويلهم الى الداخل السوري. تذكر هالا معتقل عنجر جيدا انه يشبه اسطبل الخيول، وعرفت لاحقا بحكم اقامتها الطويلة في المعتقل، ان السوريين وضعوا يدهم عليه فور الدخول الى لبنان وحولوه الى سجن كبير. من دون ان يدخلوا عليه اي تعديل باستثناء تحويل غرفة تركيب نعال الاحصنة (الحوذي)، غرفة للتعذيب مزودة اكثر الوسائل هولاً ورعباً.

عندما وصلت هالا الى معتقل عنجر كان تحت اشراف رئيس جهاز الاستخبارات السورية في لبنان الراحل اللواء غازي كنعان، يساعده العميد الركن عدنان بلول الملقب بالوحش، ورئيس الجلادين في عنجر ملازم اول سليمان سلامة. وللحال اوقفت هالا مع رفاقها المعتقلين الى جانب الحائط وانتزعت الاكياس عن رؤوسهم قبل ان يتقدم اللواء الركن غازي كنعان لمعاينة وجوههم عن قرب، سائلاً: "من يكون هذا؟". فيجيبه الضابط المسؤول انه فلان الفلاني. وهكذا عرفت هالا ان رفاق درب جلجلتها من بيروت الى عنجر كانوا تسعة لبنانيين من المظنون بهم ومن مختلف المناطق والاديان.

استعرض كنعان الوجوه قليلاً ثم توجه الى المعتقلين بخطاب سياسي: "ان كل من يتعرض لسوريا بكلمة في لبنان سنسلخ جلده (وتذكر هالا ان كلمة سلخ الجلد هي اكثر كلمة يستعملها رجال الاستخبارات السوريون في حديثهم مع المعتقلين)، سنسلخ جلودكم وسننقلكم الآن فوراً الى سوريا حيث ستخبروننا بما لديكم، وانصحكم بأن تطلعونا على كل شيء وتختصروا عذاباتكم والا فأنكم لن تعودوا ابداً الى اهلكم في لبنان...". تذكر هالا جيداً ان غازي كنعان قال كلاماً كثيراً عن الاخوّة بين لبنان وسوريا والشعب الواحد في دولتين والمؤامرة الصهيونية وما الى ذلك منبهاً المعتقلين اللبنانيين الاذلاء في ساحة معتقل عنجر. وعندما حاول احد المعتقلين ان يقول شيئاً انهال عليه عناصر الاستخبارات السورية ضرباً بالكرابيج، ومرة جديدة وضعت الاكياس على الرؤوس واصعد الجميع الى الشاحنة ومنها الى سوريا.

في معتقل المزة

"الداخل مفقود والخارج مولود" هذا هو الشعار المكتوب على مدخل معتقل المزة، او سجن التحقيق التابع لفرع فلسطين في الاستخبارات العسكرية السورية. وهذا المعتقل هو محطة استقبال الوف من اللبنانيين والفلسطينيين الذين مروا على فرع التحقيق قبل ان يتوزعوا على المعتقلات السورية الاخرى. وهناك كانت حفلة الاستقبال الكبيرة، التي تولاها العقيد منير الابرص المسؤول آنذاك عن التحقيق في فرع فلسطين. انزل اللبنانيون التسعة من الشاحنة واوقفوا في خط مستقيم وراء بعضهم البعض، وسط دائرة يحوطها 20 جندياً يحملون العصي والكرابيج. وبعدما غادرت الشاحنة وسيارة الاستخبارات المرافقة لها الباحة، بادر الابرص ورجاله الى الضرب من دون مقدمات وهم يصرخون ويشتمون: "أكبر راس بلبنان تحت هالصرماية". وغيرها من لائحة طويلة من الشتائم والسباب والكلام العنصري عن اللبنانيين. انتهت حلقة الضرب بعد دقائق طويلة جداً وكانت نتيجتها ان تكومت هالا مع المعتقلين كتلة واحدة تسيل الدماء من كل انحاء اجسادهم. ولما كان الوقت ليلاً، والطقس بارد جداً في دمشق، يمكن تصور حجم الألم والمعاناة من الجراح الملتهبة.

قالت هالا: "لن انسى تلك الليلة في حياتي، استعنا بالانبياء والقديسين جميعاً أملاً بالرحمة ولكن كل ذلك لم يجد نفعاً في ردع الابرص ورجاله". وبعد قليل فتح الجلادون خراطيم مياه باردة جداً وربما ارادوا غسل المعتقلين، لكن الامر كان ادهى من ذلك بكثير. وبعد سنين طويلة في معتقل المزة علمت هالا ان هذا الاستقبال يلقاه كل معتقل جديد وخصوصاً اذا كان الحفل يعني مجموعة وفيرة العدد ومن لبنان.

بعد حفل الاستقبال، وضعت الاكياس على الرؤوس ونقلت هالا مع رفاقها كل الى زنزانته الافرادية، وهاكم مواصفاتها: غرفة مظلمة، بعمق 40 مترا تحت الارض يتم النزول اليها بواسطة درج طويل، ويلغ عرضها 80 سنتيمتراً وطولها 180 سنتيمتراً بعلو متر ونصف فقط بحيث لا يستطيع المعتقل الوقوف فيها. اما بابها فهو حديد ويدخلون ما يسمى الطعام من خلال فتحات صغيرة يفتحها السجان من الخارج.

باشر التحقيق مع هالا رئيس فرع فلسطين آنذاك العميد الركن مظهر فارس، وكانوا ينقلونها يومياً من الافرادي الى غرفة التحقيق والكيس الاسود في رأسها، وما ان ينزع الكيس عن رأسها حتى كانت تجد فارس جالساً على كرسي يدخن سيجاراً او يرتشف القهوة وحوله الجلادون. وكان يبدأ كلامه عادة بسيل من الشتائم للبنانيين والاتهمامات بأنهم عملاء لإسرائيل، ويبدأ الضرب من بعدها من دون مقدمات، ويمكن تخيل امرأة ضعيفة وهي تتعرض للضرب بالعصي من مجموعة من الرجال.

أساليب الأخوّة

الكتابة عن معاناة هالا في المعتقل السوري ربما كانت سهلة، لكنها احتاجت الى الكثير من الوقت كي تستطيع استعادة ما تعرضت له: الضرب بالكرباج وعضو العجل وهو اداة رهيبة للتعذيب، انتزاع الاظافر، الضرب على العضاء التناسلية، الصدمات الكهربائية على الانف والاذن، الحرق بالسجائر وسيجار مظهر فارس، الكرسي الالماني، التعليق على الدولاب والبلانكوه طوال تسعة ايام. واخيراً وضع الملح على الجروح والتعذيب بالمياه الباردة والساخنة. وما ان تغيب هالا عن الوعي حتى تصحو على المياه المثلجة ليعود التعذيب من جديد.

امضت هالا 150 يوماً في التحقيق والتعذيب والزنزانة الافرادية او "القبر" كما سماها المعتقلون وكانت تتناول ما يقدمونه لها من بقايا الطعام بيدها مثل الحيوانات، ولم تكن تعلم ماذا تأكل بأستثناء القليل من كسرات الخبز اليابس والزيتون التي استطاعت تمييزها. وبعد التحقيق كانت تنام ساعات طويلة من آثار الارهاق والتعب، وتتبول وتخرج في ما تبقى في جسمها داخل ثيابها الرثة. لا تنسى هالا، ولن تنسى أبداً مدير معتقل المزّة النقيب بسام الحسن الذي يبلغ وزنة 150 كيلوغراماً، وكان ينقض مثل الذئب بالضرب على المعتقلين اللبنانيين ويتفنن في اكتشاف وسائل التعذيب من خلال الافلام التي يشاهدها للتعرف على وسائل التعذيب، على ما اخبرتها المعتقلات السابقات بعد نقلها من الافرادي.

ذكريات مرّة

حفظت هالا كل شيء عن معتقل المزة وسلسلة الرتب فيه والقيادات والمحققين وكل الاحداث التي دارت فيه خلال ثماني سنين، وهي تذكر اسماء المحققين صلاح الزغيبي، بعد الرزاق الحلبي وبسام مصطفى، اضافة الى مجموعة كبيرة من المساعدين والجنود الذين تسميهم الجلادين. وفي نهاية المطاف وقعت هالا على محضر تحقيق سوري لم تعرف ماذا كتبوا عليه. وفي اليوم 151  سمحوا لها بالاستحمام، وحلقوا شعرها واعطوها ثياباً تشبه ثياب الجيش السوري، وقال لها احد الجلادين: "لقد اعطيناك اسماً جديداً هو حياة، وهو اسمك منذ اليوم وحتى تخرجي من هنا واياك ان تتلفظي امام السجناء باسمك الحقيقي الذي يجب ان تنسيه تماماً والا اعدناك الى القبر، مفهوم؟".

نقلت هالا وقد اصبح اسمها حياة السورية، الى غرفة سجن واسعة ضمت عدداً من النسوة اللبنانيات والاردنيات وتهمتهن جميعاً "تهديد الامن السوري". تراوح عدد المعتقلات في الزنزانة الواقعة تحت الارض ما بين 20 و25 معتقلة في مساحة لا تتجاوز 12 متراً مربعاً. وتذكر هالا انها كانت تختنق في الصيف من شدة الحر والرطوبة وتتجمد في الشتاء من الصقيع والبرد. ورغم انتهاء التحقيق الا ان الجلادين كانوا يتذكرون المعتقلات كل مدة بحفلة ضرب وتعذيب كي لا ينسين انهن في السجن.

الليل وما ادراك ما الليل في معقتل المزة على ما تذكرت هالا. انه ليل طويل جداً ومرعب ولا يمكن لاي فيلم سينمائي ان يصور رعب معتقل المزة. هدوء، ثم اصوات بشرية مذعورة، لا بل "جعير" واصوات ألم تقطع الانفاس نتيجة التعذيب المتواصل الذي لا يتوقف ليلة واحدة. لحظات قليلة، يهدأ الصراخ ويعم سكون الموت ويعود بعدها صوت الصراخ والعويل والغثاء اشد من السابق. "يا الله ما اطول الليل في معتقل المزة. فتبدأ المعتقلات المسلمات بالتكبير بصوت خافت. اما نحن المسيحيات فنبدأ الصلوات للعذراء والقديسين بصوت خافت (...)".

علمت هالا لاحقاً ان اهلها حاولوا الوصول اليها بعدما تمكنوا من تحديد مكانها عبر رشوة احد الضباط السوريين، وفعلاً وصل الاهل الى بوابة معتقل المزة لكن مديره بسام الحسن رفض السماح لهم بالدخول وحاول ابتزازهم "أليس اللبنانيين أثرياء؟". اكلت هالا البطاطا والزيتون والبرغل والقرنبيط المسلوق كل ايامها في المعتقل. وكانت تمضي الوقت مع المعتقلات الأخريات في البكاء وسرد الاخبار عن الاهل والاولاد والعيال والاستماع الى المعتقلات الواصلات حديثاً واللواتي كان الجميع يهتم بمعالجة جراحهن بواسطة المياه وقطع الثياب الممزقة التي يتركها ورائهم بعض المفرج عنهم. وكان الجنود السوريون الفارون من الخدمة العسكرية الذين يمضون فترة احكامهم في احد اجنحة المعتقل يقومون بالخدمة وكان اسمهم "الفرارية". اما المرضى الذين كانوا يشرفون على الموت فكانوا ينقلون الى مستشفى المواساة القريب من المعتقل، حيث تقوم الشرطة العسكرية السورية بحراستهم.

تذكر هالا جيداً معتقلة اردنية احضرت من التحقيق الى الافرادي وعلامات الموت بادية عليها فاختار الجلادون نقلها الى زنزانة النساء، وكان لونها ازرق من شدة الضرب والزبد يتصاعد من فمها والدم ينزف قليلاً من الاذنين والانف. فقالت هالا للجلادين: "انها تموت ماذا نستطيع ان نفعل لها". فأجابها احدهم: "انشاالله تموتوا كلكم".

حاولت السجينات مساعدة المعتقلة المنكوبة بالتدليك الاصطناعي ومسح وجهها بالمياه لكنها سرعان ما اخذت تتنفس بسرعة ثم صحت صحوتها الاخيرة ونظرت الى الوجوه المجتمعة حولها شبه غائبة عن الوعي وغابت الى دنيا الآخرة. اخذت هالا ورفيقاتها يصرخن طلباً للمساعدة فدخل الحراس والجلادون واخذوا يضربون الجميع ويشتمونهم، وحملوا الجثة على حمالة الى المستشفى بعد فوات الاوان وعلمت هالا لاحقاً ان المرأة اضيفت الى لائحة الموتى والمفقودين. تذكر هالاً جيداً ان معتقل المزة لا يقاس بشيء امام المرويات عن معتقل تدمر. هناك يعرض المعتقلون للكلاب الجائعة ويتم اعدام المتهمين على الخازوق اضافة الى استخدام الافاعي والجرذان في عمليات التعذيب.

طفل معتقل

امضت هالا الحاج ثماني سنين في معتقل المزة. المعتقلات السابقات اخبروها، ان النائب اللبناني السابق المرحوم الدكتور فريد سرحال، حل فيه ضيفا عندما خطفه رجال الاستخبارات السوريون عام 1989، وكانوا اضافة الى اعتقاله يجبرونه على تنظيف المراحيض ومسح الارض لاذلاله لانه كان مرشحا لرئاسة الجمهورية في لبنان. وتذكرت هالا ايضا ما قام به الجلادون لتعذيب احد المعتقلين من جنود الجيش اللبناني، حين ربطوه او صلبوه على خشبة ضخمة مثل الصليب، وثبتوا الخشبة الضخمة بالحبال والكابلات وطلبوا منه السير دائريا وهم يضربونه بالكرابيج وكأنه حصان. وصلبوه تسعة ايام في الشمس على بلانكوه فأخذ الدم ينزف من كل انحاء جسده وفمه واذنيه. اما الورطة الكبيرة فكانت يوم وفاة ابن الرئيس السوري حافظ الاسد، باسل، عندما دخل الجلادون الى المعقتل وانهالوا على الجميع بالضرب بعدما منع الطعام عن الجميع ايضا لانهم اعتقدوا ان المعتقلين فرحوا لموته.

امضت هالا ثماني سنين في المزة دون محاكمة الى ان قرر السوريون الافراج عنها استجابة للوساطات، فنقلوها في شاحنة عسكرية الى عنجر، حيث وضعت في احدى الزنزانات الى جانب سيدة معتقلة مع طفلها (لاحقا اكتشف في المقبرة الجماعية في عنجر، هيكل عظمي لطفل). وهناك زار غازي كنعان سجينته هالا الحاج وقال لها: "غلطنا معك يا هالا، اتمنى ان تكوني قد تعلمت الدرس واحذرك انني في المرة القادمة سأطحن لحمك مع عظمك ويجب ان تعلمي انت ومن ورائك ان سوريا هي قدركم مهما حاولتم التفلت منا".

لم تخرج هالا من معتقل عنجر الى الحرية من دون وداع، بل انقض عليها عدنان بلول بالضرب مع النقيب سليمان سلامة رئيس فريق المحققين في عنجر. واخيرا تسلمتها الاستخبارات اللبنانية في العاشرة ليلا، وما ان وصلت الى المعتقل اللبناني على الارض اللبنانية حتى انهال عليها ابناء جلدتها بالضرب يريدون استعادة التحقيق معها فقالت لهم: "الا تكفي ثماني سنوات من التعذيب في سوريا فماذا تريدون مني بعد، لقد اصبحت اتكلم اللهجة السورية ونسيت اسماء عائلتي فماذا تريدون مني؟". لكن الكلام لم ينفع فالمحقق اللبناني يريد استعادة التحقيق من جديد ويريد كتابة محضر. وفي نهاية المطاف بصمت هالا على ورقة ونقلت الى الشرطة العسكرية حيث امضت ثلاثة ايام قبل ان يتدخل احد السياسيين الموالين لسوريا قائلا لهم: ثماني سنين كافية لتأديبها فماذا تريدون بعد؟!.