سنة على الانسحاب "المالي" نموذج للجشع والخسارة
التاريخية
لبنان "يربح" مبدئياً أول ملياري دولار منذ ثلاثة
عقود سورية
ابراهيم هاشم
لو لم يتم الانسحاب السوري بالصورة الذي تم فيها،
شكلاً ومضموناً وتوقيتاً، لكان من الممكن في
الذكرى الأولى لرحيل آخر جندي سوري عن لبنان، أن
يُطرح السؤال بشكل معاكس: ماذا خسر لبنان خلال عام
كامل من "تقاعد" الجنود السوريين وإعادة انتشارهم
إلى ما وراء الحدود؟ ولكن الواقع اللبناني السوري
المعقّد، وتداعيات الاستقلال الثاني، والمرحلة
السياسية الجديدة التي بدأ لبنان برسم خطوطها
الأولى بعد ثلاثة عقود من الحروب الساخنة والباردة
والفاترة، تفرض أن يكون السؤال أكثر منطقية
وحذاقة: ماذا كسب لبنان خلال 365 يوماً استجمع
فيها ما بقي من قواه لبناء حكم ذاتي طال انتظاره؟
يبدو سرد الفوائد أقرب إلى السذاجة عند اقترانه
بالاستقلال، يجب أن يتجاوز الجانب النقدي، إلا أنه
من المفيد الإضاءة على "ما تيسّر" من الجانب
النقدي، ولو مبدئياً بانتظار تغير الأوضاع تحصد
النتيجة الفعلية فيلبس ثوب الأرقام وينضوي في خانة
الاقتصاد، وينطلق لاحتساب كم وفّر لبنان مما كان
يمكن أن يخسره لو استمر الحال على ما كان عليه
عاماً آخر. وبصيغة أخرى: ماذا لم يخسر لبنان منذ
26 نيسان 2005؟
في دراستين منشورتين أعدهما الدكتور كمال ديب وجو
فضول، تراوح ما سرقته الطغمة المخابراتية
اللبنانية السورية، برموزها ومؤسساتها وأزلامها،
بين 24 و27 مليار دولار أميركي (بدون احتساب
الفائدة التي قد تصل إلى 14 مليار دولار خلال
ثلاثة عقود)، من خلال الاتاوات عبر الحواجز
المنتشرة والخوّات والابتزاز من المرفأ، المطار،
كازينو لبنان، مصارف ومؤسسات خاصة، بالإضافة إلى
الإعلانات الإجبارية في الصحف السورية التي يتم
فرضها على الشركات اللبنانية... والسلب والنهب
اللذين مورسا على مؤسسات رفضت الخوّات والابتزاز
والاختلاس من خلال الأزلام والمحاسيب المزروعين في
الإدارات العامة والمصادرة (أراض ومنازل وفيلاَّت
وسيارات...) والعمالة (بين 400 ألف ومليون عامل)
والصفقات والتلزيمات والتعهدات (النفط، الهاتف،
الكسارات، المناقصات...)، والتهريب، فضلاً عن
المواسم مثل الانتخابات التي كان يفرض فيها إتاوات
باهظة على المرشحين على بعض اللوائح، وغير ذلك من
البنود المستترة التي لا يمكن احتسابها.
وأمام الواقع الذي يفرض نفسه على هكذا نوع من
الحسابات العصية على التدقيق، تبدو الاستعانة
بـ"حسابات النسوان" مفيدة لوضع معادلات حسابية
بسيطة تبيّن الحد الأدنى لما ربحه الوطن خلال
العام الأخير، قياساً بما سُرق من اللبنانيين
جرّاء الوصاية ومتفرعاتها التي كبّدت الاقتصاد
عشرات مليارات من الدولارات كانت كافية لسد الدين
العام الذي لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه أصلاً.
تشير الأرقام إلى أن العمالة السورية في لبنان
كانت تتراوح بين 400 ألف ومليون ونصف المليون عامل
وتختلف باختلاف المواسم. أما اليوم فبات الرقم
أكثر ضموراً وينحصر بين 300 و400 ألف عامل. وإذا
كان العامل يحوّل إلى بلاده ما مقداره كحد أدنى
سبعة دولارات يومياً، خلال 250 يوم عمل سنوياً،
يمكن الاستنتاج أن حجم التحويل السنوي انخفض من
مليار و750 مليون دولار إلى نحو الـ612 مليون
دولار ما يعني توفير أكثر من مليار دولار على هذا
الصعيد.
هؤلاء العمال أنجزوا أعمالاً لقاء أموال، وتقع
مسؤولية عدم تنظيم أوضاعهم على الذين استباحوا
وجودهم من الجانبين اللبناني والسوري ليثروا على
حسابهم وحساب الخزينة اللبنانية ويحرموها من البدل
المفترض لرُخصهم ومستحقات الوزارات المعنية من
دخولهم وخروجهم وتأميناتهم وانخراطهم في سوق العمل
اللبناني، والتي يقدر مجموعها بعدة ملايين من
الدولارات.
أضف إلى ذلك ما كان يدخل لبنان من البضائع والسلع
والمنتجات الزراعية السورية عبر ما يحمله ملايين
القادمين من تجار زائرين وعمال الى لبنان (عبر
مرفأ بيروت، والمطار، والمراكز الحدودية)، والذي
لا يخضع للجمارك ورسومها. وتقدّر الإحصاءات قيمة
هذه السلع بما بين 100 و300 مليون دولار سنوياً،
يمكن اعتبارها مكسباً من مكاسب 26 نيسان، رغم أن
أي حساب بسيط يوضح أن هذا الرقم متحفظ جداً، إذ أن
مجمل ما يستورده لبنان سنوياً يتعدى سبعة مليارات
دولار، ولو أخذ مركز المصنع مثالاً، لاتضح أن
شاحنات البضائع اللبنانية والسورية كانت تمر من
طريق جانبية بعيدة عن مراكز الجمارك (تهرباً من
الضريبة على القيمة المضافة)، وضع تعرفة ثابتة بين
5000 و8000 دولار عن كل مستوعب، مهما كانت
البضاعة. وافتراض أن 50 شاحنة تمر عبر هذا الطريق
لتراوح الناتج اليومي بين 250 ألف و400 ألف دولار،
ما يعني بين 90 و145 مليون دولار سنوياً عبر مركز
المصنع، فما بالك بالمطار والمرفأ؟
كما يمكن رسم الخطوط العريضة للاتاوات التي فرضت
حقبة من الزمن على المؤسسات بالنظر إلى حالة
كازينو لبنان الذي كان "يزوره" رجال المخابرات
السورية مع ساعات الصباح الأولى لِلم حصتهم ولكن
من دون مقامرة، بل من خلال إفراغ آلات اللعب
النقدية "على عينك يا تاجر"، في ما يمكن وصفه
بالسرقة الوقحة التي تقدّر "عائداتها" السنوية
بـ50 مليون دولار.
زيارات رجال المخابرات كانت تتوالى مراراً
وتكراراً لهذا المصرف أو ذاك، ولهذه المؤسسة أو
تلك، وتتراوح حصيلتها بين 10 و100 آلاف دولار من
المؤسسة. واعتماداً على بعض التقديرات فإن هذه
الابتزازات شملت أكثر من 100 ألف مؤسسة، فلو كان
معدل ما فُرض على كل مؤسسة 1500 دولار (نقداً أو
من خلال الخدمات والسلع المجانية) تم استيفاؤه
منها شهرياً، لأمكن وضع المعادلة الآتية: 12 ـ
1500 100000 = مليار و800 مليون دولار، أي ما
يوازي 60 مليون دولار سنوياً (بعض التقديرات تشير
إلى 180 مليون دولار سنوياً)، تُضاف إلى ما أنقذه
لبنان العام الماضي.
وفي مجال النفط، فإن مجمل المبالغ التي كانت
"تترسب" في جيوب الوكلاء بعد حسم ثمن الغاز
المنزلي (على سبيل المثال) وبدل نقله وتخزينه يبلغ
200 مليون دولار شهرياً، يمكن القول أننا تحررنا
منها اليوم.
أما احتلال الشقق والفيلات والمنازل، والذي يمكن
تقديره بعملية حسابية افتراضية تفضي الى أن بدل
إشغال كل منزل لا يقل عن 10000 دولار سنوياً. وإذا
عمد عدد من الضباط إلى احتلال 1000 منزل، فإن
الناتج السنوي لن يقل عن عشرة ملايين دولار، من
دون احتساب بدل استهلاك البيوت، والتي قد يضطر
أصحابها (الذين حُرموا منها ومن عائداتها ثلاثين
عاماً) إلى ترميمها أو إعادة بنائها.
هذه المبالغ تُضاف إلى أخرى كانت بدأت بالتناقص
خلال عهد الوصاية، أبرزها "تهريب" الاتصالات
الدولية خارج إطار وزارة الاتصالات، من خلال
المقسّمات غير الشرعية، والتي كان ريعها (250
مليون دولار سنوياً) يصب في جيوب المحميين،
بالإضافة إلى المرور الإجباري لخطوط الانترنت
اللبنانية في مدينة طرطوس، مع ما يعنيه ذلك من بدل
عن كل دقيقة استخدام للانترنت في لبنان، ناهيك عن
الإتاوات التي استوفتها الحواجز السورية على
الأراضي اللبنانية طوال 30 عاماً والمقدرة بمليار
و600 مليون دولار.
يتضح من ذلك أن لبنان وفّر ما لا يقل عن ملياري
دولار سنوياً من الأموال التي كانت تتبخر لتمطر
ذهباً في جيوب المخابرات والأزلام.
إن التوسع قليلاً في الحسابات يبين أنه ما زال
هناك الكثير لتوفيره، خصوصاً وأن المافيا
اللبنانية المدربة شر تدريب ما زالت موجودة
بعديدها وعتادها وهي تقوم بمهمتها التي امتهنتها
وتمرست فيها سنين طوال، وبالتالي فإن الحسابات
"النسوانية" وحدها لن تكفي خلال الأيام المقبلة
لرصد الخلل، بل قد يتعين القيام بتحقيق أكثر دقة،
لأن معرفة ما ربحه لبنان منذ 26 نيسان 2005 تستلزم
إجابة مستفيضة على الأسئلة العالقة حول ما خسر
لبنان خلال الـ30 عاماً الماضية!