|
مرغماً أجلى النظام السوري جيشه ونفوذه عن لبنان،
بفعل تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
والقوى السياسية اللبنانية الرئيسية، لم تتوافق في
ما بينها على هذا الجلاء القسري الذي خلّف وراءه
مواقف معارضة له من جماعات وأطراف لبنانية فوجئت
به واعتبرته، ضمناً، يمس نفوذها وقوتها. ولهذين
السببين المتداخلين، لم يأتِ الجلاء كاملاً.
فالنظام السوري لا يزال يتدخل سياسياً وأمنياً في
الشؤون اللبنانية الداخلية، وفي علاقات لبنان
العربية والدولية.
وحتى الساعة لا يزال اللبنانيون مختلفين في شؤون
إدارة البلد ورسم سياساته التي يحتم الجلاء السوري
إعادة النظر فيها ورسمها من جديد.
واذا كانت القوى السياسية اللبنانية متفقة على
العناوين العامة في ما يتعلق بالمشكلات السياسية
العالقة، فإنها في حقيقة الامر غير متفقة فعلياً
وعملياً الا على تسمية المشكلات الاساسية، وعلى
نحو موارب وغير صريح. وهذا ما يحصل فعلاً في جلسات
الحوار الوطني الراهن، التي ما أن يتفق المحاورون
فيها على موضوع ما، حتى يختلفون في تفاصيله كلها.
حلفاء سوريا اللبنانيون
مثلاً، يستحيل عليك الآن أن تعرف ما هو موقف أطراف
الحوار من مسألة انتشار السلاح الفلسطيني.
يقولون إنهم توافقوا على نزع هذا السلاح المنتشر
خارج المخيمات. لكن المشكلة تكمن في كيفية تنفيذ
هذا الامر. فالحكومة اللبنانية الساعية في تنفيذ
قرار نزع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات، لا
تحظى بدعم الذين وافقوا على هذا القرار.
وقد توافقوا ايضاً على مبدأ إقامة علاقات سورية
لبنانية طبيعية، وكلفوا رئيس حكومة لبنان إجراء
محادثات مع الحكومة السورية في هذا الشأن. لكن
المشكلة لا تكمن فقط في أن الحكومة السورية لم
توافق على جدول أعمال المحادثات الذي قالت الصحف
إن رئيس الحكومة اللبنانية أرسله الى سوريا
تمهيداً لزيارته لها، بل تكمن ايضاً في أن بعض
الاطراف اللبنانيين من حلفاء سوريا والذين وافقوا
على مبدأ العلاقات الطبيعية، لا يدعمون رئيس
الحكومة اللبنانية في الموضوعات التي تضمنها جدول
الاعمال.
أنهم يفوّضون رئيس الحكومة القيام بالمفاوضات، ولا
يقفون معه حين يضع جدول أعمالها. فالفريق اللبناني
المتحالف مع النظام السوري، يقول إنه يؤيد مبدأ
العلاقات الطبيعية، لكنه يضيف انه لا يستطيع
التأثير على هذا النظام في حال عدم موافقته على
هذا الامر او ذاك.
إذا أردنا التثبت من هذا السلوك، فلننظر الى ما
يفعله حلفاء سوريا من السياسيين اللبنانيين. فبين
أوائل نيسان الحالي ومنتصفه، لم يترك هؤلاء سبيلاً
الى إعلان مواقفهم المتشجنة في ما يقومون به من
اجتماعات وتجمعات، وفي تصريحاتهم وخطبهم الملتهبة
المهددة.
خلاصة الامر تتجلى في مشكلتين:
-1 لم يأتِ الخروج السوري من لبنان نتيجة تفاوض
وتوافق بين السوريين والقوى السياسية الاساسية في
لبنان، بل إن هذا الخروج جاء استثنائياً وعاصفاً
ومريراً، تاركاً وراءه التأثير السوري الكبير
والتدخل السوري الواضح في الشؤون اللبنانية،
سياسياً وأمنياً وديبلوماسياً. ولذلك تجد النظام
السوري مطمئناً الى عدم إطمئنان لبنان، والى عدم
استقرار أوضاعه الداخلية وتوافق قواه السياسية على
نحو عملي وفعلي.
-2 إن الاطراف السياسية اللبنانية لم تستطع التوصل
الى توافقات في ما بينها من دون أن نتحدث عن
إجماعات حول المسائل الوطنية الرئيسية التي لم
تعالج سابقاً وتُركت معلقة منذ إبرام اتفاق
الطائف، بسبب الوجود السوري في لبنان.
نعم إننا اليوم في قلب مشكلات لبنانية كبرى،
يزيدها تفاقـــماً ان المشكلات الاقليمية القائمة
في المنطــقـــة والـــتي تتجمع اليوم تحـــت
عنـــوان المواجهة الاميركية الايرانية، تنوء
بثقلها على لبنان وتضعه في فلك من عدم الاستقرار
السياسي والاستراتيجي.
والأمل معقود على بقاء هذه المواجهة في إطارها
السياسي، من دون أن تصل الى حالة عدم الاستقرار
الأمني.
والأمل معقود ايضاً على أن يصل الحوار الداخلي
اللبناني، إن لم يكن الى نوع من التوافق، فإلى أفق
يمكن التقدم فيه نحو التوافق في الأشهر المقبلة.
فقدان التوازن والتوافق
حتى لو توافر انتظام أو توافق داخلي لبناني أساسي،
بين الكتل السياسية والطائفية الكبرى في البلاد،
لا نستطيع القول إن المأزق اللبناني السوري قد جرى
حلّه وتجاوزه في ما يتعلق بإقامة علاقات لن أسميها
ندية، بل متوازنة بين دولتين مستقلتين وجارتين،
إنما نستطيع القول إن التوافق اللبناني يقلل من
صعوبة المأزق القائم بين الدولتين، لأنه يمكّننا
من التفاوض مع سوريا في صوت واحد موحد.
واذا كان التوافق اللبناني الداخلي غير متوافر حتى
الساعة، فان مصلحة النظام السوري تقتضي عدم توافره
ابدا، وهو يعمل جاهدا ليظل على حاله معلقا
ومضطرباً.
ان لبنان اليوم، وربما في كل وقت، يحتاج الى
التوافق او الاجماع حول سلوك الحكم ومواقفه في
المسائل الاساسية، لأن نظامه ديموقراطي توافقي،
وليس ديموقراطيا يقوم الحكم فيه على ما تقرره
اكثرية حاكمة تستطيع الاقلية ان تعارضها على نحو
لا يعطل الحكم نفسه، اي على نحو ما يحصل في
الانظمة الديموقراطية المعروفة في العالم.
ما يحصل الآن في لبنان ولم نتنبه اليه من قبل، هو
ان البلد لم يعد قراره مرهونا بمواقف ثلاث جماعات
سياسية طائفية اساسية وكبرى، هي الموارنة والسنّة
والشيعة، بل صار مرهونا بمواقف جماعتين سياسيتين
كبريين هما السنّة والشيعة اللتين لكل منهما
زعامته الواحدة الموحدة، فيما الجماعة الثالثة، اي
المسيحية عموما، منقسمة وغير موحدة الزعامة. ثم ان
هناك فريقاً من هذه الجماعة تحالف مع تيار
"المستقبل" وفريق آخر تحالف مع "حزب الله". وهذا
يعني ان الجماعة المسيحية لم يعد لديها صوت مستقل
مؤثر ليلعب دورا فاعلا وراجحا في الخلافات
السياسية اللبنانية، على ما كان عليه الحال ايام
ما يسمى "الهيمنة السياسية المارونية"، حينما كانت
"المارونية السياسية" تشكل قطب الحياة السياسية
اللبنانية او محورها، ولها امتداداتها في الجماعات
السياسية الاخرى التي كانت تنقسم وتنتظم حول
الانقسامات السياسية المارونية او المسيحية
نفسها.
هذا الشكل من الانقسامات كان يؤمن توازنا سياسيا،
يتيح لهذا الحلف السياسي او ذاك ان يلعب دور
الموازن او المعترض او من يملك حق الفيتو في
الامور السياسية الداخلية والاقليمية.
اليوم يفتقد لبنان السياسي قوة سياسية رئيسية، او
حلفاً سياسياً يخترق الجماعات الطائفية، يناهضه
حلف آخر يخترق الطوائف ايضا، كي تتوازن الحياة
السياسية الوطنية وتنتظم بين الجماعات والطوائف
اللبنانية. اما فكرة الاكثرية البرلمانية التي
تؤمن ركيزة الحكم في البلاد، من دون ان تكون هذه
الاكثرية مختلطة طائفيا او تخترق الطوائف، فهي
فكرة لم نعتد عليها. لقد بقي الوضع على ما كان
عليه سابقا، رغم ان دستور الطائف يقول غير ذلك.
لكن الواقع ان هذا الدستور لم يحكم، بل بقي معلقا.
فالسلطة السياسية التي انبثقت عن اكثرية نيابية
واجتمعت اكثرية حاكمة في مجلس الوزراء، والتي
يخولها الطائف ان تتخذ قراراتها بالتوافق او
الاكثرية في القضايا الرئيسية والتفصيلية، ان هذه
السلطة السياسية الراهنة غير قادرة على حسم
مواقفها والسير فيها قدما، لاسباب كثيرة منها انها
غير متوافقة في المسائل والمشكلات التي نجمت عن
الخروج السوري.
لقد كان المسيحيون اللبنانيون اصحاب المطلب الملح
والرئيسي الذي يتمثل بالانسحاب السوري وباستقلالية
القرار اللبناني. وبما ان هذا الانسحاب قد تحقق،
يفترض بالمسيحيين ان يكونوا طرفا رئيسيا فاعلا،
وعلى توافق في ما يتعلق بالملفات السياسية الوطنية
الراهنة. لكن الواقع المسيحي في حقيقته ليس على
هذه الصورة من الفاعلية اليوم، ليس بسبب تضاؤل عدد
المسيحيين، على ما يقال ويتردد احيانا، بل لأن
الفريق السياسي المسيحي منقسم تيارين غير متقاربين
او متوافقين، وكل منهما مصطف الى جانب القوتين
السياسيتين الطائفيتين الكبريين في البلاد، اي
السنّة والشيعة.
لذا اظن ان المشكلة السياسية الراهنة اليوم في
لبنان تتمثل في ضعف فاعلية القرار المسيحي، وفي ان
تيار العماد ميشال عون لم يوافق اصلا على اتفاق
الطائف. فالعماد عون، رغم ان الطائف قد امسى
دستورا، لا يزال يعتبر ان تطبيقه ليس بالامر الملح
ولا هو من الاولويات. لذا تجده في مواقفه السياسية
اليومية يتحدث في مسألتين اثنتين فقط: الفساد
ورئاسة الجمهورية، متجنبا الكلام في ضرورة تطبيق
الدستور الذي تعطل بسبب الوجود السوري.
وقد تكون المشكلة الثانية الراهنة والتي تفوق
الاولى صعوبة، متمثلة في ان فريقا سياسيا وطائفيا
لبنانيا اساسيا وكبيرا، هو الشيعة، يملك رؤية خاصة
به للبنان ودوره ومستقبله، معتبرا ان لبنان دولة
مواجهة ضد اسرائيل في المنطقة. ورؤيته هذه تنطوي
ايضاً على نظرة خاصة به لعلاقة لبنان بايران
وسوريا واميركا واوروبا. وهذا ما يسميه المواجهة
المفتوحة للمخططات الاسرائيلية الاميركية في
المنطقة، والتي تحتم عدم خروج السوريين من لبنان.
اما وقد جرى اخراجهم قسرا، فمن الضروري ان تكون
سوريا حليف لبنان الأقرب والرئيسي في هذه
المواجهة.
لا ادري، اخيرا، الى اي حد وفي اي وقت يستعد هذا
الفريق السياسي الشيعي الى الكلام جديا في مسائل
بناء الدولة والالتزام بمنطقها، وعلاقة ما يسمى
سلاح المقاومة بالدولة. ان هذه المسائل الشائكة لم
يجر، حتى الآن، بحثها جديا وفي اجواء حوارية
هادئة، بعيدا عن الشعارات والخطب.
في انتظار البحث الجدي والهادىء في هذه المسائل
الشائكة، يقول هذا الفريق السياسي في شعاراته
وخطبه وسلوكه: ها أنذا جالس في وسط الساحة حاملا
مصالحي ونظرتي ورؤيتي وسلاحي وتحالفاتي، وعلى
الآخرين ان يتلاءموا معي، من غير ان ابادلكم
التلاؤم.
اقول هذا غير ساع في توزيع التهم، قدر سعيي في
ايضاح المشكلة التي يتعذر حلها حتى الآن، لتعذر
التوافق على عدد من المسائل الاساسية، اهمها في
الوقت الراهن عقدة رئاسة الجمهورية، وفي المدى
الاستراتيجي سلاح "حزب الله".
وهذا ما يضع لبنان في مهب احتمالات كثيرة.
( ) جامعي وباحث لبناني في الاسلاميات ومستشار
الرئيس فؤاد السنيورة.
سجّل المقابلة
وكتبها محمد أبي سمرا
|