|
ليست العلاقات اللبنانية السورية سوى مشكلة شائكة
وشديدة التعقيد، مذ كان لبنان دولة مستقلة. فتاريخ
لبنان الحديث والمستقل هو، في وجه من وجوهه
السياسية والامنية، تاريخ علاقته المضطربة بالنظام
السوري، وخصوصاً في حقبته البعثية المستمرة. في
إطار الذكرى السنوية الاولى لانسحاب الجيش السوري
من لبنان في 26 نيسان 2005، سجلت "النهار" آراء
باحثين وسياسيين لبنانيين في حاضر هذه العلاقات
الشائكة ومستقبلها.
العام الذي انصرم كان سلسلة تجارب بالنسبة الى
لبنان، امتزجت فيها المآسي مع التحولات التاريخية.
واذا كان استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط
2005 هو ذروة المآسي، فإن انسحاب الجيش السوري من
لبنان في 26 نيسان 2005 هو ذروة التحولات.
لا شك في انه بين الاغتيال والانسحاب علاقة
مباشرة، اعترف بها الرئيس السوري بشار الاسد نفسه
في خطابه في جامعة دمشق في 10 تشرين الثاني 2005
حين قال "(...) لم تكن مشكلتنا بالنسبة الى البقاء
او عدم البقاء في لبنان هي القرارات الدولية، كانت
المشكلة هي موافقة الشعب اللبناني او عدم موافقته.
وما حصل بعد اغتيال الرئيس الحريري هو انقلاب جذري
في المواقف لدى بعض شرائح المجتمع اللبناني التي
اندفعت بحالة عاطفية، غرّر بها من قبل الاعلام
اللبناني او غرّر بها من قبل بعض المسؤولين
اللبنانيين، فكان القرار في ذلك الوقت هو الانسحاب
فوراً ولم نعلن عنه قبل الاعلان، انا اتحدث عن
الايام التي تلت اغتيال الحريري والتداعيات التي
حصلت في لبنان...".
فالرئيس السوري اعترف، اذاً، ان اللبنانيين هم
الذين دفعوا بسوريا الى الخروج من لبنان.
التكرار السوري
انسحاب الجيش السوري حدث بسرعة ووسط اجواء شعبية
ظهرت فيها مواقف حادة ازاء القيادة السورية، مما
انعكس من دون شك على العلاقة بين البلدين، وحتى
على العلاقة بين الشعبين، وهو واقع ما زال مستمراً
حتى الآن.
لكن لبنان الذي انتفض واستخلص الدروس لم يرَ في
المقابل تغيراً في السياسة السورية، بالرغم من كل
المواقف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية، والتي
يبرز في طليعتها موقف النائب سعد الحريري الذي
اعلن انه يجب فصل التحقيق الدولي في شأن والده
الرئيس رفيق الحريري عن العلاقة اللبنانية السورية
التي دعا، في غير مناسبة، الى ان تكون مميزة.
وكذلك مواقف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي
تجاوز الاهانة الكلامية الصادرة عن الرئيس السوري،
ليطلب زيارة دمشق نتيجة قرار مؤتمر الحوار الوطني.
المواقف هذه ناتجة عن قناعة المسؤولين اللبنانيين
بأن العلاقة بين البلدين الشقيقين يجب ان تكون ليس
فقط طبيعية، بل ممتازة. وهي قناعة يشترك فيها كل
القادة السياسيين والروحيين واصحاب الرأي في
لبنان، نظراً لاعتبارات معروفة ولا مجال لتكرارها.
ولكن هنا تبرز المشكلة السورية. المشكلة السورية
في كيفية التعاطي مع لبنان، لأن كل الدلائل تشير
الى ان سوريا لا تزال تتعاطى مع لبنان بالطريقة
إياها التي تعاطت بها معه خلال العقود الثلاثة
الماضية.
كأن سوريا لم تشف من لبنان، ولم يلتئم جرح خروجها
منه. او كأنها راهنت طويلاً على اهداف منها معلن
ومنها غير معلن لتجد نفسها مضطرة الى اعادة النظر
فيها. لذا تراها تعتمد الاسلوب القديم نفسه، وهو
اللجوء الى الحلفاء في لبنان، والعمل على اعادة
تكوين جبهات، تماماً مثلما كان يجري طول السنوات
الطويلة الماضية.
فاللبنانيون الذين ادركوا تماما ان بلدهم لن يعود
ساعة صراع ولا ورقة تفاوض، ولا موضوع صفقة مع
اميركا مجدداً، يرون، في المقابل، ان هنالك
محاولات مركزة لإعادة جعله ساحة، والايحاء بأن
صفقة اميركية سورية وشيكة الحدوث مجدداً، يستعاد
فيها الدور والنفوذ السوريين في لبنان.
مراهنة البعض على ذلك تظهر من خلال مصالح بعض
السياسيين او النواب السابقين، ممن يصنفون بأنهم
حلفاء سوريا، رغبة منهم باستعادة وجودهم ودورهم.
لكن متى تقلع السياسة السورية عن هذا حقاً؟ اليس
لدى سوريا حاليا فرصة لمصادقة جميع اللبنانيين بدل
ان تختار منهم فريقاً دون غيره؟ اليس هنالك اليوم
اجواء مؤاتية لاقامة علاقات متينة بين الشعبين،
تتجاوز تلك التي كانت محصورة بعدد من السياسيين؟
وهل ان العلاقة بين البلدين هي علاقة بين القيادة
السورية وعدد من المسؤولين السياسيين اللبنانيين
الذين كان الرئيس السوري يستقبلهم مداورة، كدليل
على انه هو المرجع، خلافاً للاعراف التي يجب ان
ترعى العلاقة حتى بين دولتين جارتين شقيقين.
وهل كانت تلك من الاصول الصحية في العلاقة، وهل ان
الانجراف السوري في التعاطي المباشر في الشأن
اللبناني، الذي بلغ ذروته المعروفة في آب 2004،
عند اتخاذ قرار التمديد للرئيس اميل لحود خلافاً
للموقف الدولي ولمواقف غالبية القيادات اللبنانية
من البطريرك الماروني الى الرئيس رفيق الحريري الى
النائب وليد جنبلاط الى كبريات وسائل الاعلام،
والى معظم القوى السياسية واصحاب الرأي، هل هو
انجراف لا قدرة لنظام الحكم السوري بالرجوع عنه؟
ولماذا؟
والأخطاء التي اعترف الرئيس السوري بشار الاسد
بها، الم يحن الوقت للرجوع عنه؟
ان القطاعات الفاعلة في المجتمعين اللبناني
والسوري لا يعرف بعضها البعض الآخر. فال تجمعات
الاطباء او المحامين او الجامعيين او الطلاب او
الاساتذة في كل من البلدين يلتقي احدهما بالآخر!
لماذا؟ أعلى هذا النحو تُبنى العلاقات بين
الدولتين؟ ويتم التعارف والتقارب بين الشعبين؟!
فالعودة الى المواقع السابقة هو امر مستحيل حتى
وإن تراجعت كل السياسة الاميركية في العراق التي
يراهن عليها حلفاء سوريا في لبنان. لأنه، اذا حصل
ذلك، فهذا لا يعني بصورة آلية اعادة استقواء
للسياسة السورية في لبنان. فالسياسات ليست ردود
فعل. والعلاقات بين الدول لا تُبنى بالصراع
والمنازلة وتسجيل المكاسب، بل انها عملية تعاون
متبادل ومصالح متبادلة، على نحو ما جرى في الدول
المتحضرة التي سبقتنا في العلاقات المستقبلية
مثلما هو الحال في دول الاتحاد الاوروبي. وليس
صحيحاً ان التاريخ يعيد نفسه على النحو الذي
يتمناه البعض. اما اذا استمرينا نقول ان ما صنعه
الله بين سوريا ولبنان هو مختلف عما صنعه بين
الدول الاخرى، فأن ذلك لا يندرج في السياسة
الواقعية التي لا وجود للسياسة خارجها، أكانت
محلية ام اقليمية ام دولية.
( ) أستاذ في القانون الدولي، ومستشار للرئيس
الشهيد رفيق الحريري
سجّل المقابلة
وكتبها محمد أبي سمرا
|