|
حسناً فلنضع الأمور في نصابها. لقد اضطرّ النظام
السوري الى الانسحاب من لبنان، تحت وطأة ضغط دولي
غير مسبوق جاء استجابةً من المجتمع الدولي لطموحات
الشعب اللبناني المتوحِّد أمام ضريح الرئيس رفيق
الحريري. لكن ومنذ "خطبة الانسحاب" للرئيس الأسد،
والتي توعّد فيها الشعب اللبناني بالفتنة والفوضى،
لم يتوقَّف مسلسل التفجيرات والاغتيالات، في
محاولة لمنع اللبنانيين من إعادة ترميم وطنهم
وإحياء دولتهم والعودة مجدداً الى الخريطة بعد
عقود من التغييب والهيمنة ومصادرة القرار، في ما
يشبه الانتقام الشاذّ من ضحية تفلَّتت بأعجوبة من
يديّ جلادها المجنون.
اطمئنانا بأن سنوات الهيمنة الصعبة الطويلة تعطي
قوة البطش مشروعية بطش القوة، انهال هذا النظام
على رهينته المتحرِّرة أخيراً لاعناً ومتوعّداً
ومؤدِّباً. فازدادت وتيرة غضبه بازدياد حسرته من
تقلّص سيطرته على مصير الضحية وحقده عليها و...
خوفه منها. فهو يعرف تماماً أن مصير باقي رهائنه
سيقرع أبوابه قريباً وأن نسائم الحرية الفوّاحة
ستتنقّل في القريب الى بيته ولن تمنعها بعد اليوم
الأسوار.
جنّ جنون الجلاد. هل يُعقل أن تتنازل القوة أمام
الموقف؟ وأن يتغلّب شعبٌ مسكين على إرادة السكّين؟
هل تجوز خسارة بهذا الحجم؟ لسنوات عدّة كانت
الضحية تسجد عند قدَمَي سيّدها، تعفّر وجهها بتراب
حذائه وتستصرخه رحمةً وتوبة. وكان هو يزداد شموخاً
وعنجهية واغتصابا. فهو القائد الخالد وهو المظفَّر
خاسراً الجولان، وهو نجوم الحرب، التي لم تُشنّ
يوماً، وهو العسكر المتخوم سطانا وشأناً وفاصوليا.
وهو المثقف بنثرات أفكار يصرّ كل مرّة على
مذاكرتها بزهو لا يُصدَّق على مسمع الأكبرين. وهو
العامل النشيط لبناء الوطن عندما تنصرف مسيرة
الولاء، وهو الطالب اللبيب في طلائع الحزب ثم في
مدارسه وجامعاته. وهو الكاتب المرّ في صحف البلاد
الحرّة من قراءها، وهو الفنان الخلاّق يعبّر
بعبقرية عن مكنونات النظام الثوري أبداً. وهو
الجبهة الوطنية التقدمية وطقوس أصنامها، وهو...
الممدِّد لرئيس جمهورية لبنان!
هل تجوز خسارة بهذا الحجم؟ كان اللبنانيون مؤمنين
بوحدة المسار وكانوا مستعدين للتنازل عن السياسة
الخارجية، وعن الدفاع الوطني، وكانوا مكبّلين
باتفاقيات أمنية واقتصادية وتربوية وثقافية(؟)
وأصبح ضباط جيشهم يتخرّجون من معاهد بعثنا،
وكانوا، الحق يقال، يقيمون النُصُب والاحتفالات
وحلقات الدبكة في الساحات في أعيادنا ومناسباتنا
الخاصّة، وكانوا يرفعون لافتات التحية والولاء
تماماً كإخوتهم في المصير في حمص وحلب واللاذقية.
كان طلبهم أن ننسحب وأقسموا على أن يجعلوه
انسحاباً مشرِّفاً. حتى كانوا ليرضوا ببقاء جنودنا
في البقاع وفي بعض الجبل. وكانوا، على ما أكّد
بعضهم، يعدّون أكياس الأرزّ لرؤوسنا المغادِرة تحت
الأقواس. الى العلاقات المميَّزة والممتازة التي
باتت كحليب الأطفال في أفواههم. فما الذي حصل؟
وكيف انقلبت الأدوار وأصبحنا خارجاً؟!
جنّ جنون الجلاد...
وغرق لبنان في دماء أبنائه، خيرة أبنائه. فانتهى
الاحتفال وانصرف الجميع الى تعداد الجميع. مَن
منَّا ناقصٌ اليوم؟ تأخرت العبوة عن موعدها أليس
كذلك؟ هل تفحّصتَ سيارتك من زوائد غير مستحبَّة؟
كم مركبة تبدّل في مشوار من 15 كلم؟ لا، لا عمل
اليوم، اليوم للجنازة. مضى القاتل في تصيّد طرائده
من أبطال الاستقلال الجديد، وشرع مهجوساً في
انتقامه. فكيف إذا كانت الضحية - الهدف من أهل
الفكر أو الحريّة أو الاثنين معاً، سيسيل لعابه
بالتأكيد. وسيهوي عندئذ جبران تويني كما هوى سمير
قصير وكما هوى جورج حاوي أو كما كادت مي شدياق.
سيهوي جبران بعد أن يستدرجه رموز الوصاية السورية
وأولادها المدَلَّلون مثيرين الضوضاء والشائعات من
حوله، بعدما رفعت تظاهرات طلائع البعث صوره، الى
جانب سعد الحريري ووليد جنبلاط، حاخاماً، أي رقماً
في لائحة التصفية العنيدة.
وستدخل البلاد المستعادة في نفق مظلم، وسنتفرّق في
انتظار الأسوأ الذي غالباً لا يتأخر. ونفقد مرة
جديدة فرصة بناء دولة لم تقم منذ تأسيس الكيان.
كيف السبيل الى ردّ هذا القَدَر؟ مَن يحمي
اللبنانيين من الانتقام؟ وكيف نمنع اغتيال سمير
آخر وجبران آخر؟
نعم نريد الحماية الدولية. فهذا الجنين الجديد في
حاجة الى حاضنة ترعاه وتعبر به الى برّ الأمان في
هذه الفترة الانتقالية. ولن نخجل من وصاية الامم
المتحدة، تأخذ على عاتقها حماية أمن اللبنانيين،
والتحقيق في الجرائم التي يتعرّضون لها، والمساعدة
في بناء دولة حضارية تؤمّن المساواة بين أبنائها.
ولن نخجل من وصاية الأمم المتحدة تساعد اللبنانيين
في طي صفحات الماضي وتنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاً
صحيحاً، وتعيد من اسرائيل الأسرى والأراضي
المتبقية. ولن نخجل من وصاية تنعش الاقتصاد وتجدول
الديون وتتيح لشباب لبنان فرص عمل في وطنهم.
وخصوصاً لن نخجل من وصاية الأمم المتحدة تطمئن
اللبنانيين العزّل وتمنع عنهم هوس الجلاد. خرج
لبنان للمرة الأولى من قبضة الغير. وككلّ مولود
جديد هو في حاجة الى رعاية مركّزة ودائمة. ووصاية
من هذا النوع لا تتناقض مع استقلال في حاجة الى
فرصة الانجاز. واللبنانيون الذين يريدون الحياة
ويعشقونها يتطلعون الى غد يكرّم أبطال حريّتهم ولا
يدفنهم.
كلّ هذه الكوكبة من الأعزاء شهداء... إنه استقلالٌ
مكلفٌ حقّاً .
مواضيع ذات صلة:
|