المستقبل 15-03-2008

تحديات المؤتمر الأول لـ14 آذار

بول شاوول

المؤتمر الأول لـ14 آذار الذي عُقد أمس. وضمّ مَنْ ضمّ من الفاعليات والنخب والسياسيين والمثقفين والخبراء، كأنه مفتتح جديد في العلاقة بين الواقع والناس وبين التجمعات والأحزاب. هذه العلاقة تبدو وكأنها خطوة أولية لتجاوز الزمن "الأيديولوجي" المقنن والأفكار المقولبة الاسقاطية الجاهزة، وبين الزمن الذي يُختبر فيه الواقع، بمكوّناته، وخصوصياته، وطوابعه وتواريخه، لاستخلاص الأفكار والخطط. بمعنى آخر ان الأفكار كنماذج قَبْلِيّة لم تعد قادرة على إصلاح الواقع ولا تغييره ولا التعامل معه، باعتبار أن النمذجة نفسَها، كمجموعة مطلقات تاريخية أو دوغماتية، عادت غير قادرة لا على تفسير العالم ولا على معالجة مشاكله: إنه تجريب الأفكار والممارسات والأعمال الذي كنّا نفتقده على امتداد القرن الماضي، أي في الزمن الأيديولوجي سواء الثنائي: الاشتراكي (أو الشيوعي) أو فلنقل التاريخي، وبين الرأسمالي. ونظن أن هذه الثنائية ذات الطابع الأيديولوجي انعكست على مختلف الظواهر الفكرية والسياسية والفنية والفلسفية والنقدية والمسرحية والشعرية... بحيث بات على كل مَنْ كان يريد أن "يغامر" أو "يجرّب" أن يبني مدرسة أو كاتدرائيته أو نظرية أي "أيديولوجيته" الجاهزة.هل هو زمن ما بعد الحداثة؟ أم زمن حداثة ما بعد الحداثة أو زمن بلا تسمية، تتراكم أو تلتبس تسمياته باستمرار؟ ربما كان كل ذلك لكن المهم اليوم، أن كل شيء في طور التداخل في كل شيء: انعطبت "البنى" التاريخية في خلائط وفي تمازجات تعلن تحوّلات متسابقة في زمن التسارع: أي من الثابت الأيديولوجي الى المتغيّر في كل الاتجاهات. وعلى هذا الأساس كان لا بدّ من أن تحدث تغييرات في "جوهر" العلاقات حتى الابداعية، فيتفكك "النموذج" هنا، ويتعزز التجريب المفتوح هناك، على أديم غير مستقر تتحكم فيه أساساً القوى المسيطرة والمهيمنة، في صراع غير متكافئ، وفي فضاء غامض مما يسمى العولمة.
من هنا بالذات يمكن أن نرى الى مؤتمر 14 آذار: كأنه انخراط في هذه العملية "المفتوحة" في صوغ العلاقة بين الفكرة و"قولبتها"، بين الواقع وتأطره، بين الناس وبين عملية تجريدهم وتفريغهم. أي انها محاولة في مراحلها الأولى تسعى الى تشاركية مشرعة بين المجموعات وبين النخب وبين الأفكار ضمن ورش أي ضمن مشاريع هي التي تحاول تحديد معالم الأمور والسياسات والهوية والديموقراطية والانتماء والعروبة والنظام... كنتاجات مباشرة لهذه الورش المتفاعلة أو لهذه المشاريع المتجاورة من خلال مقاربات مختلفة، وخلائط، وامتزاجات، تتجاوز النظرة الحزبية: الكانتونية: من حيث "الجمهور" الواحد، وكذلك "المركزية" في السلطة والأداء من حيث اللجان والقيادات المركزية (والسياسية).
على أن 14 آذار هي حتى الآن حركة من ضمن حركات، أو مجموعات وحدها المشروع الاستقلالي بداية كجبهة عريضة ضمن المختلف والمتناقض والمستقل والعائلي والطائفي والمناطقي والمديني واليساري واليميني والليبرالي: تماماً كما كانت عليه مثلاً الجبهة العريضة في جبهة التحرير الجزائرية أو في المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي لفرنسا... أي جبهة من بند واحد: التحرير. وبعد انجازه يعود كل طرف الى مواقعه، ويعود الصراع بين هذه الأطراف... على السلطة بالطبع. حركة 14 آذار رهان يتصل بالتحرير والاستقلال لكنه، ومن ضمن الضغوط الخارجية ذات الأصداء الداخلية، ومن ضمن الصراعات القائمة، ومن ضمن استمرارية ما، وجدت نفسها أمام تحديات ما بعد الاستقلال، أو ما بعد التحرير ومتطلباته في تجمع وصل الى السلطة عبر الانتخابات، وواجه ما يواجه من محاولات انقلابية ومعوقات. وإذا كان الرهان الاستقلالي ـ السيادي ما زال مهدداً من قبل القوى الانقلابية وامتداداتها الخارجية فإن الرهان الآخر المتصل بخلفية أو بأرضية لهذا التجمع بدا ملحاً، وذلك يعني أن الاستقلال لا يُحصن إلا بما هو مجتمعي، أي بما هو مكوّنات وظواهر المجتمع بكل افتراعاته وخصوصياته وتميزاته وأقانيمه ومقدساته وطبقاته. يعني أن هذا المؤتمر يحاول أن يخطو من الزمن الايديولوجي (المغلق والمقدس) الى الزمن الحي والتجريبي غير المقنن والمسرع الاحتمالات والأدوات والصيغ. وقد تعودنا في عالمنا العربي وفي سواه أن يجعل الواقع والناس والمجتمع والمدينة والتاريخ على صورة السلطة (الأيديولوجية)، وليس العكس: وهكذا صار للنظام العربي عموماً أن ينتخب الشعب مثلاً بدلا من أن ينتخبه الشعب. وصار للنظام السياسي (بشعائره وشعاراته) أن يؤقلم الأفكار على تأويلاته وفرضياته ونواحيه والزاماته الخاصة بما يخدم تعزيز وجوده، فحلَّ النظام محل الجمهور، وحلت الأجهزة محل الأفكار، وحلت القوة محل القضايا: صار النظام "فكرة" نفسه تنفي كل فكرة أخرى: صار هو الذات والآخر. أي صار النظام ينتج نفسه منفصلاً عن المجتمع نفسه، أي منفصلاً عن مجمل أدوات هذا المجتمع وحاجاته وآفاقه بعدما ضربها كلها، وضرب الجوانب المدنية فيه. وهذا ما سبق أن حدث مع الأيديولوجيات السلطوية الكبرى: من النازية الى الفاشية فالى الأصوليات الراهنة، حيث صارت الأفكار مجرد "ذرائع" استخدامية شعارية من ضمن ايتوبيات تجريدية "قاتلة"، وهذا ما زلنا نعانيه مشوهاً في التجارب الحزبية العربية حيث كان للحزب الواحد أن يتحول الى جبهة عريضة شكلية تحل محل المجتمع فالى السلطة الطائفية الواحدة تحل محل المجتمع، فإلى السلطة المناطقية (المركزية) فإلى العائلية: نحن اليوم في عالمنا العربي في زمن "الأصولية" العائلية التوتاليتارية في أشكال الحكم الراهنة: حيث حلت العائلة ببطونها وأفخاذها محل الجمهور والمجتمع والإيديولوجيا. كأنما عدنا الى المنظومات السياسية "الجاهلية" القبلية لكن من ضمن ديكورات "حداثية" أو انتخابية شكلية، أو استفتاءات، أو بيعة... وكلها أشكال تنفي التشاركية، والتبادلية، وحتى الزبائنية... الى ما يمكن أن نسميه العبودية المطلقة، حيث بات "الجمهور" مجرد ذريعة أو مادة هشة منفية تشكل بحسب اتجاهات الأنظمة العائلية والقبلية... بعدما كان في "الزمن" الثوري مصدر السلطة والتشريع والمشروعية... أو هكذا كان يفترض أن يكون.
ولبنان، ومن بنيته المتنوعة حتى التناكر: بين الطائفي والمذهبي والسياسي والعائلي كمنتوج تعددي "حضاري" أو فكري، ربما حمل خلافاته الأساسية في ذلك وكذلك اختلافاته و"فرادته" (بالمعنى الإيجابي والسلبي)، أي حمل كمكونات طائفية وما الى ذلك، نظامه أو نظمه (وليس هناك نظام واحد في لبنان) أو منظوماته، كقدر لازب: نظام طوائف هل يؤدي الى نظام موحد:؟ نظام طوائف هل يتجاوز الطائفي: إنه يتضمن "معطيات إيديولوجية" (كالأنظمة الإيديولوجية التاريخية والمادية والعلمانية) جاهزة: فهل يمكن تكوين من هذه المعطيات بنية مفتوحة غير محكومة بشروطها الأولى: بمعنى آخر هل يستطيع لبنان، بالطائفي، أن يصل الى ما هو غير طائفي، وبالديني المركب الى ما هو مدني ومتعدد؟ أسئلة كبيرة تطرح، لا لأنها صعبة ومتشابكة، ولا لأن مقاربتها تتخطى حتى الحدود اللبنانية الى الجوار وأبعد من ذلك، بل لأن "المقدس" هو الذي يبرز كعنصر جوهري للتداخل مع ما هو آلية الحكم، والسلطات، والفكرة الثقافية؛ فلبنان الدولة ليس، كما يبدو فكرة ثقافية مكوّنة من أفكار، بقدر ما هو "استيحاء" طوائف لنظام يشبهها، من ضمن آليات توزيع السلطات وتوازنها وعدم توازنها! بمعنى آخر: النظام اللبناني الطائفي في تعدد الطوائف، وربما الأحادي في تكوين التشريع، والوظائف، والأدوار، هل يمكن اعتباره "مرحلة" أي نظاماً طائفياً يؤدي الى خلافه أي الى نظام مدني (أو علماني)؛ نظام طائفي بات فيه الكثير من ملامح "كونفدراليات" غير معلنة، أن يفضي الى نظام توحيدي جذري من خلال ممارسة القيم الديموقراطية والحريات... والاقتصادية والسياسية، وأي مجتمعية هي تلك المبنية على كونفدراليات مصغرة أو منمنمات طائفية، وأي ديموقراطية تلك القائمة على قوة تلك التقسيمات أو هشاشتها، بحيث تكون الديموقراطية نوعاً من المساومة أو التسوية (أسوة بالحياة السياسية) حتى على صعيد القوانين والتشريعات: بمعنى آخر هل تصوغ المعطيات والمقولات والإلزامات الطائفية والمذهبية والمعانات الأخرى ديموقراطية متحررة، تجسد الحريات "النسبية" مقابل القيم المطلقة؟
إن مثل هذه الأسئلة قد تبقى ضمن "المحرمات" أو "المقدسات" على الأقل في الوقت الحاضر. لكن إذا كان مستحيلاً (اليوم) بت مثل هذه الأمور فعلى الأقل محاولة نزع "الهالات" و"الممنوعات" عن هذه المعضلة، تمهيد أو تقويماً لإيجاد صيغ مرحلية قد تؤدي ربما، وعلى المدى البعيد، ومن ضمن دينامية العلاقات وأدوات المجتمع المدني، الى نظام عقلاني أو مدني يكون بمثابة عباءة تستوعب كل هذه التناقضات والمعطيات القائمة. وهنا بالذات يبرز في المؤتمر ضرورة فتح القنوات المباشرة والعريضة بين السياسيين والطائفيين والنخب وبين الناس بما يمثلون من طوابع وسمات للعناصر الموجودة: ونظن أن مشكلة النظام، ضمن هذا الإطار، لا يمكن أن تنفصل لا عن الهواجس الجماعية ولا عن المنطلقات والمصبّات والآليات الاقتصادية، ولا عن طرق إشكاليات السياسة كالهوية، والانتماء، والتجذر، والتشرش... أو الاقتلاع: ومن باب الأسئلة أترى الطائفية، أهي حركة اقتلاع وانفصال عن الآخر، أم هي تجاور أو تذويب أم تواطؤ أم رهانات مؤجلة؟ هل هي المنفذ للخارج فتكون الطوائف محميات و"خوارج" مرتهنة بالإرادة الوافدة، أم كانتونات مرسومة الحدود، أو حتى شارع جمهوريات تشبه طبائعها وارتباطاتها! وهنا بالذات تكمن مسألة الانتماء: لمن الانتماء: للذهنية الكانتونية المذهبية أم للذهنيات الجماعية (الجمهورية) المذهبية عموماً، باعتبار أن وحدة البلد إذا كان ثمة وحدة، لا تكون إلاّ على تسوية بين "التجمعات" الغيتيوية أو الكانتونيات المذهبية، على المستويات السياسية والاقتصادية. وهنا يصاغ سؤال: أي مجتمعية واحدة هذه تقوم على مجموعة مجتمعيات "مغلقة"، أوليس هذا ما كان قائماً أو مفروضاً على امتداد 30 عاماً الماضية في ظل الوصايات المتتالية وما قبلها؟ ومن هنا، بدأت مهمة 14 آذار عندها، وفي عنوان استقلالي، ردمت جسوراً مقطوعة بين المجتمعيات المبتورة (الناقصة)، ولكنها ما زالت موجودة: والمشروع الاستقلالي الناجز قد يكون مرحلة لضم هذه المجتمعيات في بنية جمهورية واحدة، لكن ذلك لا يكفي. وثمة من يقول إن الاقتصاد (واليوم هو زمن الاقتصاد بامتياز!) قد يقوم بهذه المهمة في صهر المصالح والمهمات والأدوار ومستويات العيش؛ وهذا ربما ضروري لكن غير كاف. وهناك من يقول إن الديموقراطية قد تقوم بهذا الدور التوحيدي: لكن الديموقراطية كما نعيشها هي "تسوية" سياسية في ذاتها وسقوفها واطئة! وهناك من يقول إن أدوات المجتمع المدني إذا تحرر (أحزاباً ونقابات ومؤسسات) هي الوسيلة الفضلى لحل تلك المشكلة: كل ذلك يبقى نظرياً من باب "الإنشاء" أو من باب البلاغة أو "الحلم"، لكن الأساسي، وهذا ما حاول أن يفعله مؤتمر 14 آذار: إن التجربة المفتوحة بين الواقع وبين مفترضاته وبين الأحزاب والناس، وضمن المحاور المقترحة، قد يكون، بداية تزحزح في خطوة... إذا كان للمقاربات أن تقسم في مرحليات تجريبية، أي في ورش تفاعلية وتحاورية وميدانية، تبدأ بالتحليل والمقاربة وصولاً الى الإحصاء والأرقام، وتحتكّ بالواقع لتختبر مدى فاعليتها أو صلاحها؛ ذلك أن اختبار الأفكار، والفرضيات، شرط أساسي لتنمية الواقع وتحسنه، لأن "النظرية" هنا أو المقولة تأتي بعد الاختبار لا قبله خصوصاً في الاقتصاد وطريقة الحكم والتربية والتعليم... والثقافة. وعندما نقول "خلفية ثقافية" للنظام السياسي (الطائفي) فلا يعني ذلك "خلفية إيديولوجية مكتملة" بقدر ما يعني خلفية ثقافية مفتوحة ودينامية ومتحولة، ترتبط بحركة التغيرات المتسارعة: وهذا لا يعني أيضاً وضع تصورات يسارية أو يمينية أو ما شابهها (أو حتى طائفية) ذلك أن فكرة اليسار واليمين اليوم باتت ملتبسة كثيراً، ومتداخلة وسط طغيان العولمة والتكنولوجيا اللتين "خربطتا" هذه التقسيمات الثنائية. ونظن أنه حتى الطائفية في المدى المنظور أو الأبعد ستخضع لطغيانية العولمة والتكنولوجيا، من دون أن نحدد مداها، وكذلك الانتماء، والهوية، والاقتصاد والثقافة ومنطق السوق والمتطلبات والرواج...
وهذا يعني أولاً وأخيراً الشباب: وحسناً فعل المؤتمر بتخصيصه قسماً أو ورشة للشباب، فهو المعني الأول بكل هذه الأسئلة، والافتراضات، والبنى، والهويات، والتماثلات، والمستقبل نفسه.
طبعاً، مؤتمر 14 آذار هو الأول. ولأنه الأول، فهو محكوم بالاستمرارية. أو بتراكم الأسئلة، وكل ذلك مرتبط ببقاء عناصره أو مكوّناته أو جبهاته المتنوعة، فهل يكون المؤتمر الأول بداية لزمن جديد... وانخراطاً في صنع مصائرنا وتاريخنا واقتصادنا وثقافتنا وانتماءاتنا، أم يكون مجرد تجمع سياسي وضع تصورات قد تكون ولا تكون في المستقبل؟ أيكون ملامح ثقافة جديدة تقوم على الديموقراطية، والسلم الأهلي، والهوية المفتوحة والدولة العادلة والتعددية الخصبة، والاقتصاد الحي، والتوازن الاجتماعية، والمنحى المدني، فيكون المنصة المقابلة والمواجهة لمختلف أشكال العنف، والمنقلبات والانعزالات الكانتونية والمستتبعات، وبناء مواطنية حية حركة تشارك في صنع مصيرها، وأطرها، وحريتها، أي مواطنية متحررة من كل المحمولات التي تعيق نموّها وفرادتها وفرديتها ضمن مجتمع غير أحادي، يسعى الى تحقيق إنجازاته المدنية في إطار بناء معادلة بين ما هو قائم وما هو محتمل وما هو منشود.

       ثقــافـة