|
في تحقيق أجرته الجامعة
اليسوعية نكتشف أن اللبنانيين يؤمنون بالنظام
البرلماني لكن قلة منهم مستعدة لتقويته والدفاع عنه.
يمكن القول على الغرار نفسه بأن اللبنانيين يؤمنون
بالديموقراطية لكنهم ليسوا مستعدين بعد للدفاع عنها
وتقويتها. غريب أمر هؤلاء اللبنانيين، انهم أيضا بحسب
التحقيق لا مع النظام الطائفي ولا مع النظام العلماني،
يمكن لمراقب ان يستغرب، أما نحن اللبنانيين فلا يأخذنا
العجب. نحن أيضا لا نعرف أين يوجد اللبناني في ذلك
القسم من نفسه الذي هو عقله وربما ايمانه ام في ذلك
القسم الذي لا نعرف له اسما. لا نجازف بالقول انه
غريزته او فطرته او إرثه. فالواقع انه ليس هذه ولا تلك
ولا ذلك، أين وجد اللبناني في ايمانه أم انه يهرب من
ايمانه. أم انه يؤمن لكي لا يفعل او انه ذو ايمان مبطن
او ايمان بوجهين وربما بثلاثة. مع ذلك ليس هذا هو
الفصام فاللبناني ليس مريضاً، لكنه ليس صحيحا بالطبع،
فأين نجد الانسان الصحيح. قد يبدو حلا ان نقول بمرض
اللبناني، قد يبدو ملائما ومناسبا ان نقول انه فصامي
لكن الأمر ليس كذلك. اللبناني ليس حبيس ذاته ولا سجين
ارتكاساته. انه مقبل على الدنيا وعلى الخارج. بل هو في
أي تقدير صانع علاقات وصائغ علاقات، ولا نبالغ اذا
قلنا انه متكيف بل هو أكثر الناس تكيفاً وانه واع
لأناه ومكانه. قد يبدو حلا ان تتكلم عن الإرث والماضي
وتقول أن اللبناني أسير العائلة التي يقدسها، أسير
النسب الذي يهمه. لكن المسألة ليست هنا. ليس كاللبناني
قادرا على أن يتجاوز الإرث وان يتجاوز النسب، ليس
كاللبناني قادرا على ان يفتح للدنيا، وان يعتنق
الأديان كلها والعقائد كلها وأن يتكلم اللغات كلها،
ومع كل لغته وبلغته. كل هذا الكلام عن الماضوية ليس
شيئا. قد نجد الحل في الكلام على عدوانية كامنة، على
حزازة مؤرثة، على قساوة وقدرة على الكراهية، لكن هذا
يعيدنا الى المرض بالطبع. ثم ان اللبناني، فيما نعلم
ويعلم العالم، لين مرن متكيف سهل وليس ذا حزازة ولا
ضيم، على الأقل ليس أكثر الناس حزازة وضيماً.
مع ذلك لا نقول إننا لا نفهم اللبناني ولا نقول انه لا
يفهم نفسه، ولا نقول ايضا إنه منقسم او منفصم، ولا
نقول انه منافق او كذاب، ولا نصفه بطبيعة الحال
بالايمان ولا بقلة الايمان. انما لا نتوقع من اللبناني
ان يؤمن حتى نهاية الايمان وان يبقى تحت منطق ايمان.
يؤمن بالديموقراطية، ربما، لكنه لا يثق بالديموقراطية.
يؤمن بالنظام البرلماني لكنه لا يثق بالبرلمان. يؤمن
بالدولة لكنه عدو الدولة. مرة ثالثة او رابعة نقول
انها ليست مسألة مرض، وليست مسألة انقسام. نؤثر ان
نفكر ان المسألة مركبة أكثر. انها تركيب من إيمان وعدم
ثقة. من إيمان ونكوص. المسألة معقدة اكثر. انها من
تطلع للدولة وكره للدولة. ربما اللبناني عملي، ربما لا
يجازف بأن يواصل الى الآخر، ربما يؤثر أول استراحة،
أول كسب. ربما يخاف كثيرا ولا يثق بأحد ولا بشيء. ماذا
يحصل لانسان لا يثق بأحد لا بشيء. هل ننتظر منــه ان
يقف عند إيمانه، ام ننتظر فقط ان يستريح وحيث يستريح
يقعد، وحيث يستريح يؤثر ان يموت.
|