السفير 08-03-2008

رسالة إلى بول شاوول

اسكندر حبش

عزيزي بول...
أعرف أنك ستقف اليوم أمام قاضي التحقيق بسبب التهمة التي رفعها ضدك، «زعيمنا» الوطني الكبير، لأنه لم يحتمل أي كلمة توجه ضده، بالأحرى لم يستطع تحمل أن يفكر شخص آخر بطريقة مخالفة لطريقة تفكيره. لا تستغرب الأمر، هذه هي ردة فعل كلّ دكتاتوريي العالم، لأنهم يظنون أنهم يملكون الحقيقة، وأن ما يتفوهون به، وإن كان كلاماً بائداً لا معنى له، هو «كلام مُنزل» ولا شيء بعده.
بالتأكيد نستطيع هنا أن نحصي «مناقبه الجميلة» (كما يظن البعض) التي أشعلت حروباً ذات يوم، راح ضحيتها عشرات المئات، لكن لنترك ذلك إلى يوم آخر، لأني أريد فقط أن «يسمح» لي بتذكيره ببعض الأشياء، لأنه في دعواه هذه، لا يقصدك أنت فقط، بل إن الأمر ينسحب علينا جميعاً، نحن الذين نتعاطى الكتابة والقراءة، في هذا الوطن. نعم كلنا معنيون بهذه الدعوى، وكلّنا سنقف اليوم أمام القاضي (الذي نثق بعدالته ونزاهته)، لأنه لم يعد جائزاً أن تذهب الثقافة التي نؤمن بها ـ بصفتها حرية تعبير وموقفاً ديمقراطياً خلاقاً ـ ضحية هيجان نفسي، يطلقه كل من يريد تنصيب نفسه ناطقاً باسم هذا الوطن.
عن أي نضال يريد أن يحدثنا، وأنت الذي يشهد تاريخك عن النضال الذي خضته منذ أيام الحركة الطلابية اللبنانية. هل كان يومها، مثلاً، من بين الذين حملوا هراوات لسحقكم؟
هل يعرف أي رمز من رموز ثقافة هذا البلد، كما من رموز العالم العربي، شعراً ومسرحاً ونقداً وصحافة... يستدعيه إلى المحــكمة؟ أم أن الوقـــت قد حان لتدمير ما تبقى من هذه الثقافة، التي لا وجود للبنان بدونها، على أيدي حفـــنة ممــن يدعون بأنهم أسياد الحــرية والسيــادة؟
هل يعرف فعلاً تاريخ هذا البلد، وما قدمه أمثالك، بدون صراخ وتلفزيونات وتصاريح؟ لو كان فــعلاً يعرف، لربما كان شعر بالخجل، إذ لن يرحم عار التاريخ.
فعلاً إنه عار التاريخ، حين لا يستطيع، كائناً من يكون أن يواجه الكلمة بالكلمة، والفكرة بالفكرة، بل يواجه ذلك بالترهيب. وماذا أضيف أيضاً وأيضاً؟ اللائحة تطول، لكن الجهل لا يريد أن يرى.
لست وحــدك يا صــديقي. لأننــا ما زلنا نؤمن فعلاً بأن كلــمتنا أشـــرف من جميع مناصبهم، التي لا ترهـــبنا. و... «في البـــدء كــان الكلمة والكــلمة كــان عند الله وكان الكلمة الله» (إنجيل يوحنا).

       ثقــافـة