السفير 07-03-2008

كيف يمكن لكرسي بعجلات أن يكون أسرع
عباس بيضون

العجوز تصل أولاً
لا أفتح عيني. العجوز على كرسيها، وحدها تعرف أين هي. أنا الذي يجهل أين يكون ولن أفتح عينيّ قبل أن أتأكد، حياتي ليست أكبر من غرفة بأربعة في أربعة، إذا كنت أحملها في راحة يدي، فإن هذا الجسد الذي يتآكل خشبه تماما لا يزال يصلح كصندوق. لا بد أن هناك بابا لم نحسن إغلاقه، إنه شيء كعقدة المصران أو فقرة ناقصة في الظهر، ربما صوت يخرج من البطن أو حتى زحزحة كرأس. في النهاية ليست أربعة في أربعة هي الحل الملائم ولا نقل حياتك إلى حجرة أخرى، وبالطبع فإن إعادة زرعها هي الأسوأ. إنك تعلق العالم في خزانتك وتجد مشاجب كافية لكنك تنسى شيئا لا بد أن يستبدّ بك، شيئا نسوه فيك، كمبضع الجراح بعد العملية، قادر على تعذيبك. فحتى الزائدة الدودية يمكن أن تفكر في افتراسك. إذا لم يسع فيروس كامل الى ان يـتأله عليك.
العجوز لم تسافر معي وهذا هو اللغز، إذ كيف يمكن لكرسي بعجلات أن يصل قبلي. كيف يمكن لندم يسافر على عصب أن يكون أسرع. بل كيف يمكن للحب الكسيح أن يحضر أولاً. أدخل فأجد العكاز في مكان القاضي وأتعجب من أن يكون نقل كل هؤلاء الى هنا. الأمومة لا تتعب من الزحف مخلّفة أحافير مغطاة بالذباب. إنها التضحية مكشوفة وكذلك العار. أدخل، المقعد منحوت من حب شاف، والبساط من شفقة بلا موضوع، ليس في هذا الترتيب ما يقلق فالانتحارات لم تعد ماضية بما يكفي. أدخل، ريشة على قلبي، إنها تعود من المستقبل حيث طائر الحداد يحاول عبثا الدخول، إنها أيضا أربعة حروب منطفئة في انتظاري لقد استخرجنا كل الكبريت منها ولم يعد فيها سوى المزيد من الصدأ، إذ لا نصدق أن حياتنا ستتكرر كأكسدة طويلة.
العجوز التي لا تجلس في أي مكان ليست حكة جلدية. إنها نبرة أكثر، تتزوج أحيانا صوتي وتغيره ولو أدى الأمر الى تشكيل بحة طويلة لمدة أشهر. تركب لهجتي التي هي أساسا خيانتي المفضوحة وربما ماركة سرقاتي. أسمعها تقطع كلامي وأخشى من انه الموت الذي يبدأ كإنذار. لكنها أحيانا نبوءة فظيعة، إذ تدخل في كلامي كملثم أو كاتم، وفي الحال تبدأ تلك الرطوبة المحبوسة والكريهة أحياناً، كل تلك الطحالب المترسبة في الدم، تغطي عينيّ ولا بأس من ان نتكلم بحياد عن الدموع إذ بدون ان أفتح جفنيَّ أحس أحيانا ان عليهما قطرات من البارحة.
العجوز التي لا تقول لي أين هنا هي أمي الميتة وان ابنها النائم. بحركة من وجهها تغدو أكثر شباباً. صديقة ميتة تريدني أن أنتقل الى كتاب، إنه اقتراح سهل لكني أخشى أن أتحجر قبل الأوان. الكتاب يمر في رأسي، في لحظة، ويتجول فهماً خالصاً، وعليّ أن لا أفتح عيني، كي لا أفقد مجدداً هذه الرفقة في العالم.
Lodève
هذه المدينة صغيرة لدرجة أننا نستعيد أحجامنا فيها ونسمع خطانا بوضوح عائدة في نهاية الليل. إننا مرئيون للغاية هنا، لكننا قد نكون ضحايا خدعة، اذ نجول غالباً طوال النهار بدون أن نخرج من مساحة كالكف. إننا مرئيون، لكن في تناسب مع شجرة لن تظهر في اللقطة، مع كاتدرائية ستغدو علبة بعدما نرحل، وحدائق ستعود الى مكانها في بطاقة بريدية. قد يكون هذا تشويشاً مقصوداً، تلعب الأسماء والابتسامات هنا دور شاشات لتضييعنا عن قصد. انها تصرفنا الى ان نجلس طوال النهار على جسر رمزي او نحتبس في خيط يسمى «الشارع الكبير»، او نضيع في لا مكان يسمى «ساحة الجمهورية»، أسماء، لكن يمكن نقلها الى المستقبل، فقط اعط الروايات وقتها. اعط جان ما يكفي لتصير طاحونة، نور الدين ما يكفي ليصير درباً. إنها لعبة وتستطيع أن تلعبها وحدك ربما مع راحة يدك. ربما مع بصرك فتعلِّق منه قنطرة. ربما تبني معادلاً حجرياً لشرايينك. ربما تشق بالصداع وحده طريقاً، وبالطبع لن تملك اي وثيقة عن ذلك بعدما تغادر.
المسألة في العدد ومن الصعب أن تقنع نهراً بالبقاء طويلاً في حكاية فقريباً يجف نبع الساحرة، لكنهم يعطون مئة اسم لكل شيء ويستبقون زواراً من الانترنت والأحلام، وربما من الموتى. إنها طريقة متواضعة لإشغال المكان او توسيعه، لكن هذا يسبب زحاماً لا يشعر به إلا الغريب الذي لا يفهم لماذا يتعب تسعة آلاف شخص ليملأوا مدينة تختفي أكثر فأكثر خلف الكلمات. النساء جميلات كالمانيكان ودائماً في العمر نفسه، لكن هناك دائماً الابتسامة الخالية التي تزدوج مع النوافذ والشاشات. الغريب لا يفهم لماذا تبقى هكذا كالصحون اللاقطة ولا تتحول الى اشجار وارفة او سقوف تحمي من الظل، ولماذا لا تعمل في الأقل على اضاءة الشوارع.
يتساءل الغريب عما إذا كان الدوار الذي يصيبه مقدمة لشيء آخر، هل يبدأ العد العكسي بتضييع مكان الفندق، وماذا يحدث مع عنوان مفقود. من يضمن أن النسيان سيتوقف بعدها، هل سينشأ حريق صغير أم أن كذبة ستبدأ بابتلاع الفندق وبعده تسري بسرعة إلى كل شيء. ماذا يحدث إذا مات اسم في السلسلة المسحورة من الاسماء. تخرج امرأة من الوضوح مع ابتسامتها المحيرة، أليس هذا جواباً كافياً. هل هي ساعة اخرى باشرت التحرك في الباطن، ام ان مدنية التسعة آلاف اختفت مؤقتاً، واذ لا نجد كلمة لذلك نقول فقط بدا المجهول.
رأس لم ينفجر
وجدوا عبوة في منطقتنا، انفجرت قريباً وتركت جرحى اختفت اسماؤهم بعد قليل. اختفت العبوة أيضاً وربما في رؤوسنا، فلطالما تركت الحروب المتزايدة في داخلنا قنابل لم تنفجر. وحين نجنّ غضباً فبتأثير من إحداها بالتأكيد. إنها عبوة صغيرة ويمكن نقلها في حقيبة، وقد يكون حملناها إلى منــازلنا بــدون أن ننتــبه. ليس هذا خيالاً فمن يضمن أنه لن يدوس على واحدة، أو أنــها لن تكمن له في الباركينغ أو المكتب. ستنسلّ إلى نفســه كخاطر شرير ولن يرتاح من التفكير فيها. سيكون الانفجـار أســوأ اذا لم يقع فذلك أشبه بمن يصرف بيده ظلاً فيعود كاســراً، أو يرمي نواة لا يعلم بأنها ستقتل طفلاً. سيكون للعبوة الشكل الذي تحطّمه، وحين ننظر إلى وجوهنا المرعوبة في المرآة، ونخاف من أسناننا، نفهم ماذا يحدث، حقاً لرأس لم ينفجر.
الحد الطبيعي
حشا أذنيه بالسماعــات وجــلس. جلد وجهه حد طبيعي لوجوده لذا لم تظهر عليه أي أمــارات. الحافلة ملأى لكن هذا لا يؤثر. يرى ولا يتمــيز، عينـاه تطــردان الصور تباعاً فجلد عينيه هو أيضاً حد طبيعي.
وحده مع موسيقاه، وحدها في رأسه تذهب وتأتي في عملية تعبئة متصلة. كل شيء يفضل في الداخل، الحرارة هي ذاتها، الرائحة لا تتغير إذ لا فتحة هنا لتهوية من أي نوع. الأفكار تتجنب أن تعيق دوران الموسيقى والجسد متناوم كلياً وهو يصرّف نفسه خفية، في وسع قرقعة أحشاء أو ألم في الإصبع أن يفسد المسألة كلها. لا يَسمعُ مع ذلك فالموسيقى التي تملؤه لا تترك فراغاً للسماع. كان علبة موسيقى، أوركسترا كاملة غير مسموعة، وبالطبع كانت الموسيقى أيضاً حده الطبيعي.
الرجل الذي يسمع أفكاره في الناحية الأخرى، يشعر بثقل في أسفله. بطنه حجرة أحشاء منهكة، ولا يتسرب إليه سوى القليل من ضجة المعدة المعاملة، ولا يخطر له أنها تعادل ضجة القطار نفسه.
لكن أحداً لم يسمع الألم الذي فتح حجرة الرجل الذي غامر بعشاء سيئ.
وبالطبع كان النائم علبة أحلام وربما كان الغطيط الصامت وحده صوت أحلامه الطبيعي.
الجميع كانوا علباً وأحلاماً لأي شيء. ومن الصعب أن نتخيل ماذا كان يحصل لو أن الجميع فعلوا كذلك المتشرد الذي رفع صوته، وإن من حجرة قلبه المعطلة. ماذا كان يحصل لو تكلمت الكتب في المكتبات العظيمة، فالضجة التي دمرت الأسوار أو حطمت الثريات لم تأت من عدم.
وحين التقى القطاران لم يتماسا بالطبع، في حين أن المطر الذي انصبت شعيراته على الجميع لم يجعل من الحديقة شيئاً واحداً. لكن الرجل الذي تبــلل كلــياً سـمع هذا الــطَرْق يشتد على حده الطبيعي.

       ثقــافـة