المستقبل 03-03-2008

نص غير منشور لمحمد شامل عن شوشو:

مَلٍكٌ غير مُتَوَّج على عرش المسارح اللبنانية

الفنان الراحل الكبير محمد شامل اكتشف شوشو واختار له اسمه الفني. وبقي معه حتى رحيله، سواء في المسرح أو في التلفزيون. وشامل ذو الخبرة، والقامة العريقة في المسرح والتلفزيون، رأى للوهلة الأولى ملامح موهبة فذة في الفتى النحيل حسن علاء الدين. التقيا في عمل أول لشوشو وكان الاكتشاف وكانت الرحلة الثنائية الغنية والفريدة.
محمد شامل كتب كلمة عن شوشو وبقيت في الأدراج. الكاتب المسرحي الصديق أسامة عارف العارف اكتشف هذا النص غير المنشور بخط يد شامل وخص به "المستقبل" مشكوراً.
* * *
شوشو اسم مازال يحيا في قلوب الناس، سمعت الأستاذ عبد المنعم مدبولي يقول عنه ـ عبر الأثير ـ إن شوشو فنان انسان... وقلما طافت مجامر البخور حول مخلوق حمل لقب انسان... لذا كان بالنسبة الي أكثر من قريب وصديق، زوجته ابنتي فكان صهري وأغدقت عليه من فني فإذا به يتخطى ـ عتبتي ـ ويخرج الى عالم المسرح ليظهر ما انطوت عليه نفسه من معاني التفوق والابداع.
كيف عرفته؟
لهذه المعرفة قَصة طريفة، عدت ذات يوم من مدرستي وأنا ألهث من تعبي، وما كاد يسخن تحتي الكرسي حتى بادرتني السيدة ـ أم يوسف ـ بظرف حول عدة تذاكر لحفلة فنية ستقام في تاريخ كذا في ليلة كذا في ـ محلة ـ كركون الدروز، وذكرت في تلك اللحظة الصديق الذي فقدته ـ عبد الرحمن مرعي ـ فدمعت عيني وقلت للسيدة حرمي، أهدي هذه التذاكر لمن يريد أن يروح عن نفسه ودعيني لشأني... ونظرت الي فعرفت ما بي فمدت يدها وأخذت ـ ظرف التذاكر من يدي ـ فقلت في نفسي سيكون مآلها. التمزيق... ومرت أيام وعدت كعهدي من عمل مرهق، فاستقبلتني السيدة بثغر باسم وأخذت ـ تسايرني ـ بعدما تكرمت عليّ ـ بفنجان قهوة ـ حتى جرنا الحديث الى ذكر التذاكر التي ظننت أنها توزعت ولا أدري لها مصيراً أو مكاناً رقدت فيه لتنسى، قالت السيدة، اليوم تاريخ الحفلة ـ إياها ـ وأرجو أن ترافقني إليها وأني لشاعرة بأن شيئاً ما سيكون ولا أدري ما هو؟ وأردت أن أعترض وأعتذر ولكن إذا شاءت حواء فلا مشيئة لآدم... وكان عليه الطاعة...
ركبنا ـ سيارة ـ أجرة، حتى وصلنا الى المكان الذي ستقام فيه الحفلة، وكان من حسن حظنا أن جماعة هناك أحسنوا استقبالنا وقدموا لنا كرسيين لي وللسيدة، أما بقية المدعوين فقد جلسوا على مقاعد خشبية، عليها ـ أثر ـ الباطون، لأن الذي تعهد عملها وعمل المسرح كان ـ "باطنجي".
وبعد أن قدمت إلينا المرطبات وعبارات التشريفات تصاعد صدى عدة مطارق إيذاناً ببدء العمل، وأخذت الوجوه تتبدل فوق ـ ما سموه مسرحاً ـ وجوه تظهر ووجوه تختفي، والناس من حولنا يضحكون، وزاد الضحك وعلا التصفيق حين أطل علينا ظل انسان كان يرتجف من قمة رأسه الى أخمص قدميه وقد غرق في ألبسة رثة بالية، تبعث على الحزن والأسى أكثر مما تبعث على الضحك والاعجاب، وسألت عن الذي أقام ـ الأرض وما أقعدها ـ فقيل لنا انه حسن علاء الدين...
ومع نزول الستارة التي أعلنت النهاية عدنا وقد شغلنا حديث ـ الفتى ـ المهزوز...
وفي اليوم التالي، كتب لي ولحسن علاء الدين تاريخ علاقة ـ مباركة...
ففيما أنا أعمل في إدارة المدرسة قرع الخادم عليّ الباب ثم وقف عند الباب يقول هناك شاب في الخارج يطلب مقابلتك، فكان جوابي ليتفضل وتفضل ـ حسن ـ بالدخول، والحياء يغمره كما كان يغمره ـ عرق ـ الابداع فيما كان يقدمه من جهد مسرحياته...
وجلس الضيف، وقدم لي نفسه قائلاً: حسن علاء الدين.
ـ أهلاً وسهلاً الآن عرفتك...
ـ جئت لأسمع رأيك بي بعد أن شاهدتني البارحة...
ـ رأيي الصريح فيك هو أنك ـ قطعة جوخ ممتازة، لكن تفصيلها غلط.. فاطرق قليلاً ثم رفع رأسه نحوي وقال: اذا انت لا تساعدني في الصعود الى المسرح من اليوم فصاعداً، فلن تدوس قدماي المسرح..
قلت: انك تطلب مني الآن مستحيلا، فإن حزني على صديق عمري ـ عبد الرحمن مرعي لم يندمل.
قال ـ سأسير وراءك عشر سنوات...
من هنا اشتدت علاقتنا وأصبح حسن علاء الدين ظلي الذي لا يفارقني ولازمني، فكان معي في كل مكان اعمل فيه عملاً فنياً... ويوم طلب مني ان اقدم في القناة (11) برنامجا للاطفال حرت في امري معه. وصرت افكر كيف يمكن لي ان ادمجه مع عصبية الأطفال وكيف أحركه بينهم، حتى اهتديت الى طريقة ناسبته بأن جعلت له ابا وأماً وأختاً تضايقه واطلقت عليه اسم شوشو.. وانطلق يجود وينتقل من شخصية الى شخصية، حتى لمع نجمه وتخاطفته قلوب الأطفال قبل الكبار.. كان شوشو في تكيفه الفني نسيج وحده، صنعت منه موهبته ـ فنانا لا يجارى، رغم انف الذين حسدوه وقالوا عنه ما لا يجوز قوله.
ومن زعموا انه مهرج، في ما اعطاه من عمره القصير كان شيئاً لم يعط مثله الكثيرون، من فنانين لم تسمع منهم سوى جَعْجَعة ـ ولم نرَ طِحْناً.
من مفاخر شوشو التي دلت على عملقته انه اوجد المسرح اليومي في لبنان وهذا ما سترويه عنه صفحات تاريخه الملهم.
كان هناك قبل ان تولد عبقرية شوشو من ظنوا انهم طالوا السحاب وتربعوا على قمة المجد، حتى اذا بزغت شمس شوشو، اذا جميعهم هباء وأقل من أقزام كان حسن علاء الدين على عرش المسارح ملكاً غير متوج، وعلى عتبة السينما زلت به القدم، ولم ينجح له فيما اعطاه للسينما الا القليل، رغم بذله الكثير من المال، الذي جعله ينوء تحت اثقال الديون والفوائد الباهظة، كان شوشو على ضآلة جسمه، يحمل اكثر مما يحمله انسان. كان من جملة اخطائه، ـ عفا الله عنه، انه لا يدور له الا حسابه وكم اخطأ حسابه حتى ضاقت به الامور.. وظل يتابع المسيرة، حتى هوى.. وكان في رحيله عن دنياه قد ترك في القلوب الحسرة والأسى، وكأنه قد خرج من كل بيت..
شوشو فنان لا يعوض، فهو بنيان شامخ تهدم، ابدع في عمله ـ مدرسة ـ شوشية، ولكن هذه المدرسة عقمت فما اعطت من فنه سوى ظلال باهتة لأناس لم يجاروه، وانه لشتان بين فنان وفنان، غاب شوشو وترك الدروب يملؤها الظلام.. وقد قال من قال، ـ وفي الليلة الظلماء يفتقد البلاد.
رحِم الله شوشو، وأسكنه فسيح جنانه، ومع هذا الدعاء دمعة أسى لا تفارق العين وكلمة الصبر تجدي ولا تجدي.

       ثقــافـة