المستقبل 02-03-2008

"ربّات الصفح" رواية حوادث الحرب العالمية الثانية
في مرآة الصدوع الحميمة والمدمرة

وضاح شرارة

على خلاف المعتاد ربما، يحسن بالكاتب الاستهلال أو الابتداء بتسويغ اللفظة العربية التي اختارها لنقل اللفظة الأجنبية، الفرنسية في هذا المعرض. فـ"الصفوحات" أو "ربات الصفح" نظير Les Bienveillantes، وسم رواية جوناثان ليتيل في الفرنسية (أواخر 2006، باريس، دار غاليمار، و2008 لطبعة الجيب "فوليو"، "المستقبل ـ "نوافذ"، 24 شباط الجاري) هي الترجمة الرابعة أو الخامسة لعنوان واحد. فغداة نشر الرواية، ورواجها رواجاً غير متوقع، تناولها النقد وتناولتها الصحافة على وجه ظاهرة اجتماعية وثقافية وأدبية عريضة. وتردد في المناقشات سؤال ملح: لماذا يقبل مئات آلاف القراء الفرنسيين على قراءة رواية تبلغ صفحاتها 900 صفحة من القطع الكبير، وتتناول على لسان ضابط استخبارات ألماني مثليّ وسفاحي و"مثقف"، حوادث الحرب الأوروبية الشرقية والعالمية الثانية الجسام ـ وفي قلب الحوادث هذه حرب استئصال يهود وسط أوروبا وشرقها ـ شهد الحوادث هذه بأم العين، ودار على مسارحها البارزة والثانوية، ولم يتورع عن الخوض في وحلها وغائطها وبولها ودمها ومنيها ولحمها ودمارها وغبارها وحديدها ونارها بيده وعقله ومشاعره وجسده وهواجسه وانفعالاته، ويصف ما رأى وفعل وتخيل وتذكر ووجد أو شعر، غير متردد في التوسل بأفحش القول وأشده عنوة وتفصيلاً وأوقعه في النفوس والأذهان؟ فلا تحصى المقالات والمحاورات والمناقشات والردود التي جعلت الكتاب هذا، على وجوهه الكثيرة، موضوعها.
ويتجدد اليوم الأمر في البلدان التي تنقل الرواية الى لغاتها. فهي نقلت الى الإيطالية والألمانية، وإلى العبرية. ويتوقع ان ينجز نقلها الى الإنكليزية، لغة الكاتب الأم الثانية، في وقت قريب. واقتصر شأنها في العربية، على ما أعلم من غير تقصٍ، على أخبار تناولت الرواية ومصائرها الطباعية. فذهبت "النهار" اللبنانية الى نقل وسمها (وأقتصر على المسألة هذه) بـ"المتسامحات". وأقامت على اللفظة في أربعة اخبار أو خمسة. وذهبت "السفير" الى ان "الغافرات" أقرب الى أداء معنى الكلمة الفرنسية. وآثرت مقالة في "وجهات نظر" المصرية، قد تكون المقالة العربية المستفيضة الوحيدة التي عالجت الرواية معالجة قراءة (انفعالية) مباشرة، "ربات المغفرة". وعللت كاتبة المقالة ترجيحها اللفظة هذه بحملها على إيحائها أو تضمينها الأسطوري والقصصي (على معنى القصص الشعبي والديني والبطولي). وهو تضمين قصد إليه الكاتب، جوناثان ليتيل، وأراده ونوه به. وفي "المستقبل" اللبنانية، جاء الخبر عن "الخيِّرات" (العدد نفسه). وزعمتُ، في معرض التلويح، أن "الحادبات" هي الأقرب الى أداء المعنى المراد، ظاهره ومضمره أو باطنه، على قول بعض المفسرين. وفي عجالتي هذه أراني مقدِّماً "الصفوحات" أو "ربات الصفح"، وزائداً في البلبلة ربما.
والذريعة أو العذر هو، مرة أخرى، ابن منظور و"لسانه". ففي مادة "صَفَحَ" كتب المعجمي الأشهر: "وصَفَحَ عنه (...) أعرض عن ذنبه. وهو صَفُوح وصفَّاح (أي) عَفُوّ. والصَّفوح: الكريم، لأنه يصفح عمن جنى عليه. واستصفحه ذنبه: استغفره إياه، وطلب ان يصفح له عنه. وأما الصَّفوح من صفات الله عز وجل، فمعناه العفوّ... فالصفوح في صفة الله: العَفُوّ عن ذنوب العباد معرضاً عن مجازاتهم بالعقوبة تكرماً. والصفوح في نعت المرأة: المعرضة صادةً هاجرة...". وتبدو وجوه الاستعمال ومَعارضُه هذه قريبة من أصداء اللفظة الفرنسية (والإنكليزية التي ينص عليها ليتيل نفسه في إحدى محاوراته
The Kindly ones). فهي تتصل بالإعراض من غير إنكار الجناية ولا استحقاق القصاص. وتصدر عن الكرم. واللفظة الفرنسية، على معناها القصصي والأسطوري اليوناني، هي ضد (ربات) القصاص الليليات، الملحات في طلبه إلحاحاً لئيماً وثأرياً، ينسبه العرب، شأن اليونان، الى الطيور الجارحة والعمياء (مثل الخفافيش) والكلاب المسعورة. فهن نظير أرواح القتلى المظلومين، الحائمات على القبور وبينها يطلبن الارتواء من العطش الى الدم من طريق دم يكافئ الدم المسفوك، ويُسكن غائلتهن. والمكافأة المدنية أو المتمدنة تلبس لباس الحكومة، أو التحكيم في الدماء والأموال والفروج، وتقضي بالدية عوض الدم. وسبق ان أدار جان ـ بول سارتر مسرحيته الأولى، "الذباب"، على الرسم القصصي نفسه. و"طاعون" ألبير كامو صورة من صور إنشاب الماضي غير المطوي براثنه في لحم الأحياء وأفئدتهم، على شاكلة فشوه في طيبة، مدينة أوديبوس (أوديب)، جزاء اقتراف ابن ملكها، أوديبوس نفسه، الكبيرتين العظميين في الكبائر وبينها، قتله والده وسفاحه بمن ولدته.
فالصفح أو العفو إنما هو قرينة على الاقتدار، ومبادرة الى التشريع في السنن والتقاليد وأحكام العمل. ويعزو القصص اليوناني الاقتدار هذا الى اثينا، إلهة الحكمة، والمولودة من زفس من غير واسطة "امرأة". ويقرن ابن منظور الصفح بصفة إلهية أو فعل إلهي. والحق ان هذا يصح كذلك في المغفرة والغفران. والصَّفوح هو رب الصفح. ويستغنى عن لفظة المضاف بالحمل على المعنى المفهوم والسائر. وبين "الصفوح" والمرأة، أو نعتها، سبب ونسب. فهي تُعرض عما يدعوها إليه "طبعها" وحالها، على ما تفترض ثقافات كثيرة في بعض أوقاتها وأطوارها. ويترتب على إعراض الرجل، في بعض الفقه، الإيلاء والظُّهار. وهما من حقوق الزوج. فيمنع زوجه من نفسه بأن يقسم أن ظهرها حرام عليه، مثل ظهر أمه، الوقت الذي يرتئي ويقدر.
عَلَم القتل
ويرد الفقه، حرامه وحلاله وموقوفه، الى ماكسيميليان (ماكس) أُوْ، وإلى رواية جوناثان ليتيل، "الصفوحات" أو "ربات الصفح" (إذا استثقل السمع "الصفوحات"). فالرواية روايته، ويرويها بلسانه الفرنسي، على ما يزعم أو يزعم له صاحب الرواية. ومسوغ رواية ضابط الاستخبارات الألماني الشاب، بضمير المتكلم، حوادث سيرته الطويلة والمتعرجة والكثيرة على جبهات أوروبا، من غربها الفرنسي الى شرقها القوقازي وبينهما مسارح القتل المتصدرة، بولندا وأوكرانيا وعموم الروسيا الى تخومها، بالفرنسية وليس بالألمانية، لغته الأم أي لغة محادثته نفسه، هو عودته الى فرنسا، غداة الحرب، وهو كان أقام بها يافعاً، وتخففه فيها من ماضيه النازي، وماضيه الجنائي والشخصي. فماكس أُوْ ـ والشهرة (أُو)، على قول أحد النقاد، تقتصر على حرفين معتلين "ومائيين" وخلو من حرف صحيح واحد يقوم مقام عمود فقري، قرينة على ضعف تماسك الرجل وعلى خسفه الداخلي ـ الى ضلوعه في جرائم جماعية موصوفة وشراكته مع ملايين غيره في الجرائم هذه، يتعقبه شرطيان ندبا الى احتجازه ومحاكمته في جناية قتل. فهو قتل أمه وزوجها الفرنسي بمدينة أنتيب الفرنسية. ويقربه قتله أمه، وزوجها، من قاتل سابق مثله، عَلَمٍ على هذا الضرب من القتل، هو أوريست ابن اغاممنون. وأغاممنون هو رئيس رؤساء "العشائر" اليونانية في حربها على طروادة، على ما روتها "الإلياذة". فلما رجع اغاممنون، وملوك اليونان، الى الديار، كانت سبقته زوجته كليتِمنسْتر الى داره وقصره. وعزمت على قتله ثأراً لابنتهما الأثيرة، ايفيجيني. وكان مقدم ملوك اليونان ارتضى نحر ابنته قرباناً للآلهة، ونزل على اشتراطها القربان هذا لقاء إفراجها عن الرياح، ونفخها في أشرعة السفن اليونانية الميممة شطر طروادة. فبيتت الأم الثأر لابنتها من والد البنت وزوجها هي. وآزرها على ثأرها عشيقها الذي اتخذته زوجاً من بعد. فلما عاد أوريست، ابنها من زوجها القتيل، روت له أخته، إيليكتر، مقتل أبيه، وحرضته على الثأر لأبيه ولها هي. فقتل الابن الشاب أمه وسط تهليل إيليكتر. فنقمت عليه ربات النقمة والثأر والليل، أو الناقمات (على خلاف ربات الصفح أو الصفوحات)، فعلتَه الفظيعة. وتعقبنه، وطلبن دمه. فلجأ الى هيكل آثينا وحرمها، ولاذ به، وطلب حكومتها في أعمال القتل والثأر. وقضت ربة الحكمة والعقل والقسط (العادل) بالعفو عن أوريست والصفح عنه لقاء كفارة، ولقاء إيجاب قانون المدينة وقضائها العادل، وإيواء ربات الليل والنقمة في سراديبها وإكرامهن.
وتقتفي "ربات الصفح" رسم ثلاثية اسخيلوس (ايشيل) اليوناني، "الأوريستية" (نسبة الى اوريست). ولكن اقتفاء الرسم، أو الاحتذاء عليه، لا يقود الى المحاكاة. فماكس أُوْ يقتل أمه وزوجها، على مثال أوريست، و"يثأر" لأبيه، مقاتل الحرب العالمية الأولى الشرس، ومرتكب الفظائع في أهالي البلاد التي دخلها فاتحاً. وهو يشبه مثاله الأسطوري من هذين الوجهين. ولكنه يبين منه، ويفارقه، حين يسامح أخته اليافعة، أونا. ويرد أحد النقاد اسم الأخت هذا الى قصة قصيرة كتبها إدغار بو، الأميركي، وسمى بطلتها باسم أونا، وبطلها باسم مونوس، والاسمان يتردد فيهما معنى الواحد المتحجر على وحدته، والمنكفئ عليها. وهما أديا دوري أوريست وإيليكتر في أحد الفصول المدرسية المتوسطة. وتبقى أونا، الأخت، مثال ماكس الإيروسي والجنسي الكدِر الطاغي والمستبد. ويقتل ماكس قريب صهره، زوج أونا، أحد الأشراف البروسيين. ويكني بقتله عن قتل الصهر الذي حجز بينه وبين الأخت المشتهاة. وهو قتل رمزي خالص. فالصهر ـ الموسيقي المجدد، ومؤلف موسيقى يصفها "المثقفون" النازيون بـ"المنحطة" ويحظرون أداءها بألمانيا، ومزدري هتلر، والمضمر لمتآمري 20 تموز 1944 الساعين في اغتيال "المرشد" المدمر الاحترام والإعجاب ـ الصهر هذا عنين. ولا يشك الأخ في أن توأمي الأخت أنجبتهما من رجل آخر ليس يقيناً، الزوج. على نحو ما لا يشك في إباحتها فراشها للمزارعين والفلاحين والخدم العاملين في أراضي "اليونكر" البروسي. وأونا امتنعت من أخيها من تلقاء نفسها، وقبل زواجها من رجلها. وآذن امتناعها برشدها واستقامتها إنساناً يملك أمره، على خلاف أخيها.
رواية الوجهين
وهذا يخرج خروجاً تاماً عن الرسم الأسطوري والقصصي المأسوي. ولكنه يستعير منه ما يسميه ليتيل الابن (تمييزاً من أبيه، روبيرت، كاتب الرواية البوليسية الأميركي) "هيكل المبنى". وهو يحمله على سياقة "الأوريستية"، وجملة حبكتها، ووجه حوادثها. والسياقة والجملة والوجه تشد من تدور الرواية عليه، أي شخصيتها الأولى (والشخصيات الأخرى حكماً) أو "بطلها"، الى قاع مختلط النوازع ومضطرب الحدود. فتتعاوره الأضداد، فترفعه الى أعالي الاستجابة الأخلاقية (فيرضى حفر قبر اليهودي نعوم بن ابراهيم الداغستاني بيديه، ويوسده لحده، مجيباً طلبه ورجاءه وقراءته 7-7-العلامات7-7-) والتذوق الموسيقي واللغوي، وتحطه الى أسفل سافلين، محاباة وكذباً وانتهازاً وقسوة وازدراء وهتكاً. ويصبغ القاع المختلط والمضطرب حوادث الرواية ووقائعها ومواقعها وصاحب الحوادث والوقائع (وأصحابها)، بصبغته. فيسير ماكس أُوْ مع الجيش، هارباً من وصمة قتل الأم ومسافحة الأخت، ومن اختلاطه واضطرابه الحميمين، ومن "العميلين" الشرطيين، كليمنس وفيزير، الى جنون تاريخي وجماعي، هاذ ومحموم، ألماني وأوروبي، ينتهك الحدود والمراتب والمعايير كلها من غير استثناء ولا قيد. وهو راوي الوجهين، الحميم والجماعي التاريخي، والوصْلة بين الوجهين، وهو شاهدهما القريب والأمين، ومدون وقائعهما. وتتولى الرواية (أي المبنى الأدبي والفني والكتابي) قص حوادث الوجهين ووقائعهما. فتدخل حوادث الوجه في حوادث الوجه الآخر، وتشبك هذه بتلك، على نحو (أو أنحاء) يردد أصداء الحادثة الحميمة، وأهومة الراوي وتداعياته وأفعاله الصغيرة، في الحادثة الجماعية والتاريخية، وفي مداها البلداني الجغرافي والمناخي، والاجتماعي العمراني، والثقافي، والحيواني (البيولوجي)، والصناعي العسكري. وينفخ السياق الأسطوري في وقائع الوجهين، وروايتهما، ويشيد للأصداء قصراً وضريحاً "منيفين".
ففي الفصل السادس، قبل الفصل السابع الأخير، وهو موسوم باسم توقيع أو "مقام" موسيقي أوروبي شأن الفصول الأخرى (من توكاتا الاستهلال الى جيغ الخاتمة، ويكني ضرب التوقيع الأخير، على قول ليتيل، عن سكرات المشنوق المتدلي من المشنقة، وارتعاش أطرافه، ويروي الفصل انهيار الرايخ الثالث في أنقاض حديقة حيوانات ببرلين كان عاث فيها القصف، وشرد سباعها وكواسرها)، في الفصل السادس هذا يقف ماكس أُوْ "في موقف" (النِّفَّري) العائد من مسارح الحرب بشرق أوروبا. فغداة الهزائم الكبيرة والصغيرة، على الطريق من موسكو الى برلين وبين المدينتين عواصم أوروبا، وارسو وبودابست وبوخارست وغيرها، وأرخبيل معتقلات الموت وأفرانها و "عملها المحرِّر"، ينسحب ضابط استخبارات قوات "مراتب الحماية" (
SS
) الثلاثيني الى برلين. ويعرج في مسيره المنفرد الى عاصمة الرايخ على منزل صهره وأخته، في بوميرانيا البروسية، غير بعيد من نهر الأودير، ووراء خط ستيتين. ويقيم في المنزل هذا وحيداً، ما خلا المدبرة والطاهية، كايت، ثم من غير المدبرة، ومن غير مزارعي اراضي الصهر الذين يستأذنونه الرحيل هرباً من القوات السوفياتية الزاحفة على ألمانيا، والمدمرة والناهبة والمغتصبة، والمحررة، وهي في مسيرها الى الغرب. ولا يغفل الراوي بضمير المتكلم اسم بلدة، أو نهر، أو بحيرة، أو ناحية، وهو يقصد آلت دراهايم، حيث دارة الشريف البروسي.
ويروي مسيره، على نحو روايته نزوله ضيفاً على صهره المقيت واللاجئ الى سويسرا مع زوجته، في جمل قصيرة من غير اقتضاب ولا اختصار. وتتوالى الجمل، على رتابة لا يحيد الكاتب عنها، قريبة من الخفض الذي يقتضيه التطويل في القص، وتوقع إلمام القص والخبر بحوادث كثيرة وشديدة التباين والاختلاف. فيلزم القاص نفسه، الاقتصاد في الانفعال والنبرة، من غير ان يغمط مروياته حقها من النقل الدقيق، من وجه، ومن غير مجاراة شططها، أو الانقياد له ومحاكاته، من وجه آخر. فلا ينحو نحو لوي ـ فردينان سيلين، ويدعوه موضوع قصه و"سفر(ه) الى أقاصي الليل" (وسم رواية سيلين الأولى ومدارها على الحرب الأولى وقيعانها الفظيعة) الى النحو هذا، ولا يقتفي على خطو جان جيرودو وأناقته وطلاوة حواراته المسرحية (ومنها مسرحية "إيليكترا") وكتابته الروائية. فيتمسك، ويود الواحد ان يكتب: فيعتصم بميزان تستوي كفتاه، فلا تشيل الواحدة ولا ترجح الأخرى، على بعض اضطراب يكاد لا يرى، أو لا يسمع، ولا تنفك موازنة الكفتين منه.
وأول ما يفعله الحال ضيفاً على مضيف غائب لم يستضف ضيفه ولا دعاه، هو تعرف الدارة التي يعود انشاؤها الى القرن الثامن عشر، وإلى رجل من أصل فرنسي، بروتستانتي ترك فرنسا في أواخر القرن السابع عشر، غداة إبطال الملك الكاثوليكي "خط (امان) نانت"، وهرب الى معقل حصين من معاقل البروتستانتية الأوروبية. ويبدأ تعرفه بالكنيسة أو السكرستية الملحقة بالدارة، وعلى بعض الحدة منها. فيطوف بها ولا يفتح بابها. ويتركها الى سيارته وسائقه. ويطلب الى السائق العودة الى برلين، وانتظار إشارته بها، وكتمان خبره والموضع الذي ينزله. فيعود السائق بالسيارة أدراجه، ويصعد طريق الهضبة المثلجة بين شطري غابة من شجر البلوط. ويجول الضيف المستتر المتخفي، والهارب من الشرطيين اللذين يتعقبانه بذرائع ووثائق فرنسية في خضم مَقاتل روسية وألمانية مجتمعة ولا يرى منتهاها، في الدارة جزءاً بعد جزء، شبابيكَ فناء بعد بوابة مدخل، ورفوفَ مكتبة بعد درج خشبي، وتماثيل معدنية وجبسية على الطاولات الواطئة بعد أرضية من خشب داكن. ويصعد الزائر من الدور الأرضي الى الدور الأول، وممره الطويل وشبابيكه. فيفتح مصاريع الشبابيك الخشبية، ويغلق المصاريع الزجاجية. ويفتح ابواب الحجرات. ويعدد أنواعها. ويبلغ في آخر الممر باباً يغطيه قماش، وراءه "حجرة سيد" فسيحة تستولي على الشطر الباقي من الدور كله. ويحصي الزائر أشياء الحجرة واحداً واحداً. ويخلص من وصف الأثاث ومواضعه (المرآة الأولى لتصفيف الشعر جلوساً، والأخرى على الأرض وقبالة السرير وتسمى "مرآة القدمين") الى ان الحجرة هذه، او الجناح، هي حجرة أخته أو جناحها. ويستدل على صدق تشخيصه، من غير التوسل بالقياس وشكله، ببرودة الحجرة وانتفاء الرائحة. وينزل الى الدور الأرضي، فيفتح باباً قبالة طاولة الطعام الطويلة، وبجوارها بيانو مذنّب. ويخرج الى المصطبة، وإلى ضوء رمادي تحت سماء غائمة، وثلج ذائب ينزل حبات ماء من المظلات المائلة فوق النوافذ والأبواب. فإذا مضى الطقس على دفئه، ذاب الثلج وأوحلت الأرض، وعوق الوحل الروس. وخرج غراب متثاقلاً من شجر الصنوبر وحط غير بعيد. وأغلق هو الباب الزجاجي وعاد الى حجرة الدور الأرضي الواسعة. وكان ترك بوابة المدخل من غير غلقها. فنقل كيس متاعه الى الداخل وغلق البوابة. وأتم الجولة بالنزول الى "كهف" الدارة، ومتحف نبيذها الفاخر، على أصنافه وأوقاته وسنواته.
الدوائر الى القاع
والحق أن الفقرة التي مرت للتو تكاد تكون نقلاً دقيقاً لنحو صفحتين وبعض الصفحة من الفصل السادس. وتنم، من غير افتعال، ببعض سمات كتابة "ربات الصفح" الروائية. فالزائر غير المدعو، والضيف النازل على من لم يستضفه، يقحم نفسه على داخل، أو على طوية و"سريرة" لا تملك رده ولا دفعه. ودخوله الخاصَّ المطويَ هذا، وولوجه فيه، لا يستدعي القسر ولا القوة. فهو ولوج بارد، طقساً وإجراءً. وهو، من وجه آخر، ولوج شعائري، بروتستانتي الشعائرية، إذا جاز القول. فهذه تقتصر على دخول دوائر المكان، الدائرة تلو الأخرى، وتعرفها تعرفاً بوليسياً وتحقيقياً، وملاحظة الآثار والعلامات وعدمها، والاستدلال بعدمها هذا على أصحابها الغائبين. والآثار والعلامات هذه هي جسر يصل ماضي ماكس أُوْ بحاضره، القريب والوشيك، الفردي والمشترك، بآتيه، على وجوه الآتي الكثيرة وأوقاته القريبة والبعيدة. فبرود حجرة الأخت، وانتفاء الرائحة منها، على النحو الذي لاحظه الراوي وهو على عتبة الحجرة، وفي شق بابها، لا يلبث أن يعلو (على ما يقال في الصوت أو في النغم واللحن ـ والمَعرِض موسيقي وصوتي). ففي الأيام القليلة التي تلت نزول أُوْ دارة الصهر، تناول الضيف الزائر الشراب، وترجح بين الانتشاء الممض وبين السكر والتعتعة. فكان يدخل حجرة الأخت الممتنعة، ويجوز الباب الى سريرها، ويشم الأغطية البيضاء والمنشّأة، من غير ثمرة. ويجوز السرير الى خزانة الثياب ودولابها وأدراجها. فيُمر أنفه على الأثواب، ومواضعها اللصيقة بمواضع الجسم، وعلى الألبسة الداخلية و"الحميمة"، على قول اسم ماركة ألبسة إيطالية من هذا الصنف. وترده جولاته هذه، وهي صدى جولته الأولى المتردد في دوائر أقرب فأقرب الى "داخل" الأخت وقاعها، خائباً وخالي الوفاض. ويخيبه كذلك "سكرتير" الأخت، وهو مكتبها الخاص وخزانة رسائلها وأوراقها، وفي الأوراق وبينها مسودات رسائل إليه لم تتمها ولم ترسلها. فيقرأ بعض المسودات هذه، وهي تهم بسؤاله عن "سره" (و"سكرتير" مشتقة من السر، ونقلها بعض الكتّاب اللبنانيين في مطلع القرن الماضي بـ"حميم")، أي عن قتله أمه الفرنسية وزوجها. فتنقلب الآية. ويُسأل السائل، ويُبحث "الباحث"، ويرد السؤال السؤال. وحين يبلغ الشرطيان المحققان، كليمنس وفيزير، وهما "الكلبان" اللذان يتعقبانه في جريمته الأولى والأساس، الدارة، ويتخفى هو هرباً منهما في الغابة، يجوسان مثله في أنحاء الدارة. ولكنهما، على خلافه، يقصدان خزانة الرسائل وأوراق أونا الخاصة، ويستخرجان رسائلها إليه. فلا يقع عليها حين يفتح الخزانة غداة تقصيهما.
ويحدث هذا من غير أن يترك القارئ (وقبله صاحب الاعترافات أو الإقرار)، بعد، يوميات الوقائع والأفعال ونثرها الصاحي واليقظ. ويسلم الشراب والوحدة، بعد رحيل كايت والمزارعين والفرنسيين المجلوبين الى العمل القسري هرباً من الروس الزاحفين، الألماني المختبئ والمعرِّج الى هذيان إيروسي محموم هو ربما القاع المتصدع الذي يوهم بموطئ، ثم يفضي تصدعه الى قاع آخر، ويمر هذا لا إلى غاية، على مثال دوائر جحيم دانتي في "كوميديا (5) الإلهية"، من غير "وقوف" الشاعر الإيطالي وانتهائه الى حد. فبعد فحص الثياب، دائرة بعد دائرة، يلبس الأخ ثياب أخته ويخلعها. ويرى الى نفسه في المرآة لابساً وخالعاً. ويغرق في أهومة تلبسه ثياب العرس. فهو عروس أخته، وهي عريسه. وهو أختها وهي أخوه، على ما يخاطب واحدهما الآخر ويتداولان القول والموضع، بينما تولج هي آلة ذكورتها في الرجل المثلي. وفي هوام آخر، يخرج فيض الغائط من العروس في ثوب عرسها الأبيض الواسع والناصع، فينقلها هو الى مغطس الحمام ليغسلها. وتفوح رائحة الغائط الأسود على شاكلة روائح معتقلات الإبادة التي خبرها ضابط الاستخبارات في سوبيبور وتريبلينكا وآوشفيتز وغيرها بأنحاء أوروبا المتفرقة. ويتنقل القص بين الوجوه والأقنعة والشعائر، محاكياً السينما السوريالية وانتهاكها. ويخالط المشاهد الفظيعة هذه، والراوي بين اليقظة والمنام، مناقشات ومطارحات في حال ألمانيا والألمان. وتتصدر الحال هذه ما ارتآه "المرشد"، "فوهرر الرايخ"، "حلاً أخيراً" وحاسماً للمسألة اليهودية (و"الجرثومة الفاسدة"، على قول مرشد معاصر ومريده النجيب). فتذهب أونا الى أن الألمان تابعوا الفوهرر النازي على هذيانه القاتل والمدمر، وعلى "حله" وإبادته واستئصاله، ثأراً من أنفسهم، ومن شطرها "اليهودي". فهم يكرهون الشطر البورجوازي والاجتماعي والمتمدن في أنفسهم ومنها. واليهود يمثلون على الشطر هذا. وهم سبقوا عامة الألمان إليه، وأقروهم عليه، وعلى رسومه. فالرواية بلسان الجلاد، وهذا من المآخذ التي أنكرت على الكاتب، لا تقصر الراوي على روايته ورأيه، وتتسع لرأي وقول مخالفين.
وما تقوله أونا بهذا الموضع من الرواية يوجز مشاهد كثيرة رواها أخوها في سَفَره الى أقاصي الليل الأوروبي والإنساني. ومن هذه المشاهد روايته دخول القوات المدرعة الألمانية كاركوف، بعد كييف، المدينة الأوكرانية الأولى ومجتمع بارز من مجتمعات يهودها التاريخية، بجوار "بايبي يار" وملحمة الأخدود المروعة (وهي المقتلة التي رمي في أثنائها بعشرات الآلاف من اليهود، أولاداً ونساءً وشيوخاً ورجالاً، أحياءً أو في نزعهم، طبقات فوق طبقات، في وادٍ غير عميق، وأشهد بعضهم على قتل بعض ونزعه). ومن غير تكلف كتابة غير الكتابة المقتصدة والمقتضبة والموازنة التي مر الكلام عليها، يروي الفصل، وهو الثاني والأطول بين فصول الرواية، حوادث "رومية أرثوذكسية" هذه المرة، إذا جازت الصفة، على خلاف بروتستانتية الحوادث البيتية والفردية والخلوية التي يرويها الفصل السادس. وتصف "الرومية الأرثوذكسية"، على شاكلة صور مايكيل شيمينو لعرس الأرثوذكسي البيزنطي في "صائد الأيل" وقبله صور فون سترينبيرغ المائدة الروسية في "الإمبراطورة الحمراء"، مشاهد ترويع القوات الألمانية الغازية الأهالي، وكسرها تصديهم أو تحفظهم. فيتوسل الضباط، على مراتبهم، في إطار مدينة "شرقية" لجبة ومضطربة، بمسارح عريضة لا يخلو فيها محل ضئيل من ناس متزاحمين أو أشياء متراكمة. فبعد ساعات قليلة من انفجار المبنى الأثري الذي اختارته قيادة الجيش الألماني مقراً، أمر الباش مهندس، سيل (والأسماء كلها، في هذا الموضع وفي غيره، أسماء حقيقية لناس حقيقيين ورتبهم هي الرتب التي يذكرها الروائي)، بوضع يهود من أهل كاركوف في المباني كلها رهائن أو "دروعاً بشرية"، وقاية من أعمال محتملة. وألح الجيش، وعلى رأسه فون رايخنو، أحد جنرالات هتلر البارزين، في رد الصاع من غير إرجاء أو تسويف. فأمر ضابط الاستخبارات بتعليق رهائن يهود، أخذوا في شارعين قريبين، وشنقهم على الشرفات في جادة المدينة الرئيسة. فتدلت من أعمدة الشرفات أجساد المشنوقين، واحداً واحداً أو أكثر من واحد. ويمر الراوي، وهو في طريقه الى مكتبه في مبنى آخر من مباني شارع كارل ليبيكنيكت، القائد العمالي الألماني ورفيق روزا لوكسمبورغ في مقتلها، بالأجساد المتدلية. فيسمع، فيما يسمع، الفقرات في الأعناق وهي تدق وتنخلع. ويرى، فيما يرى، عيني أحد المشنوقين، لحظة سقط غطاء الكفن عن رأسه، "كأنهما عينا حصان جامح".
ولعل أول ما يحسن بالقارئ تجنبه، والاعراض عنه (عوداً على ابن منظور)، هو ظن التورية أو الكناية أو التمثيل في جوناثان ليتيل وروايته. وما تقدم من (محاولة) قراءة إنما هو اجتهاد خالص. وليس في المواضع التي تناولتها العجالة، على بعض التدقيق والتفصيل، ما يحيد عن القص، ويخرج عنه أو يدعو الى الإقحام عليه. وتناولُ الرواية وقائع وحوادث تاريخية. جسيمة وحاسمة، حرص الكاتب على سردها سرداً دقيقاً وأميناً حمل بعض المؤرخين على مناقشته مناقشة الزميل المحترف، لا يطرحها من الفن الروائي. وليس مسوغ هذه الحال سلك الرواية مروياتها التاريخية ومروياتها الروائية الشخصية والمتخيلة في سلك كتابي وقصصي متصل وواحد، وحسب، ولا ترديدها أصداء "المكتبة" الأدبية والأسطورية الغربية، على نهج مثَّل عليه بورغيس وجهر به، وسبقه إليه كثيرون ولحق به كثيرون. فـ"ربات الصفح" تُعمِل الرواية، وعواملها الكثيرة والفريدة، في مسألة الشر واجتماع الناس، جماعات وأفراداً، عليه. وقد ينحو إعمال عوامل الرواية في المسألة الشائكة هذه، وفي ضلوع الناس على الأنحاء التي ضلعوا عليها فيها، نحواً "جمالياً"، على رغم تحفظ الكاتب الشديد وإمساكه. وحمل تناول المسألة على الرواية، والتزام روائية الرواية، ي