المستقبل 02-03-2008

أن ترجع فداء الحوراني وتدور النواعير

منهل السراج

مناسبة الكتابة، مناسبة كل يوم سوري، السجن والمنافي.
عرفتُ يا محمد الأكرم أنك مشتاق كثيراً لأمك وأنك غاضب جداً.
لم لا ترد على رسائلي؟ أسألك كيف حالك لم لا ترد؟ أنت غاضب وأنا مثلك، ولو أني جارتكم الآن كما كنت لكنت ربما مع أمك في سجنها.
حضرتُ حفل زواجك الجميل وكنت وعروسك نورين مشعين مع صوت النواعير. وفي أقل من عام جعلتَ من أمك جدة، وصرت أباً بشكل مبكر كأنك أردت لها كي تمتلكها أن تصبح جدة سريعاً. وفرحنا.
لا أذكر الآن إن كنت قد اخترتُ شيئاً للصغير، أم أني اكتفيت بكلمات المباركة.
قرأتُ أنك ركضت وراء أمك وهم يأخذونها إلى سجن النساء، في سيارة الصندوق البغيضة، ومن وقتها وأنا أعرف أنك غاضب جداً، الصورة قاسية. لكن أمك ليست أمك وحدك، وليست ملكاً لك، كانت لأمك هموم كثيرة أولها سوريا وأولها فلسطين وأولها حرية وأولها إنسانية.
قلتُ لها مرة: يمكنك أن تطلبي اللجوء الى اي دولة، يكفي أنك ابنة سياسي معروف، و ابنك محروم من الجنسية. أجابتني: بربك، هل يناسبني هذا؟ وعرفت أنها لا تسعى لجنسية لابنها الفلسطيني الذي ككل فلسطيني بلا جنسية، لكنها تفكر بأنها وكل أهل البلد يحتاجون لحياة جديدة وحرية حقيقية.
إذن لم تمسك نفسك وركضت وراء سيارة السجن. لا أدري بم فكرت حين فعلت هذا، هل فكرت أن تأخذها منهم، أم رغبت في أن تضمها إليك؟ أم ظننت أنه يمكنك أن تنقذها من أسرها؟
ربما رغبت أن تلحق بها، أو أحسست بالخجل عن كل الناس. إن كنت فكرت هكذا، فأنت محق، نحن خجلون كثيراً. خجلون لأننا خشينا أن يركض أبناؤنا وراء سيارات السجون، خجلون لأننا تعبنا من السجون والمنافي، ومن القمع والتجني، تعبنا، لن نكابر ونقول إننا صامدون. صرت أكره كلمة الصمود كما أكره كلمة الاستسلام.
يسألوننا: من أين أتيتم؟ من سوريا، ثم نتحمل نظرات الامتعاض، بلد الاستبداد وقمع الحريات. سنوات النضال بلا تغيير، والمناضلون قلائل. ولا نملك إلا أن نكتب من أجلهم، ليس لأن الكتابة أحسن من لاشيء، أبداً، القصة أننا مبتلون بالكتابة.
ربما لم أصفق لهم ولم أشجع ولم أناهض ولم أعترض على سياسة المعارضة، كنت على الأغلب أقول لنفسي: اسكتي، أنت لا تفهمين بالسياسة.
السياسة تحتاج الى ذاكرة جيدة ومحاكمة عقلية جيدة وذهناً مرتباً. وما لدي كله عكس هذا، لأن ذاكرتي في العادة تسجل إحساسي بالحدث وليس الحدث بذاته. حين كنت أقول هذا، كانت فداء تقول: هذا لا ينفع. والصديقة حذام زهور عدي تقول: علّتك أنك تبدإين بالقلب وتنتهين بالرأس. أسألها: وكيف يكون الطريق؟ تشير إلي أنه يكون بالعكس. تشير أولاً إلى الرأس مكان الذكاء وتنتهي بالقلب، أجيبها: لكن حين أسمع شيئاً صادماً أول ما يحدث هو أن يخفق قلبي، ثم يصعد الصوت إلى الرأس..
فتضحك حذام وتقول: تدرّبي.
كنا نجلس على شاطئ الناعورة ونتحدث. فداء عن اسرائيل و ديموقراطيتها المزيفة، حذام عن أميركا وعنجهيتها وأنا أتأسف على بيوت حماه التي هدمت فوق أصحابها. ثم نصمت ونراقب تدفق الماء وأنين الناعورة، والأحجار الكبيرة التي تأوي الطيور إلى شقوقها.
فداء في السجن الآن وحذام تعتني بالأطفال الصغار في روضة الرياحين، تناضل بلا ككل، وأنا بعيدة كثيراً. والنواعير متوقفة.
قال صديق: أسكتي الذاكرة، الحنين يفتك.
فداء في خطر. أرجو أن الأمر عارض، أظن أن تسارع دقات القلب حدث من ضغط جدران الأسر، وارتفاع الضغط الشرياني حدث من شدة الإرهاق وقلة النوم.
أفكر إن كانت الصديقات يجلسن من دون فداء. ربما لا يجتمعن كثيراً، لأن الوقت شتاء والنواعير متوقفة، كذلك القلعة باردة. أو لأن فداء التي كانت تفضل اللقاءات في قلعة حماه، هي الآن في "دوما" في سجن النساء. تحمل تهمتها الكبيرة: أحبت البلد أكثر من اللازم وتجرّأت على التعبير عن حبها.
كنت واثقة من ابتسامتها يوم وقوفها أمام القاضي. لم يخب ظني، ظهرت بالابتسامة نفسها. تلك الابتسامة التي تقول: أفهم ما يحدث وعلي أن أكون قوية بما يكفي. ويكفي أننا واثقون بثقتها. هي تفهم ما يحدث وكانت مستعدة، نعم، ونحن نفهم ما يحدث وغاضبون، بقي أن يفهم قاضيها، وصاحب قرار اعتقالها.
بالطبع تشتاق لوحيدها الآن ولحفيدها.. لعملها، لزوجها، للصديقات. بالطبع تشتاق الى المدينة.
بالطبع يفتقدها كثيراً د. غازي والمشفى والعاملات اللواتي ينظرن إليها كحلم.
قالت وهي التي تتابع كل تفصيل في المشفى:
ـ طلبت من عاملة النظافة أن ترتدي القفاز قبل أن تنظف الحمامات، طلبت منها أن تنظف به ثم ترميه، لكنها لا تفعل، تقول إنها لا تشعر بأنها نظفت عبر القفاز.
تضحك وهي تشير إلى كفي المرأة:
ـ انظري، لقد اهترأ كفاها.
فيما العاملة تخفي يديها في جيوب مريولها وتضحك خجلاً.
قلت لها:
ـ هذه نساء حماه، تضحية وصبر، أما أمر نعومة الجلد، فهو آخر ما يفكرن فيه.
قالت:
ـ لكن الصبايا اختلفن عن أمهاتهن.
ثم تحدثنا عن دار النشر التي ترغب في إنشائها. وعن مشروع الصناعة الحموية اليدوية في "الدار"، تلك الدار الصغيرة التي اختارتها في إحدى الحارات القديمة، لتعرض فيها كل ما يميز المدينة وبأيدي بناتها والأمهات.
كيف تدار الآن، وكيف يدار المشفى، وكيف تدور النواعير؟
يفتك الحنين، أتمنى أن ترجعي فداء سريعاً كي تعود المياه إلى مجاريها.

       ثقــافـة