حاوره جان دانيال وجاك
دريون
ترجمة بسام حجار
في شهر كانون الثاني المنصرم حصل عازف البيانو وقائد
الأوركسترا الإسرائيلي، دانيال بارنبويم، على الجنسيّة
الفلسطينية بناءً على طلبه.
ودانيال بارنبويم من مواليد بوينس آيرس (الأرجنتين)
سنة 1942، هاجر إلى إسرائيل سنة 1952. قاد أوركسترا
باريس وأوركسترا شيكاغو، وأنشأ الأوركسترا الإسرائيلية
الفلسطينية، وكان على تعاون وثيق مع المفكّر الفلسطيني
الراحل إدوار سعيد.
جان دانيال، مدير تحرير مجلّة "لونوفيل أبسرفاتور"
الأسبوعية الفرنسيّة (في عددها المؤرخ 21 ـ 27 شباط
2008) أجرى معه حواراً (بالاشتراك مع جاك دريون) حول
الأسباب التي حدت بالموسيقار الإسرائيلي إلى طلب
الجنسية الفلسطينية، جاء فيه:
ما هي جنسيّتك؟
ـ أرجنتينية، إسرائيلية، أسبانية، فلسطينية. أملك
أربعة جوازات سفر.
كيف كان ردّ الفعل في إسرائيل لدى حصولك على الجنسيّة
الفلسطينية؟
ـ على نحو إيجابيّ جداً بصورة عامة. فمعظم الرسائل
التي تلقيّتها كانت رسائل مديح وتعبّر عن مشاعر
الصداقة. رسائل أخرى كانت غريزيّة، حيوانية. قالت
وسائل الإعلام إنني تعرّضت للنقد، وهذا غير صحيح.
طبعاً وسائل الإعلام تلعب دوراً إيجابياً لا غنى عنه،
غير أنّها تميل أحياناً إلى تبسيط الأمور. عندما عزفت
موسيقى فاغنر في إحدى أمسياتي الموسيقيّة في القدس،
ناقشت الأمر طويلاً مع الجمهور، ودعوت مَن لا يريد
البقاء منهم في الصالة إلى مغادرتها: فقد استمعوا إلى
العزف الأوّل، وليس لزاماً عليهم البقاء للاستماع إلى
الإعادة. ولكن من أصل 3000 من الحاضرين لم يغادر
الصالة أكثر من مئة شخص ـ وطبعاً غادروا هاتفين
احتجاجاً. ومع ذلك قيل إنّ حفلتي تلك كانت بمثابة
استفزاز! وانتشر الخبر في أرجاء العالم كلّه... لستُ
من المغضوب عليهم في إسرائيل، على الرغم ممّا يصدر
عنّي من انتقادات. حتّى الحكومة تساعدنا، ولو بتكتّم
شديد، في مشاريع التربية الموسيقية التي نسعى إلى
تطبيقها. لا أحد يقول لي إني أغالي في ما أقول أو
أفعل، ولا أحد يتصل بي. مع انني أعرف بعض المسؤولين
منذ زمن الطفولة... أعرف (إيهودا) باراك مثلاً منذ أن
كنت في الخامسة عشرة من عمري ـ وهو عازف بيانو لا بأس
به على الإطلاق. التقيته في شهر أيلول المنصرم. وكان
بإمكانه أن يطلب منّي أن أسكت لكنّه لم يفعل.
ولكن مثل هذا الموقف يبقى غير مفهوم.
ـ أجل. وما هو غير مفهوم أيضاً هو وجود ما بين الـ 75
والـ 80 في المئة من الإسرائيليين الذين يريدون
السلام، في حين أن نسبة مماثلة منهم تؤيّد العمليات
العسكرية في غزّة... إنهم لا يفهمون حقيقة الأمر. هم
يظنون أنّهم إذا كانوا أقوياء فسينالون السلام. وهذا
مستحيل! لأننا لن ننال السلام إلاّ إذا كنّا عادلين.
هم يقولون يجب أن نعطي الفلسطينيين هذا الأمر أو ذاك.
وهذا جوهر الخطأ: فنحن لا نمنح الفلسطينيين هدية!
وإنما نعطيهم حقّهم! الإسرائيليون يريدون أن يعيشوا في
سلام، وألاّ يتعرّضوا للأذية، ألاّ يُقتلوا، أو
يُنفوا، ولكنهم لا يريدون أن يفهموا أنّه حيث يريدون،
هم، أن يعيشوا، كان الفلسطينيون يعيشون منذ ما يزيد
على العشرين قرناً من الزمن. كما لا يريدون أن يفهموا
أنّ هذه الأقلية الفلسطينية في إسرائيل مما قبل العام
1967، في الناصرة، وطبريا، وحيفا، هي ليست أقلية شبيهة
بالمغاربة في فرنسا أو الأتراك في ألمانيا: بل إنّ
الأرض هي أرضها! لا بل حالها كأنّ الأتراك أصبحوا
أكثرية في ألمانيا، والألمان أقليّة. يكفي أن يتنبّه
المرء إلى مؤشرات النموّ الديموغرافي: ففي فلسطين
التاريخية، يشكّل الفلسطينيون 55 في المئة من مجمل
السكان. وأخشى ما أخشاه هو أننا إذا لم نعط
الفلسطينيين ما هو حقّهم في الأصل، فإنّ وجود إسرائيل،
نفسه، كدولة يهودية، سوف يصبح على المحكّ. فعندئذ قد
لا تغدو إسرائيل أكثر من حقبة وجيزة في تاريخ الشعب
اليهودي. أسوأ ما في الأمر هو أننا نشهد المزيد
والمزيد من الناس الذي اعتادوا العيش من دون حلّ
للمشكلة، ومن بينهم المعتدلون، ذوو الفطنة من كلا
الطرفين. يرضخون لشعورهم باليأس. وهذا أخطر ما في
المسألة برمّتها.
هل تخاف من إيران؟
ـ طبعاً! لو أنّ أحمدي نجاد لا يستخدم تعابيره
اللاعقلانية من قبيل "تلك القذارة الصهيونية" لكان وجد
من يصغي إليه. ولكن لحسن حظّنا أنّه يستخدم هذه
العبارات: فقد نشعر بارتياح أقلّ لو أنّه يتحدّث عن
الظلم. فتح ليست هي الحلّ في فلسطين، ولا حماس. ولكن
ثمة مجموعات فلسطينية صغيرة تمارس المقاومة اللاعنفية.
وهذه لا تمتلك السلطة لكنّها موجودة. أمّا في إسرائيل
فليس هناك أحد. لست معادياً لإسرائيل غير انني لا أرى
حزباً واحداً في هذا البلد قد امنحه صوتي! ولا حتّى
مجموعة صغيرة...
لِمَ لا تخوض العمل السياسي؟
ـ كان باديريفسكي عازف بيانو كبيراً، ثمّ أصبح رئيساً
لبولندا. التقى ذات مرة شامبرلين الذي قال له: "أنت هو
عازف البيانو الكبير؟ ـ أجل. ـ وأنت هو رئيس بولندا؟ ـ
أجل. ـ يا لهذا التدهوّر! ".
في 15 أيار المقبل، تحتفل إسرائيل بذكرى استقلالها
الستين، وسوف تشهد فلسطين تظاهرات تنديد. فماذا ستفعل
أنت، سواء كنت في باريس أو في أي مكان آخر؟
ـ في حال وجودي في باريس فستجري الأمور على أهون ما
يكون. غير أنني سأقيم حفلاً موسيقياً في تل أبيب تحت
عنوان "الاستقلال ـ النكبة"، لأنّ الفلسطينيين يطلقون
هذه الصفة على هذا اليوم بالتحديد. لا يسعنا الاحتفال
بأحد الأمرين على حدة. لذلك فسيكون حفلاً موسيقياً
إسرائيلياً فلسطينياً مشتركاً. وسيشارك فيه عازفون من
الكونسرفاتوار الذي أنشأناه لفلسطينيي الناصرة،
وأسميناه "كونسرفاتوار بارنبويم ـ سعيد".
أنت تردّد على الدوام أن كلّ شيء قد يُبنى على أساس
الفهم الحقيقي للأمور. لِمَ لا تشرح لهم ما فهمته أنت؟
ـ إنّهم يعلمون كلّ هذا. السيّد باراك يعرف التاريخ
جيّداً! وهو يعلم أنّه منذ البداية كان التعارض قائماً
بين ثلاثة أشكال لفهم الأمور: هناك فهم الرجعيين الذين
أرادوا أن يفرضوا وجود إسرائيل على العرب بالقوة ـ وقد
استمرّ هذا السعي حتّى شارون. وهناك فهم حزب العمل،
وهو أقلّ تصلّباً، لكنّه لطالما دعا إلى أمر مماثل مع
الانتباه إلى القضايا الاجتماعية. ثمّ أخيراً كان هناك
من يدعو، إلى جانب مارتن بوبر، إلى استحالة فرض وجود
إسرائيل رغماً عن مشيئة العرب. بوبر كان يقول إنّ وقف
إطلاق النار ليس كافياً. وباراك يدرك هذا كلّه! غير
أنّ ما يفقدني صوابي هو أن الشعب اليهودي طالما اشتهر
بذكائه؛ وكان العالم يحبّنا أو يكرهنا جرّاء ذلك! ولكن
يبدو أنّ هذا الزمن قد ولّى فعلاً. لأنّ الأمر مستمرّ
على حاله منذ ستين عاماً، ولا بوادر تحسّن. إذ لا
يسعنا إرغام الناس على الركوع والطلب منهم أن يكونوا
راضين عن مصيرهم. وعقب كلّ انتصار عسكريّ، حتّى لو بدا
ضرورياً، تغدو الأمور أسوأ مما كانت عليه. كان هناك
منظمة التحرير الفلسطينية، والآن أصبح لدينا حماس.
حماس هي صنيعة إسرائيل! حتّى أنهم شيّدوا مركزاً
إسلامياً في غزّة دون التفات إلى ظروف الحياة هناك،
هذا علماً بأن الشعب الفلسطيني كان هو الشعب العربي
العلماني الوحيد!
أنت لست متديّناً، ولكن الدين قد اصبح محرّكاً في
إسرائيل أيضاً.
ـ الدين يدعوني إلى موقفٍ تهكّمي، على الأقل حيال ما
يجري في هذه المنطقة. لقد جرى استغلال الدين في
إسرائيل. فهو الذي يمنح الناس حقوقها. وكذلك الأمر
الإسلام. إذ لم يعد هناك صلة بين الدين والإيمان.
لقد أنشأت أوركسترا "الديوان الغربي الشرقي" التي
تتألّف من عازفين عرب ويهود. هل كان الغرض من إنشائها
أن يرى العازفون اليهود والفلسطينيون أنّ بإمكانهم
العمل معاً، أو لكي تكون نموذجاً على سبيل المثال؟
ـ أحد الأمرين لا يلغي الآخر. إنّ الفكرة السياسية
الوحيدة التي كانت في خلفية إنشاء الأوركسترا إنما
اقتصرت على القول إنّه لا وجود لحلّ عسكري لهذا
الصراع، ولا يجب أن ننتظر حلاّ له من السياسة. بل
ينبغي لنا جميعاً أن نكافح جهل كلّ طرف من الطرفين
بالآخر؛ كما ينبغي لنا احترام منطق رواية الآخر. وبما
أنني موسيقار، سعيت وراء ذلك في حقل الموسيقى.
إنّ النشاط الموسيقي الجَمعي ليس خياراً محايداً.
ـ كل أوركسترا هي مدرسة من أجل الحياة. وهذه ليست
"أوركسترا من أجل السلام"، فهي لن تصنع السلام. وإنما
هي نموذج ومثال. في الأوركسترا نكون جميعاً سواسية
أمام العمل، غير أننا في الوقت نفسه نكون مرتبطين
أحدنا بالآخر: فالكمان يحتاج إلى الكلارينيت التي
تحتاج إلى الكمان الجهير وهكذا. أنا أبذل كلّ طاقتي في
ما أعزف، غير أنني في الوقت عينه أستمع إلى عزف الآخر.
وأضبط إيقاع عزفي انطلاقاً مما يعزفه الآخر. وكذلك
الأمر بالنسبة لقائد الأوركسترا، الوحيد الذي لا صلة
مباشرة له بالصوت، فإنّ أداءه مرتبط بأداء وبطاقة كلّ
واحد من العازفين. مرتبط بما يريد الآخر وما يستطيع.
طبعاً قائد الأوركسترا يقود، يعطي، غير أنّه يتلقّى
أيضاً اقتراح العازف.
وفي الحياة؟ ما الذي تتوقعه من قائد؟ من أولمرت على
سبيل المثال؟
ـ لا يستطيع أولمرت أن يكون قائد أوركسترا: فهو عاجز
عن الإصغاء.