المستقبل 26-02-2008

وقّع "أثر الفراشة" في مسرح البلد بعمّان

محمود درويش: جمهوري يمدني دائماً بالإيمان وبأن الشعر ما زال ممكناً وضرورياً

عمّان ـ موسى برهومة

لم يمنع استعصاء التجنيس الأدبي لكتابه الأخير "أثر الفراشة" من أن يحاط الشاعر محمود درويش بحضور جماهيري كثيف اضطر لدخول قاعة مسرح البلد بعمّان على دفعات للحصول على نسخة من كتاب الشاعر الذي وقف حائرا أمام نفوذ قصائده. لذا راح صاحب "مديح الظل العالي" يجزل الشكر لجمهوره الذي يمده دائما بـ"الإيمان وبأن الشعر ما زال ممكنا وضروريا".
وقبل أن يبوح بأسراره، كان درويش مدفوعا إلى الاعتراف بأن "أثر الفراشة استعصى بالنسبة لي على التعريف، نثرا أم شعرا أم نصوصا تقف على التخوم". بيد أن هذا الاستعصاء لم يحل دون الولوج إلى عمق المأساة عبر نص البنت/الصرخة" الذي يستذكر آلام الفتاة الفلسطينية هدى غالية التي أتت قذيفة إسرائيلية على جميع افراد اسرتها بينما كانوا يتنزهون على شاطئ غزة:

"على شاطىء البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ

وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارجة تتسلّى
بصيد المشاة على شاطىء البحر:
أربعة، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأنَ يداً من ضباب
يدا ما إلهية أسعفتها، فنادت: أبي
يا أبي! قم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يجبها أبوها المُسجّى على ظله
في مهب الغياب
دَمُ في النخيل، دم في السحاب
يطير بها الصوت أعلى وأبعد من
شاطىء البحر. تصرخ في ليل برية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصرخة الأبدية في خبر
عاجل، لم يعد خبرا عاجلا
عندما
عادت الطائرت لتقصف بيتا بنافذتين وباب!"
ثم تابع درويش قراءة ستة نصوص من كتابه الصادر أخيرا عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" في بيروت في 282 صفحة من القطع المتوسط.
ومن بين النصوص التي تمتع بجمالية مخيالية عالية وترميز ذكي نص "البعوضة" التي لا يعرف اسم مُذكّرها، لذا:
"تفاوضها على هدنة بصوت وُدي: نامي لأنام! تظن أنك أقنعتها فتطفىء النور وتنام. لكنها وقد امتصت الزبد من دمك تعاود الطنين انذارا بغارة جديدة. وتدفعك إلى معركة جانبية مع الأرق. تشعل الضوء ثانية وتقاومهما، هي والأرق بالقراءة. لكن البعوضة تحط على الصفحة التي تقرؤها، فتفرح قائلا في سرك: لقد وقعت في الفخ. وتطوي الكتاب عليها بقوة: قتلتها... قتلتها! وحين تفتح الكتاب لتزهو بانتصارك، لا تجد البعوضة ولا الكلمات. كتابك أبيض!. البعوضة، ولا أعرف اسم مذكرها، ليست استعارة ولا كناية ولا تورية. إنها حشرة تحب دمك وتشمه عن بعد عرين ميلا. ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة: أن تغير فصيلة دمك!".
وبعد ذلك قرأ درويش "البيت قتيلا"، "بندقية وكفن".
وختم الشاعر قراءاته قبل أن يوقع "أثر الفراشة" بقصيدة "أنت منذ الآن، أنت":
"الكرمل في مكانه السيّد.. ينظر من علٍ إلى البحر . والبحر يتنهّد، موجةً موجةً، كامرأة عاشقة تغسل قدمي حبيبها المتكبرِّ!
(.....)
أعبرُ من شارع واسع إلى جدار سجني
القديم، وأقول: سلاما يا معلمي الأول في
فقه الحرية. كنت على حق: فلم يكن الشعر برئيا!
هل قال أحدهم: إن سيد الكلمات هو سيد المكان؟ ليس هذا زهوا ولا لهوا. إنه أسلوب الشاعر في الدفاع عن جدوى الكلمات، وعن ثبات المكان في لغة متحركة!
لرائحة الشجر الصيفية نكهة إيروسية. هنا تداخلت في العشب والزغب والنمش وسواه، تحت ضوء القمر!
حيفا تقول لي: أنت، منذ الآن، أنت!".
وجرى حفل التوقيع برعاية أمانة عمّان الكبرى، وعدة مؤسسات إعلامية. وحضر الحفل نائب أمين عمان المهندس عامر البشير. وقدم الشاعر زهير أبو شايب الشاعرَ محمود درويش بالتأكيد على أن الأخير لا يحتاج إلى أي مقدمات أو تعريفات لأنه "الشاعر الذي به نعرّف على ذاتنا العميقة ونضيء على عتماتها، وبه نقدم الدليل، لأنفسنا ولأعدائنا، على أننا ما نزال أمة تلد وتحلم وتخبئ كل هذا الضوء في شاعر واحد رغم كل انطفاءاتها وخيباتها.
ومحمود درويش لا يحتاج إلى ما يترتب عن مكانته وقامته العالية من مديح لأنه أعلى من الممدوح الذي لا يلتقي مع المادح إلا في إطار سلطة يتقسمانها، ولأنه كذلك ظل ينمو ويزداد شبابا، وظل يسبق أي مدح له، ويمنح الدهشة لمتلقيه في القصيدة كما في النص كما في الحوار الصحافي".
وعن "أثر الفراشة"، قال أبو شايب "يفاجئنا محمود درويش بكتابة أخرى يتنقل فيها، كما يتنقل الفراش، بين قصائد تغار من بساطة اليومي ونصوص نثرية تغار من الشعري، ويتحدى الشعر بالنثر والنثر بالشعر ويبحث في اليومي عن الأبدي وفي العابر عما لا يزول".
وذكر أبو شايب أن مفردة (يوميات) التي ذيل بها درويش عنوان الكتاب ليست مفردة تصنيفية، "بل هي عنوان آخر فرعي يعيد الشاعر من خلاله تعريف الشعري وتعريف اليومي، فالشعري هنا ليس المتعالي ولا الكثيف فقط واليومي ليس ما يتساقط منا من أحداث، بل هو أيضا ما يترسب فيها من مشاعر وأحاسيس ومذاقات بعد أن يمر الحدث.
إن اليومي هنا ليس الخارجي فقط، بل هو الخارجي وامتداداته في الداخل، ولذا فإن الشاعر حين يبحث عن مناطق جديدة للشعرية لا يضطر إلى أن يبتعد كثيرا عما يتحرك حوله".
وخلص ابو شايب إلى القول: "إن الشعر موجود هنا لا في الفراسة التي تمر فقط، بل في الاثر الذي يخلّفه فينا مرور الفراشة، فالعابر اذن لا يعبر تماما كما يتهيأ لنا بل يترك في الذات العميقة أثرا لا يرى لكنه لا يزول:
أثر الفراشة لا يرى
أثر الفراشة لا يزول
هكذا يبحث محمود درويش، في عمله الشعري الجديد هذا، عن الشيء ونقيضه، ويبحث عن الشيء في نقيضه، يبحث عن الأبدي في اليومي، وعن الامل في اليأس، وعن الشيء في اللاشيء.
وهكذا يدفعنا كما كان يفعل دائما إلى أن نخلخل ذائقتنا، ونبحث معه عن المعنى ليس في المتعالي فقط بل في اليومي، في ذلك اليومي الي يملأ ذواتنا السفلى دون أن ننتبه".
الكمال كفاءة النقصان
الوقت طار، ولم أطر معه...
توقَّفْ ـ قلتُ ـ لم أكمل عشائي بعد،
لم أشرب دوائي كله، لم أكتب السطر الأخير من الوصية، لم أسدد أيَّ دين للحياة...
وقد رَأَتْني جائعا قرب السياج فأطعَمَتني حبة من تينها...
ولقد رأتني عاريا تحت السماء فألبستني غيمة من قطنها...
ولقد رأتني نائما فوق الرصيف فأسكنتني نجمة في صدرها... قالت:
تَعَلمْني تجدني في انتظاركَ! قلت: شكرا للحياة، فإنها هِبَة وموهبة...
تعلمت الحياة بما استطعت من الشقاء وعلمتني كيف أنساها لأحياها...
وقال الموت لي مُتطفلا: لا تنسني فأنا أخوها، قلت: أُمُّكُما سؤال غامض لا شأن لي فيه...
وطار الموت من لغتي إلى إشغاله.
تحيا الحياة ـ هتفتُ حين وجدتها عفوية فطرية، تلهو وتضحك للهواء. تحبنا ونحبها...
وتكون قاسية وناعمة، وسيدة وجارية...
ولا تبكي على أحد.
فلا وقت لديها.
تدفن الموتى على عجل، وترقص مثل غانية وتنقص ثم تكتمل.
الكمال كفاءةُ النقصان والذكرى هي النسيان مرئيا...
ولكني لعبت مع الحياة كأنها كرة ولعبة يانصيب لم أفكر مرة باللغز: ما هي؟
كيف أملأها وتملأني ـ سألتُ وقد رأيتُ الموت يتركني على مهلي... لأسأل وانتظرت الوقت.
قلت: غدا سأمعنُ في السؤال عن الحياة.
ولم أجد وقتا
لأن الوقت راوغني وغافلني... وطار!.

       ثقــافـة