السفير 25-02-2008

العنف أيضاً يكذب
عباس بيضون

تقال «الحقيقة» دائما بلغة قطعية، بلغة راديكالية، لا نتخيل طريقة أفضل لقولها. بل نفكر أحياناً بأن شيئا من الليونة يجعلها أقل حقيقية، يجعلها نصفا أو ربعا أو ثلثا. نفكر بأن قولها هكذا لا يعدم ان يكون تواطؤاً ومناورة وربما مساومة وتقربا من الطرف الآخر. السؤال ليس هنا، يمكن أن نعيد المسألة من الاوّل. ماذا لو لم يكن القطع والجزم والراديكالية للا شيء. اذ أحيانا العنف المجرد، الراديكالية اللفظية يظنان نفسيهما حقيقة، لنعد المسألة من الاول: ماذا لو كانت الراديكالية والقطع حجراً، مجرد سقف واطئ مظلم وسيئ الرائحة. ماذا لو كانت سوراً لا يسوّر شيئا، مجرد سور، مجرد حاجز، مجرد عزلة وباب مغلق، أحيانا يمكن أن نفكر بأن الحقائق الكاملة الختامية هذه قد تكون محنطة وقد تكون ميتة وقد لا نرى في الواقع سوى ناووسها. ان ما يقال باسم الحقيقة قد يكون عنفنا وعدوانيتنا فحسب. ثمة قنابل صوتية في كل مكان وهي موجودة في الكلام أكثر منها في أي شيء آخر. نخاف أحيانا ان ينفجر الكلام في أيدينا أو ينفجر في حلوقنا. قد نكون حبساء كلامنا، قد نسجن أنفسنا فيه. ثم لا نستطيع أن نغادره، إننا نغدو عبيده، العنيف يستجرّ الأعنف، العدواني يستجرّ الاكثر عدوانية. اننا ندخل في حلقة لا مخرج منها، وعلينا ان نتقدم دائما الى الحافة. علينا ان نبقى مع قنابلنا الصوتية وان نسمع وحدنا دويها. ماذا لو غدونا تحت رحمة كلماتنا ووطأتها، ماذا لو تحكمت هذه بنا وصاغتنا على مثالها. إن عالما من القرقعة قد يطلب لنفسه مقابلا، قد يطلب جسداً ومحلاً. مع ذلك لا تزال القرقعة تظن انها على حق. لا يزال الدوي والعنف اللفظي يسميان نفسيهما صدقاً ومثالية، ما زلنا نقول ان الناس لا يغضبون للاشيء. ان الناس لا يحتدون بدون سبب. سبب في نفوسهم وأجسادهم وان سبباً كهذا لا بد ان يكون مباركاً، مهما كان موضوعه فإنه آت من الحياة، من اللحم والدم، من التوق والمعاناة. ماذا لو لم يكن الأمر كذلك. ماذا لو كان في استطاعتنا ان نكذب بالعنف وان نكذب بالغضب، وان نكذب بالقطع والجزم، ماذا لو كان في العنف مناورة أكثر من اللين، لو كان الغضب مشهداً فحسب. لكان الغضب دوراً أكثر مما هو اللين، فاللين لا ينتج أبطالاً، واللين لا يدفع الناس الى الواجهة، واللين لا يصنع أدواراً اولى. اللين في العادة متهم متوار ثانوي. واللين في العادة يليق بالدبلوماسيين والمحامين اكثر مما يليق بالثوار واكثر مما يليق بالقادة والمناضلين. اللين غالبا بلا وجه. أما العنف والراديكالية فلهما جسد من حديد، ولهما صوت من ديناميت، ولهما شوكة وسلاح وفأس. ماذا لو كان العنف مجرد لباس وزيّ. وليس صوتا إلا بمقدار وليس عصبا إلا بمقدار وليس نفساً إلا بمقدار. ماذا لو كان كذباً ايضا. علينا ان نبدأ من الأول.

       ثقــافـة