المستقبل 16-02-2008

يوم الوفاء للحريري يوم تأكيد دولة الاستقلال

بول شاوول

كأنني لم أَجِدْ من زمان المطر بهذه العذوبة وإن لم يتردد، ولا الريح بهذه الصداقة، ولا الثلوج بهذا القرب، ولا العواصف بهذه الرفقة، ولا الطرقات بهذه المرونة، ولا المنعطفات بهذه الطاعة، ولا الممرات بهذا التواطؤ الجميل، ذلك ان المطر، والريح، والثلوج والعواصف والطرقات، والمنعطفات، وكأنها أسْلَسَتْ لهؤلاء الآتين من كل الجهات الى بيروت.
هؤلاء الذين لم يجيئوا من جهة واحدة ولا من سبيل واحد، ولا بلون واحد، ولا بنبرة واحدة أملاها صوت واحد أحد أو صاغها تكليف فوقي، هؤلاء الذين عرفوا بقلوبهم، وعقولهم، دروب بيروت، ليحيوا الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري. كانوا يشبهون المطر في دفقهم من كل الجهات، من كل جهات الوطن، حاملين من مساقطهم، ما تنوّع من اللهجات، وما خَصُبَ من عَبَق الأرض، وما فاح من هبوب الأعالي، وما نصع من بلاد الثلوج... وما أملس من سهوب السهل، وما تألق من كثرة التلاوين، وما تعدد من سَيْر الأنهر، وما كَثُرَ من الألوان والأصوات... جاؤوا كالمطر من جميع الجهات، ومشوا كالمطر الى المصب: بيروت. فكأنهم بقدر ما شبهوا الشآبيب، شبهوا بيروت: المتنوعة الوجود، والانتماء، والألوان، والمطافات، فكأنهم، متعددي الأصوات، صرخوا بصوت واحد: ها نحن نجيء مرة أخرى يا بيروت، لتكوني من جديد العاصمة المختلفة، عاصمة الاختلاف، عاصمة السلم الأهلي، والتنوير، عاصمة الجمهورية، والناس، وعشاق الحرية، والديموقراطية، والنهضة، والقلب الذي له أن ينبض بمليون قلب، وأن يضج بمليون صوت، وأن يستقبل مليون مواطن، من أطفال ونساء وشيوخ وشبان... ذلك ان بيروت، في كل زمن، كانت قلباً يتسع لكل القلوب، فما بالك إذا كان الرابع عشر من شباط، وعندها يضاف إليها، ما انزرع فيها، من دم الشهيد الحريري ورفاقه، وعندها لتتسع الساحات منها والى آخر دسكرة، ليصير كل لبنان بيروت المنتفضة، وبيروتُ كلَّ لبنان المنتفض.
إنها لحظة الانتفاضة تولد من جديد بإيقاع الرعود والبروق والثلوج والمطر. إنها لحظة الانتفاضة الأولى معسولة بعبقِ مَنْ رحلوا مستشهدين، مغسولة، بتذكارات مَنْ يحدقون إليها بجذور الأرض، إنها لحظة الانتفاضة تصير زمناً لا يتسع لسوى مَنْ يجيئون أو يصرخون أو يكتبون أو يرسمون أو يقولون على مرمى الخطر، والموت، والقتل، والمجازفة: إذ ماذا ينفع الكلام، في زمن التتريف، والتزويق، وحيث للكلام أن يكون فائضاً على المجتمع، بل حيث المجتمع، صدر يتنفس الخطر وهو يكبر ويخرج كل يوم من وراء قضبانه.
ذلك ان الآتين أول من أمس كأنهم يسابقون المطر هنا، ويسابقهم هناك، توأم الأنهر هنا وتوأمهم الأنهر هناك، يختلطون بأصواتهم كما يختلط الماء بالماء، والهواء بالهواء، والأصوات بالأصوات، والدمع بالدمع، والشهداء بالشهداء، والأنفاس بالأنفاس، والخطى بالخطى؛ ذلك ان الآتين أول من أمس من جهات الوطن، جاؤوا، في يوم العشاق، ليعلنوا من جديد عشقهم لرفيق الحريري، ولرفاقه، ولشهداء الوطن؛ جاؤوا يرفعون الأعلام كباقات الورد، وكباقات الماء، وربما أحياناً الدمع، ويعلنون عشقهم من جديد للحرية، وللعدالة والسيادة والاستقلال، للديموقراطية، وللعروبة (طبعاً ليس عروبة الأنظمة ولا مشتقاتها الحزبية)، وللبنان الذي لا يكون سوى بناسه إذا حملوا قيمه المتعددة، قيمه الحضارية، والثقافية، والتحررية أي قيمه المتنوعة في إطار الأرض الواحدة، والسماء الواحدة، والوطن الواحد. ذلك انهم باتوا يعرفون أن وطناً يُقمَع لا يكون واحداً بل وطنان: واحد للقامعين وآخر للمقموعين، واحد للجلادين وآخر للمسجونين، واحد للقتلة وآخر للضحايا... ذلك أنهم عرفوا أن الوطن لا توحده سوى الحرية، تماماً كما يوحد الهواء المسافات، ولا تجمعه سوى إرادة الناس، التي تصنعه تارة، ويصنعها أطواراً! ذلك لأنهم يعرفون أن الأنظمة المستبدة لا تصنع شعباً واحداً لأن الشعب لم يصنعها، وأن الأنظمة البوليسية لا تصنع أماناً واحداً، لأنها تصنع أمانها، على حساب خوف تزرعه، وعنف تمارسه، وجرائم ترتكبها، عرف الآتون من كل الجهات، أن الشعوب تُمهل ولا تُهمل، ولا بد من أن تلتحم بأرضها كلها، وإراداتها كلها، مهما طال الزمن: ولهذا كم شعر هؤلاء النازلون كالمطر وكالأنهر وكالجداول أنهم حقاً، باتوا يستحقون لبنانهم: ذلك اللبنان الكريم، الرحب المعطاء، الذي يعصى على كل مغتصب، ومعتد وطاغية وعميل، وسفاح! آه! كم يتنفسون، في عبورهم الطرقات كلها، ماء الحرية من حرية المطر، بعدما صبروا طويلاً، وعانوا طويلاً، وأُذلُّوا طويلاً، وطأطأوا رؤوسهم طويلاً، وعضوا جروحهم طويلاً، في انتظار أن تأتي تلك اللحظة المبشرة بالخروج، والاختراق، والهبوب من كل النواحي، نحو استعادة ما سُرق منهم، وما نُهب من حرياتهم، وما صُودر من عقولهم، وما استُوعب من إراداتهم، وما فُقد من أعزائهم، وأهلهم. أهل الانتفاضة إذاً: كأنهم أنفاس عابرة من جبل الى جبل، ومن مدينة الى مدينة، ومن أمكنة الى أمكنة. ومن زمن الى زمن: ذلك أن الزمان تقلبه أحياناً لحظة واحدة، لحظة حبلى بسنوات طويلة من الكتمان والتحمل والتهيؤ والانتظار، لحظة الى حيث لا تُدركهم قبضة، أو عصا، أو قضبان، أو جيوش، أو ترهيب، أو ترويع، أو قتل، أو استشهاد: كل شيء يصير في هذه اللحظة ريحاً تدفع الناس للانضمام الى نفسها! إنها الناس في قمة إرادتها!
تلك اللحظة يعرفها اللبنانيون جيداً: يتنشقونها جيداً، تشربها عيونهم كالشمس، تمتصها حواسهم كالفصول: هذه اللحظة، لحظة الدم، عندما كان للقتلة أن يقتلوا رفيق الحريري، صحيح ان القتلة يتوهمون دائماً أن القتل ينهي الأشياء، يغلق العيون، يعطل الرؤوس، يسبي الحركة، يحيي الخوف، والاعتكاف والسلامة (ماذا تنفع سلامة الشعراء وسواهم إذا كان الوطن مهدداً ومستباحاً فبئس سلامتهم!)، وكأنهم لم يتعلموا سوى من أيديهم، وقصور تشوفهم؛ كأنهم لم يتعلموا من التواريخ: إن الدم أحياناً يفتح كل الشرايين، يكسر كل الأبواب المغلقة، يعبر كل الحواجز، هنا يمشي كالنهر، وهناك كالطفل، وهنالك كجيوش من الأحرار: ذلك ان الدم يحرر أحياناً الحياة، ويحرر أيضاً الموت، ويحرر كل ما يعيق ويحول، ويمنع: لحظة دم الحريري كأنها سارت في كل الجهات، من سفح بيروت، الى أعالي الجبال، الى آخر سهل، وشجرة، وغابة، ودسكرة، وطفل، وكبير، ومسن، وخائف، وشجاع؛ لحظة الدم صنعت المعجزة! وكان الخروج: كانت الانتفاضة، وكان للأرز أيضاً أن يُحس بالدم في عليائه، فيترجل مع الناس في عيونهم وفي أعلامهم، وفي علوهم، ذلك ان دم الحريري الذي تبدد وأهرق في بيروت، وَحَّدَ مَنْ لم يكن له أن يتوحّد، وأخرج مَنْ لم يكن له يخرج: إنها لحظة التذكر التي باتت على حدود المعجزة، والخارق، بل الخارق والمعجزة، اللذين صارا من طينة الواقع: فأي عالمين هذين، روحي وانساني، وواقعي، تصافيا أول من أمس، كما تصالحا قبل ثلاث سنوات، في تلك اللحظة التي من فرط فجيعتها، لم تترك رأساً ولا قمة، ولا مواطناً، ولم تهزها: لحظة الفجيعة الحمراء التي أنجبت عاصفة الانتفاضة! وما كان لهذه العاصفة سوى أن تنجب ما ينجب الدم إذا انفجر، فما بالك إذا كان دم الشهداء: كثر الدم ولم يعرف القتلة إنهم كلما أكثروا منه أكثروا من العواصف، وضاعفوها: فمن اغتيال الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار الجميل، وأنطوان غانم، وفرانسوا الحاج ووسام عيد... الى اغتيال أبنائنا في الجيش والقوى الأمنية، كان لهذه الخيوط الأرجوانية أن ترسم ما ترسم العواصف عندما تهب، وتقتلع ما تقتلع من سدود وقضبان في انضمامها غير المتناهي للحرية، والديموقراطية. (والشعر: أين هم شعراء الحرية والتمرد والجنون: بئس السلامة المزيفة!). ذلك ان القاتل غبي في المدى غير القريب، عقله لا يتجاوز يديه، وأفكاره أقصر من قامته وإن طالت، لا يعرف أن الحرية هي الخطر: ومتى انفلت الناس، فلكي ندرك هذا الخطر (صنو الشعر والابداع)، الذي يرصد كنوز الوطن والحرية والتجاوز!
كان رفيق الحريري هناك: دمه في الأرض، ورفاقه في الأرض، وزهوره تعبق به وبالهواء. وكان الشهداء هناك: بكل دمهم! بل كأنها تظاهرة الشهداء: الأحياء فوق الأرض يمشون بجذور، الشهداء تحت الأرض. يمشون بظلالهم. بأجسامهم. بخطاهم. كأنما كان وراء كل متظاهر شهيد. في كل عين قطرة دم. ودمعة. وشمس أيضاً. بل كأن الشهداء كانوا الأبطال، العائدين من دون أن يذهبوا بين المتظاهر والمتظاهر، يحرسون تلك القامات المليونية، يحفظون بركات الانتفاضة، يجددون أنفاس الحرية.
ذلك ان هؤلاء، ما جاؤوا، برغم ما حملوه من دم رفاقهم وأهلهم، ليشهروا حقداً، أو ليعلنوا قتلاً (ليصيروا شبيهين بالقتلة)، ولا لينفوا آخرين تواطأوا على قتلهم، وتآمروا على وطنهم، وطعنوا استقلالهم، وانحازوا للسفاحين، وخانوا العهود... جاؤوا كأنهم طالعون من كل ناسهم: من الآخرين أيضاً. من كتمانهم. من أصواتهم الموجهة الى غير أمكنتها. ذلك ان هؤلاء الذين فاضوا على ساحة الحرية، كأنهم آتون أيضاً من حريات الناس في بلادهم كلها: وكأن الدماء تختلط بالدماء وترسم ما ترسم من معالم الخير للوطن، والسيادة، والديموقراطية، والتنوع!
جاؤوا متنوّعين لأنهم يريدون أو يحلمون بأن ينضم كل أهلهم، بخصوصياتهم، واختلافهم، الى هذا الخليط الغني، ليكسروا ما يكسرون من حدود الكانتونات المعلنة، وليشاركوا في صنع الحقائق المفتوحة لهذا الوطن، والعدالة الصارمة، والارادة المشتركة في كل حوار الواحد مع الكثرة، وحوار الكثرة في الواحد.
هذه هي المعاني: أولم يستشهد الحريري من أجل هذه المعاني؟ ألم يستشهد الآخرون من أجل هذه المعاني؟ أو مَنْ سيستشهد مَنْ هم على اللوائح من أجل هذه المعاني؟ وما نفعُ ميتةٍ تُحصَر بطائفة، أو بجهة، أو بجدار، أو بصوت واحد. وإذا كانت الميتة مشتركة، وكان الجميع مستباحين من طرف القتلة والمستبدين، فلماذا لا يكون الوطن منصة مشتركة في مواجهة مَنْ يغتاله ويغتال أهله من ناس المقاومة والتحرير الى ناس الاستقلال والسيادة: ومنذ متى يُفرّق التحرير أهله. ومنذ متى يفرّق الاستقلال أهله!
ذلك ان استشهاد عماد مغنية في دمشق كأنما موعد غير مضروب مع ذكرى استشهاد الحريري والشهداء الآخرين: وكم آلمنا بدمع طازج على مغنية، وبدموع حزينة على الحريري ورفاقه، أن نكون كلنا على هذه الاستباحة، وعلى الانتهاك: كأنما توحد المجرمون (وربما كانوا واحداً!) على قتلنا، واختلفنا على شهادتنا! فيا للشقاء! ويا للبؤس! وكم كنا نتمنى أن يرتفع صوت السيد حسن نصرالله ليعبر عن إرادة مشتركة للجميع بإعلان العزاء أو بإعلان الحرب... لكن ماذا تفعل إذا كان لصوته أن يرتجل وحده القرار الخطير، من دون سائر اللبنانيين: فأي تكليف هذا يُلغي مشاركة أكثرية أهله في أمور الحرب والسلم والحكم! وهل علينا أن نطالب بذلك ولو اتهمنا بالخيانة لمجرد المطالبة؟ أَوَ كثيرٌ على الشعب اللبناني أن يكون له رأي بمصيره! أو كثير عليه أن يكون مركز قراراته الكبرى، لا أن يكون ذريعتها، وعابرها، ووقودها، وضحيتها، من دون أن يعلم أو يساهم أو حتى أن يفكر! هل ان قرار الحرب والسلم يتخذه أو يرتجله واحد مهما كبر: ولنتعظ من التاريخ: نتذكر كل الذين انفردوا دون شعوبهم بقرارات الحرب، ماذا حصدوا: سوى الهزيمة وأن سموها انتصاراً على امتداد نصف قرن من هزائم تلقاها الناس ولم يقررها سوى قائدهم البطل! سوى قائدهم المهزوم باستمرار لفردانيته ونرجسيته واستبداده!
إذن يوم أول من أمس يومان. والدمعة نصفان والفيجعة واحدة والاستباحة مشتركة. فهل جاءت جموع 14 آذار لتذكر (من دون تلك المناسبة المبررة في استشهاد مغنية) إنها موجودة... وانها الشريك، وأنها للسلم الأهلي، وللجمهورية المدنية، وللعدالة، والحرية والديموقراطية، لتمد أيديها الى حيث ربما لن تصل، بل الى حيث ما زالت السدود والحواجز تمنع كل يد ممتدة من الوصول الى اليد الأخرى، في حدود مغلقة على مناخات حروب الآخرين، وإرادة الآخرين، وطغيانية الآخرين... واستباحة الآخرين؟

       ثقــافـة