|
اللحظة العربية الراهنة، كيف نحددها. وهل يمكن أن
نتبنى تسمية اللحظة بالعربية. وأي عربية. وأي غير
عربية. وإذا كان لنا، افتراضاً، مقاربة عربية هذه
اللحظة، برغم عدم دقة التعبير، ويمكن القول،
واصطلاحاً، إن هذه اللحظة، تعيش ما تعيشه اللحظة
العالمية بكل تناقضاتها وامتزاجاتها واختلافاتها. لحظة
نهايات. ولحظة بدايات. لحظة إخفاق ورماد ولحظة
استشراف. فكل شيء متداخل في كل شيء: القديم في الجديد،
الحديث في ما بعد الحديث، الأصوليات الحداثية في
الأصوليات الأتنية والدينية، الديموقراطية في
التوتاليتارية، الاشتراكية في الليبرالية، المدنية في
الجمهورية، الجمهورية بالعائلية، الثورية بالتقنية،
والتقنية بالتخلّف، العنف والحرية، الحرية والتقاليد،
الأوليغارشية بالمدنية... العولمة بالعالمية
وبالفلكلور وبالتخلف، النمطية في الاستهلاك، الاستهلاك
في الثوابت. كل شيء في كل شيء: لحظة الشيء في اللاشيء:
لحظة الما قبل في الما بعد، لحظة الما بعد في
الافتراض. الصورة بالعابر، الشعر بما بعد، المسرح بما
بعده. الفلسفة بما بعد، الشيء بما بعد، الرأسمال بما
بعد، الدين بما بعد، القيم بما بعد، العولمة في
الالتباس العمومي.
نحن هنا، في هذا الخضم: اللحظة المجهولة في المعلوم.
المعلومة في المجهول.
لكن هذه الامتزاجيات في المفاهيم والأزمنة والأمكنة لا
تخفي مخاوف أو مشاعر توحي أننا، وفي بداية هذه
الألفية، كأننا نفقد ما امتلكناه أو ما حسبنا أننا
حققناه على امتداد التنوير والحداثة وما بينهما من
ثورات واتجاهات وإنجازات، ونظن أن هذه الإحساسات
والتفكيرات (وهي مختلطة أيضاً في سديم عميق)، ناتجة عن
أننا في زمن تبدد فيه أو يبدو أنه تبدد فيه أو يُراد
لنا أن يكون تبدد فيه كل الإرث الذي تحقق في القرنين
السابقين وربما امتداداً الى العصور القديمة لا سيما
المضيئة منها في العصر العباسي. ويكفي أن "يبتكر"
الغرب وبسذاجة أو تدبير شعارات اندرجت ضمن أطر فكرية ـ
سياسية ـ حضارية لكي نرى أن الأرض تنسحب من تحت
أقدامنا: من هذه الإطلاقات "نهاية التاريخ" وصدمة
الحضارات، وصراع الحضارات، التي لا تعني في عمقها سوى
انتزاع كل تميّزات عالمنا العربي والثالثي وكل مواقعه
في المساهمة في صنع التاريخ، ونسبها الى العالم الغربي
الرأسمالي ـ الأميركي. وعندما يُحكى عن صراع الحضارات
والأديان، يُحكى في العمق عن أن الغرب تفرد في صنع
الحضارة الحديثة، وأن التاريخ الذي شاركت الأمم الأخرى
في صنعه "اختتم"، لكن المسألة ليست في أن يحاول الغرب
"امتلاك" الحضارات الحديثة، ومصادرة القديمة
(بالعولمة)، ولكن في أننا، نحن العرب، وقعنا في الفخ
وبنينا هذه النظرة الأحادية التي تجردنا من كل شيء:
صراع الحضارات! وكأننا نوافق وبمنطق "إيديولوجي" ضيّق
على تلك المقولة، قافزين فوق الحقائق التاريخية بأن
الحضارات ليست وليدة الأمس، ولا القرن العشرين، ولا
التاسع عشر، إنها نتاج ألوف السنوات. أي ليست ابنة
ساعة "الغرب" أو أميركا، أو أوروبا أو العرب... بقدر
ما هي من صنع العالم كله؛ وأن التاريخ ليس قطعاً
منفصلة، أو مجزوؤة، أو مصادرة، بقدر ما هو سيرورة
وصيرورة لا تنتهيان. فالعرب شاركوا في صنع هذا التاريخ
وفي مختلف الحقول الأدبية، والفلسفية، والعلمية،
والرياضية... إلخ. ولولا هذه "الصناعات" لما وصلت
الحضارة الى ما وصلت إليه اليوم.
ونظن أن تخلينا، تحت الشغف بالشعارات، وردود الفعل، عن
دورنا الريادي القديم، قادنا أيضاً الى شعور غريب بأن
علينا التخلي عما هو حديث مما ساهمنا في بنائه: لحظة
الخيبة أحياناً هي لحظة الارتداد، ولحظة الهزيمة
أحياناً هي لحظة التنكر، لحظة اليأس تؤدي الى الإمحاء.
هذه المشاعر تعتري الإنسان العربي، أكان مثقفاً أو
سياسياً أو مفكراً أو أديباً أو شاعراً أو فناناً! بل
أكثر: نجد أنفسنا أمام إحساسات متناقضة: الشعور بالذنب
بأننا دمرنا ما بنيناه، أو أن ما بنيناه لم يكن ذا
أهمية، وأن سقوط المشروع الحداثي (هذا إذا سقط) يعني
تبني الاختيارات المضادة: الارتداد الى الماضي
ارتداداً "سلبياً" بمعنى العودة إليه كخشبة خلاص أو
كحل إزاء اختياراتنا "الحداثية" المجهضة؛ فإذا كان
الغرب قد نعى الحداثة والتنوير (منذ أيام شوبنهور
ونيتشه وهايدغر)، فعلينا أن نختار نقيضها. هكذا من دون
إعمال نقدي استرجاعي للمعطيات والشروط والإنجازات.
وإذا كان الغرب قد أساء إلينا سياسياً في قضايانا
الكبرى، فعلينا رفضه، بكل إنجازاته التقنية والفكرية
والثقافية من باب أخذ الجزء بالكل، والكل بالجزء،
فنختار الحلول السهلة: العودة الى الموروث والأصولي
والثابت والناجز والكامل والجاهز... وبهذه الطريقة،
نزداد عزلة في الحاضر، وذوباناً في السالف: فلا نجد في
الحاضر ما يجعلنا ننخرط فيه، ونتوهم المعجزة في القيم
الميتة، وفي الأحوال النافذة. فلا الحاضر لنا ولا
الماضي لنا (لاختزاله) ولا المستقبل. أو عندما نتناول
هذه الأمور وهذه الإحساسات و"الحدسيات" والتفكيرات، من
هذا المنطلق، فليس لأننا نقفز فوق الخيبات، والهزائم،
والظواهر السياسية والثقافية والإيديولوجية التي كان
علينا، ربما، أن نتعامل معها، بطرق أخرى (تماماً مثل
الغرب)، وإنما نتبنى بكل بساطة نوعاً من التدمير
الذاتي أو العقاب الجماعي والتاريخي أو الخطاب
الاعتذاري.
إنها اللحظة النقدية المفقودة التي تحوّلنا مجرد ردات
فعل. لحظة الاسترجاع. ولحظة افتقاد مقوّمات المقاومة،
إزاء الضغوط، والعوامل، والوقائع، التي واجهها المثقف
العربي، في علاقته بالآخر وفي علاقته بنفسه، وكذلك في
المنظومات السياسية التي شكلت الأطر الحاكمة سواء في
مراحل التحرر من الاستعمار أم في المراحل ما بعد
الاستقلال:
1 ـ في هذه اللحظة المشوشة تتبدى لنا، أو يمكن أن
تتبدى لنا بوضوح أدوار الأنظمة السياسية، والأطر
الايديولوجية والفكرية والحزبية، والظواهر التاريخية.
وهي أدوار متباينة تلتقي وتنفصل. لكن إذا اتخذنا فترة
المرحلة ما بعد الاستقلالية، فنجد أن هذه المنظومات
التي حكمتنا ارتقت إلى السلطة بشعارات الحداثة أو
الحرية أو التحرير أو الديموقراطية أو العروبة أو
الاشتراكية أو الدينية أو العلمانية... ولكنها استبقت
الشعارات كذريعة لتمارس نقيضها: تحدثت عن الديموقراطية
وقمعتها باسمها. وتحدثت عن الحرية وخنقتها باسمها.
تحدثت عن العروبة الحضارية وضربتها كمشروع ومنظومة قيم
وتحديث وطليعية، تحدثت عن الاشتراكية ونهبت باسمها.
تبنت الثقافة كواجهة وخلعتها كفعل تغييري اجتماعي
وسياسي وفكري وفني، قالت بالجماهير لتحولها قطعاناً
99.99 في المئة، تكلمت عن الحياة السياسية وألغتها:
فصارت السلطة هي التي تنتخب الشعب، لا الشعب هو الذي
ينتخب السلطة، وصارت السلطة هي التي تنتخب المثقف
والشاعر والكاتب وليس هو الذي ينتخبها، جاعلة من
المجتمع قطيعاً بالعصا، وليس مجموعة أفراد وتنوعاً
وتعدداً: جعلت المجتمع على صورتها، بدلاً من أن تكون
على صورة المجتمع، وقمعت الحساسيات والاتجاهات
والأفكار، أي تحدثت بلسان اليسار ونفته، وتحدثت بلسان
اليمين ونفته أيضاً، بحيث حلت هي محل اليمين واليسار،
أي اختزلت الصراع السياسي في السلطة نفسها.
فهذه الأنظمة "الحديثة" العصرية والغربية عموماً
(باعتبارها ثورية أو حتى محافظة). في طمسها الصراعات
الفكرية، وبؤر التوتر الاجتماعي، والتنوع، والاختلاف،
أعدمت كل وريث ديموقراطي لها، وكل وريث حداثي، فساهمت
في ذلك باستنبات الأصولية من رحم الحداثة. وهنا أشير
إلى أن الحداثة الغربية نفسها هي مجموعة أصوليات
ايديولوجية ودينية وإثنية وعنصرية: ألم تطلع النازية
والفاشية والستالينية والصهيونية، من صُلب الحداثة
الغربية ومن رحمها؟. عندنا، ولأن الأنظمة السياسية
التي حكمت بالحديد والقمع والاغتيال والنفي والسجن
والإرهاب... فقد أنجبت من دون أن تدري عدوها الأصولي:
وها هو يهدد بناها، ويزعزع أركانها: هو باعتباره
"الحل" البديل من "الحداثة" السياسية، ومن "الاستعمار
الغربي".
ونظن أن النظام العربي، عموماً، ما بعد الاستقلال ـ لم
يكن في صورته السلطوية وفي آلياته، وفي صيغه الفوقية،
سوى تعبير "أصولي" أيضاً: إنها الأصولية المتحكّمة
الأحادية، أصولية المخابرات والأجهزة، والجيوش خاصة
(غير المقاتلة)، وفرض الصوت الواحد، والرأي الواحد،
وتدوير كل الزوايا، وتمليس كل عملية نقدية، أو معارضة،
أو احتجاجية: أصولية حزبية تحولت أصولية مناطقية ثم
أصولية عائلية: الأنظمة الثورية التي قامت باسم
الجماهير، وإرادة الجماهير، ومن أجل الجماهير، تحولت
إلى أنظمة بيولوجية ـ إلهية ـ وراثية ـ عائلية، اختصرت
الجماهير بالعائلة أو ببطون العائلة أو القرابة: بحيث
صفت كل عملية ديموقراطية اختبارية في إرادة طبقة
عائلية تتحكم بالسلطة، تحكمها بالقوانين والسلطات
والميزات والثورات والناس: تحولت الدولة مع هؤلاء إلى
ملكية خاصة، بحيث يمكن تسميتها "الجمهوريات العربية
العائلية"، وتحولت الحكومات (عموماً) مجرد شركات خاصة
تتعامل مع ناسها باعتبارهم زبائن أو سياحاً أو مجرد
عبيد... أو قطيع. وهذا بالذات ما أضعف الدولة العربية:
من أصولية سياسية مخابراتية متسلطة، إلى نظام حزبي
فوقي، فإلى نظام عائلي محصور: من أصولية الدولة
البوليسية إلى أصولية الدولة ـ الحزبية المغلقة، إلى
أصولية الدولة ـ العائلة. وقد نتج عن كل ذلك نوع من
التوتاليتاريات الايديولوجية كذرائع، والبوليسية
كأداة، والعائلية كبنية من دون أن ننسى تداخل العوامل
الطائفية أو المذهبية بالعائلي والبوليسي والاقتصادي
والسياسي.
2 ـ وعليه فإن الدولة العربية صارت على تخوم اللادولة،
عصر تدويل الدولة العربية، أو خصخصتها بالعائلة وما
سواها، أو بالزبائنية، وكذلك بتداخل سلطاتها ومؤسساتها
وفسادها، وتناهشها، ونهبها.
وفي هذه اللحظات بالذات ظهرت عناصر أخرى على هامش
الدولة ومن صنيعتها، وهي الأصوليات الدينية: بدأت
مفاعيلها في أفغانستان مع ما ركبته الأجهزة الأميركية
من مقاومة دينية أصولية لمحاربة السوفيات ضمن الحرب
الباردة، ومن ضمنها طالبان... وبن لادن... امتداداً،
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين إلى العالم
وإلى العالم العربي خصوصاً.
هذه الأصوليات المجتمعية (في لبنان ظهرت مبكراً ضمن
الميليشيات الطائفية المسيحية والإسلامية)، ركزت بعد
"جهادها" كحليفة الأميركيين في أفغانستان على تدمير
الدولة العربية، والمجتمع العربي ربيب المجتمعات
الغربية "الملحدة"، والعروبة والعلمانية، والأفكار
الاشتراكية، والديموقراطية والسياسية، والحريات
الفردية باعتبارها من مخلفات استعمارية وتقاليد غربية:
أصولية انقلابية (الأنظمة العربية الثورية انقلابية)
تعود إلى الماضي كمصدر ايمان وتشريع ورؤيا وطريقة حياة
وتفكير وطقوس وتأويل... وصولاً إلى الفتاوى الكريمة:
إنه عصر رجال الدين والعلماء نجوماً على الأرض وفي
الفضائيات وربما في الكواكب. والظاهرة اللافتة أن هذه
"الأصوليات" وبسبب ممارسات الأنظمة وقمعها وفسادها
وضربها المجتمع المدني وأدواته ونهبها وهزائمها
العسكرية والسياسية والاقتصادية، قد اخترقت نسيج
المجتمعات العربية نفسها: هذه المجتمعات التي وفرت
للنهضويين والتنوير ما وفرته من انفتاح وجهوزية للخروج
من الواقع على امتداد أكثر من قرنين، ها هي، ترتد على
ذلك وتسلك طريق العودة الى "الماضي" أو السلف الطيب،
المرجع، والأساس: هربت من أصولية النظام العربي
المغلقة، الاستبدادية الى أصولية دينية ـ مجتمعية ـ
مغلقة استبدادية وعنيفة. ومن لم ينزع الى أصولية ـ أو
مذهبية أو تطرف ديني لجأ الى العائلة أو القبيلة أو
الجغرافيا: كملاذ أو كحماية، أو كحل بعد ذلك الشعور
العميق بالخيبة من العروبة والماركسية والاشتراكية
والأنظمة (الجماهيرية) والحرية والديموقراطية: لا شيء!
ولكن هؤلاء يقولون لا شيء من كل ذلك: فهذه أوصلتنا الى
خسارة فلسطين وهزيمة في 48، وهزيمة 67 والحروب
الطائفية في لبنان، واستنبات دكتاتوريات رهيبة هنا
وهناك، وفقر وعوز وهجرة ونفي وسجون وتواطؤ: إذاً الى
المقلب الآخر. وإذا رصدنا ما كان مفترضاً أنها أدوات
المجتمع المدني من أحزاب ونقابات ومؤسسات نكتشف مع
هؤلاء أن هذه الأحزاب والنقابات إما استوعبت من
الأنظمة الأحادية أو تواطأت أو زالت: إذاً فلا السلطة
الفوقية مؤمل بها، ولا ما يمكن أن يواجهها مؤمل به:
فالحل إذن في "الكتب" وفي الماضي لاستنهاض الحاضر.
وكما اعتمدت الأنظمة العلمانية والجمهورية سياسة
"التخوين" (خيانة الشعب والوطن)، اعتمدت "الأصولية"
سياسة التكفير: هناك المرجع شعبي ـ ايديولوجي هنا
ديني. وهكذا تم انتقال واقعي من زمن الى زمن، ومن
ثقافة الى ثقافة، ومن جمهور الى جمهور.
3 ـ الأنظمة الثورية التي اعتنقت "العائلية"
البيولوجية بعدها صادرت "الجماهير" كقطيع (99.99)
وتخلت عن إرثها المدني والعروبي وبعض القيم العالمية
كالاشتراكية والديموقراطية والدستورية ها هي اليوم على
تنافس مع أنظمة توتاليتارية (أممية أو محلية) أصولية
دينية لا تعترف بالدولة الحديثة ولا بأهلها ولا
بثقافتها ولا بحرياتها ولا بمرجعيتاتها: رفض الدولة
المدنية الحديثة وبديلها "دولة" الهية: من دولة من تحت
(الجماهير) الى دولة من فوق (الآلهة)، من دولة قوانين
الى دولة فقهاء، ومن دولة كانت تنتخب "الشعب" باسمه
الى دولة تنتخب الشعب باسم القدرية الإلهية: فهنا
وهناك أثر "إلهي": القائد البطل كان على متون الآلهة
بصفته مصدر السلطات والقوانين والأحكام والقرارات
المصيرية، وهنا "الفقيه" الإلهي حامل الحقيقة الواحدة
ومفسرها، ووارث السلطة "الإلهية" المتمثلة بالنصوص
والكتب والسير والأحاديث: من عصر الآلهة باسم الجماهير
(الملغاة أصلاً) الأرضية الى عصر "آلهة" باسم
"الجماهير" المؤمنة، هنا كان الشعب المرجع (افتراضاً
وذريعة)، وهناك بات الله المرجع (افتراضاً وذريعة)؛
هناك توتاليتارية 99.99 وهنا توتاليتارية فكرة
الإجماع، هناك القطيع (المشترك وهو لا يشترك) وهنا
القطيع المناسب بآمال الجنة والآخرة.
هذه الازدواجية في تقاسم الساحة والنفوذ بين الدولة
وبين بعض القوى الدينية والأصولية، أصابت مرجعية
القرار وأحادية التوجه ودكتاتورية الحزب الواحد الذي
صار "العائلة الواحدة المقدسة" وتكاد تقضي على ما تبقى
من الدولة الحديثة. وقد برز هذا "التنازع" على حساب
النظام نفسه، وعلى حساب الوحدة الجغرافية والتاريخية
والدينية، ليدرك الثقافة نفسها، بمستوياتها الفكرية
والإبداعية والأدبية والفنية. أي كينونة الثقافة
نفسها. إذ أن ثقافة إلغاء الثقافة كمشروع إنمائي
وتغييري ونقدي الذي اعتمده النظام العربي الراهن (أو
معظمه) قابلتها ثقافة مضادة ومغايرة وشمولية وعمومية:
تصادم ثقافتين "توتاليتاريتين استبداديتين" تلغيان
المختلف، والمقابل، والمواجه شكلتا أدوات ضغط مباشرة
على حرية التفكير، والأداء والبحث (حتى العلمي)
والتفسير والتأويل وصولاً الى التراث نفسه، القديم
والحديث الموصول المتصل بالتنوير والحداثات النهضوية
المتعاقبة على امتداد قرنين.
وعندما كنا نتظاهر أو نحتج في السبعينات كنا مثلاً،
نهتف أو نرفع شعارات "لا لقمع السلطة"! أو "لا لقمع
النظام" أي كان ثمة سلطة واحدة نحتج إليها أو نلوذ
بها.
أما اليوم وعلى امتداد عقدين وأكثر فقد تعددت سلطات
القمع وتمددت الى قوى وعصابات وفرق ونحل ومجموعات
إرهابية وترهيبية لم تخترف السلطة الرسمية فحسب بل
المجتمعات العربية كشرائح ومجاميع وأفراد.
4 ـ وهذا يعني أن جزءاً من المجتمع الذي كان في طور
الخروج من الذات "المتقوقعة" و"التقليدية" و"المكتفية"
الى رحاب التغيير والتطوير والنهوض ها هو يعتكف بداية
(مع أنظمة القسرية) ثم يتراجع القهقرى في حركات عنيفة
ضد ما يتوافق أحياناً مع إملاءات المجموعات الأصولية
والمحافظة الطالعة في غياهب العصور ومن الكهوف. وهنا
مكمن الخطر الجديد: إن الرقابة لم تعد "مقتصرة" على
السلطة الرسمية بل انتقل جزء منها الى شرائح من
المجتمع نفسه. المجتمع الذي كان ينضوي تحت أدواته
السياسية والنقابية أي تحت إلزاماته المدنية، ها هو في
حركته الارتدادية يرتد على كل ما أنجز على مستوى
الدولة الحديثة منذ الطهطاوي ومحمد عبده وفرح أنطوان
والكواكبي ومصطفى عبد الخالق... وطه حسين وقاسم أمين
وصولاً الى الأحزاب اليسارية واليمينية والليبرالية
وحتى الى الظواهر الأدبية والنقدية والفلسفية من
البنيوية الى الوجودية وقبلها الاشتراكية فالى الفنون
نفسها: السينما، الغناء، الشعر... الحرية نفسها.
وأفرزت هذه الظواهر أدواتها وفقهاءها ومطلقي فتاويها
كأدوات أخرى للقمع والمصادرة والمعاقبة خارج إطار
القوانين والدولة. وهكذا بات على الثقافة والمثقفين
والكتاب أن يكونوا محاصرين برقابات السلطة الرسمية من
جهة وبرقابات "المجتمعات" الخاصة من جهة أخرى. وهذا
يعني أن الدولة ما عادت وحدها تمتلك السلطة وتنفيذ
القوانين بل صار هناك مرجعيات أخرى لها سلطتها الخاصة
وقوانينها الخاصة وحتى محاكمها الخاصة وشروطها الخاصة
وبلطجيتها. إنه ابتسار آخر للدولة بعد مجمل الابتسارات
التي قام بها أهل الدولة أنفسهم، أو أهل النظام. وهذا
ما يفسر اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ في
مصر والحكم على نصر حامد أبو زيد بالإعدام وبفصله عن
زوجته مما أدى الى هروبه الى المنفى، وهذا ما يجري
حالياً في الفتاوى والأحكام التي يتعرض لها أحمد عبد
المعطي حجازي وحلمي سالم وجابر عصفور. وهذا ما يفسر
سلسلة الاغتيالات التي نفذها أصوليون بحق المسرحي عبد
القادر علولة في الجزائر... وهذا ما جرى على امتداد
الحروب في لبنان ما بين السبعينات والتسعينات حتى سادت
شريعة الميليشيات الطائفية في ظل انحسار الدولة، وتم
اغتيال العديد من الكتاب والمفكرين أمثال مصطفى جحا
وحسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة.
|