|
ما هو سعر لبنان، ما هو
سعر الجمهورية، ثمة دائماً سعر صغير للبنان. ثمة دائما
وعند كل مفرق من يقول: اما
هذا او لبنان. ماذا يساوي لبنان؟ في الماضي القريب كان
يساوي دائما اكثر من نفسه
لكن عندما «حزت الحزة» كما يقال عرضنا ان نبيعه قطعا،
فكرنا في انه »اصغر» انسب
للجميع. لكن أحدا لم يقبل شراءه بهذا الحجم. كان يساوي
أكثر من نفسه وبالمنطق نفسه
كنا نجد فينا او فيه ما هو أثمن منه. كانت لعبة قيم
متأرجحة وفي النهاية كان أغلى
من كل شيء لكن أشياء كثيرة ايضا أغلى منه. هكذا نجد
دائما سعرا جديدا وعند كل مفرق
سنسمع من يقول: إما هذا أو لبنان. ما هو سعر لبنان
اذاً: الديموقراطية، السيادة،
المقاومة، الطائفة، الجبل، الضاحية، الاكثرية،
المعارضة، بيروت، قلب بيروت، المحكمة
الدولية، التحرر من سوريا، الولاء لسوريا، حقوق
المسيحيين. الثلث الضامن، التحقيق.
ما هو سعر لبنان، هذه جميعها تساويه، وبعضها، وربما
أغلبها، أغلى منه جميعها
تساويه، جميعها تتعداه، جميعها تحل محله لكن في أكثر
اللحظات نفرض سعرا أدنى ولا
نجد من يشتري. في اكثر اللحظات لا نجد من يشتري بأي
سعر. نعرضه عامين ولا يقترب
أحد. في اللحظة الحاسمة كل شيء أغلى من لبنان ولبنان
تقريبا بلا سعر.
الحرب
وقعت، الحرب لم تقع، الحرب لن تقع. لا يعرف أحد ما هو
حقا خبر الحرب. انهم
يطمئنوننا. سيمنعونها ما ان تصل. حين تغدو على الحد
سنردعها بخط أحمر. انه واحد من
الخطوط الوهمية المكهربة الكثيرة التي لا يسمح لأحد
باجتيازها، ما دمنا نملك الخط
فلا حاجة للخوف. اطمئنوا فان «حرب طروادة» لن تقع رغم
انها وقعت. اطمئنوا فإننا
اقوى من الحرب ولا نخاف منها وسنهزمها امامكم.
سنستدعيها، سنستدرجها الى ساحاتنا،
سنضرمها أمامكم. سنصب عليها زيتا امام الجميع. وسنرى
ناراً بحجم الجبل لكننا سنريكم
انها لن تجتاز الخط السحري. وستبقى دائما تحت سحر
تعويذتنا. لن تجتاز الخط. انها
لعبة رائعة ان نحبس الحرب. لعبة رائعة ان نتركها تعوي
عند الحد. ان ترتطم بالجدار
اللامرئي. لعبة رائعة وفي العلن، سحرة الحروب هم
ضمانتنا. وبفضلهم ستشتعل ولن تحرق.
بفضلهم سنحاصر دائما النيران وربما نهدد بها لكن الحرب
لن تقع. سحرة الحروب هم
الضامن لنا بأنها لن تقع.
ماذا لو قلنا لهم بأنها وقعت وبقي فقط ان تشتعل. اننا
نملك حطبا ووقودا كافيين. لقد تم في وقت قصير نسبيا
تهيئة كل هذا الحطب، الكراهية
والبارانويات الطائفية والتعبئة اليومية والاتهامات
والتجييش المستمر والتضاد
والتحاجز والأكاذيب والاهازيج والارتجازات الحربية
والتهديدات والبهورات. حطب عظيم
وحرب بالكلام مع بضع شرارات هنا وهناك. انقسام نهائي
لا يلتئم ومعسكرات حاضرة
وعداوة كاملة. لقد تم كل شيء. قاعدة الحرب وآلياتها
وهياكلها واستعداداتها، بل يمكن
القول، قليلة هي الحروب التي تملك مثل هذه
الاستعدادات، قليلة في منطقتنا هي الحروب
التي تملك مثل هذا التنظيم والامكانات والخبرة
والتمام. قليلة هي الحروب المتكاملة
على المستوى العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي
بهذا القدر. وقعت الحرب ولو قلنا
انها لن تقع. وها نحن منذ أمد نعيش فيها. انها كل
حياتنا اليومية. هي التي تضبط
خطاباتنا وحركاتنا ومبادراتنا وردودنا. كل هذه ترتد
الى الانقسام وتؤرثه وتبني
عليه. كل هذه ترسيخ للكراهية وتثبيت للعداء. انها
الحرب بخنادقها ومتاريسها
ومعسكراتها وارتجازاتها وأناشيدها. انها الحرب ويمكن
ان نتحقق منها في كل فلته وعند
كل عارض. ما ان يدعو النفير حتى تتقطع الطرقات ويتحصن
كل طرف في ربعه وينتشر في كل
مجاله الحيوي. الذين «يهدئون» يتكلمون بالأمر العسكري
ويدعون الى احتراس الجميع في
مواقعهم. انها الحرب ولا يبعدها الا وعد سحرة الحروب
وضمانهم. انها كلمتهم مقابل كل
هذا الاستعداد ومقابل كل ذلك التنظيم ومقابل كل تلك
المعسكرات. كلمتهم فقط مقابل
تلك الحرب غير المشتعلة الحاضرة في الكلام والنفوس
والمواقع والعلاقات، مقابل كل
الكراهية والعداء والغليان البارانويائي. انها الحرب،
كل الجماعات «مسروقة» وفي
حدادها على ما فقدته لا تزال تشير الى سارقها. كل
الجماعات مهددة ومن يهددها
امامها. كل الجماعات بطولية محاربة ولا ترضى ضيما. كل
الجماعات مقاتلة ولا تخرج
بسهولة من الميدان. العدو امامنا ولا مجال إلا
لمبادرته بالعنف، الا لكسر شوكته،
وتحطيم خطره. نعيش في الخطر، في التهديد، في العنف
الصامت. في الضغينة الصائحة، في
الحزازة والجرح والتروما. لا سبيل بعد اليوم الى تفاهم
او حوار او أي كلام آخر. لا
سبيل سوى التكتل والانفراد والتعسكر والنجدة والامداد.
لقد تم صنع كل ذلك في وقت
قصير نسبيا. ومن صنعوه كانت حجتهم بأنهم لم يبدأوا،
لقد بوغتوا لكنهم ما لبثوا ان
ردوا على الخصم بذات منطقه. تجييش بتجييش وتكتيل
بتكتيل وتموقع بتموقع وعسكرة
بعسكرة. من صنعوا ذلك وضعوا التبعة على خصومهم لكنهم
ضنعوه. ولقد فاتتهم، بزعمهم،
الخطوة الاولى لكنهم قطعوا كل الدرب. انها ذرائع
مستهلكة منذ الحرب الأخيرة، لا
يعرف أحد من البادئ لكن الجميع يتساوون في نهاية
الطريق وربما في أواسطه. لا نعرف
من بدأ لكننا نعرف من اجاب بمثقالين وأكثر. في النهاية
تختلط الأحشاء وتختلط
الاسنان والسكاكين ولا يعود مهما، حتى للمؤرخين، معرفة
من بدأ.
الحرب وقعت وان
لم تقع. وقع الأسوأ، وقعت بأكثر ما يكون الوقوع وليس
ممكنا بعد التراجع ولا العودة
الى نقطة قبلها. أما القاعدة فهي كل هذا الشعب بلا
فرق. كل هؤلاء الذين يزحفون
بالملايين عندما يتلقون الاشارة. هؤلاء الذين
يتعسكرون، أحيانا، من دون علمهم،
ويمتلئون كل يوم بحزازة جديدة. هؤلاء الذين هم جيش
قائدهم يفدونه بأرواحهم كلما
أطل. هؤلاء الذين يسيرون تحت علم جماعتهم وشارتها
ونشيدها. هؤلاء هم حطب الحرب
ووقودها بدون ان يعلموا غالبا. انهم ايضا يثقون بالخط
الأحمر الذي هو «سحر» القادة
واعجوبتهم. انهم ايضا يسيرون الى الحرب على أمل ان لا
يصلوا اليها. يبنون هياكلها
وأساساتها بثقة من انها لن تقع. يتعسكرون ويلعبون
لعبتها كاملة موقنين من انها لن
تكون الا صراخا، وستكون حربا صوتية فحسب. ينقسمون
نصفين متساويين ويأملون ان يكون
السلم ميزان تخويفهم المتبادل وتهديدهم المتبادل. انهم
يتابعون تدبير حرب لا
يريدونها ويحسبون ان هذه الارادة وحدها تنجيهم منها.
يصنعونها لتكون فيما بعد سرهم
وضميرهم ووعيهم وعلمهم لكن بدون ان تتحقق. انه تناقض
ان لم يكن أعجوبة. يصنعون
حرباً لا يريدونها. ينقسمون بدون رأي في الانقسام.
يدمرون بلدا لا يجازفون بخسارته.
وعندما يصلون الى الخراب فسيكون ذلك بدون علمهم،
وسيحسبون صادقين، او سيكذبون
صادقين بأن لا يدلهم في ذلك وانه جريره اعدائهم وحدهم.
لربما سيكون هذا ايضا ايمان
القادة الذين اوصلوهم الى هذا الدرك. اذ لن يعرف احد
من الذي بدأ. اما لبنان الذي
نجد دائما شيئا أغلى منه فسنكون اشتريناه بكل هذه
الآلام، وسنخسره جميعا بهذا السعر
الباهظ، اذ اننا في النهاية سنعلم اننا بعنا في الغالب
انفسنا وآلامنا بلا ثمن،
واننا في الحرب التي وقعت او لم تقع لم نبع شيئا ولم
نربح شيئا فقد كان كل ذلك بلا
سعر.
نحن، لماذا لا نقولها، شعب انتحاري. لقد خدمنا دائما
شيئا أعلى من لبنان
وأحيانا حسبنا أننا هكذا نعليه. لربما استسخفنا سعادته
السطحية وحيويته المزعجة،
لربما لم نستحق ايا منهما. لربما كان ذلك دائما عيدا
خفيفا ومنحة لم نتعب في
انتاجها. لربما ظننا ان الرعاية ستدوم علينا كما نعتمد
اليوم على الخط الأحمر. شعب
انتحاري فقد اشعلنا حروبنا الداخلية دائما في أعز
ايامنا واكثرها رخاء. في أيام
الرفاه كنا نجد شيئا اغلى يستحق موتنا لأجله. شيئا
أغلى من المجتمع والقانون
والحرية واليسر، يستحق وحده ان نموت لأجله. نحن
اللبنانيين بائعي السعادة وكارهيها،
كم انتحارا جماعيا فعلنا في قرن واحد؟
|