|
رصاص.. رصاص.. هذا ليس
مقطعا من قصيدة لبدر شاكر السياب، لكنه الرصاص، الحد
بين الحرب الكلامية والحرب.
اشارة انطلاق لشيء غامض لكنه مألوف ومداوم يسمونه
الحرب الأهلية. اكتب وعيناي على
التلفزيون. هناك نيران مشتعلة وليل، وجماعات متحركة
وبعض من يقولون: نحن لا نخاف.
هذه الصورة تقبض القلب. نفهم ان الأمر ليس بعيدا. هي
مسافة خطوة بين شلال العنف
الكلامي ونهر الدم بل هي اقل. لا نعرف متى ينكسر
الفاصل متى ندخل الصورة الدامية.
متى تشتعل النيران ويخرج المسلحون ويبدأ العنف. كل شيء
محضر سلفا. هناك خزين جرت
مراكمته خلال أكثر من عام، هناك احتقان جاهز. هناك
كراهية بالأطنان. هناك رغبة
مضمرة في تجاوز الهدنة. هناك خيال حربي عامل. هناك
قناعات اسمنتية تطالب بما
يعادلها من الفعل والحركة، وربما بما يعادلها من الدم.
رصاص.. رصاص، أنظر الى
الشاشة، هناك جبل من الكراهية لم يرتفع الآن فقط، لا
بد من انه تكون عبر زمن غير
قليل. لم نصل الى هنا اليوم. وصلنا اليه بالتدريج.
الآن نرى الحصيلة الواضحة لكل
ذلك السجال، ومن الواضح ان شيئا ما منه لم يذهب هدرا.
الآن نرى الحصيلة الواضحة
لجبل من الاتهامات والتحريضات المعلنة والمضمرة،
لتعبئة متواصلة ولتحركات على
الأرض، لتاريخ من التصاد والاستقواء والشحن والتكتيل
والحشد. الآن لن يستطيع احد ان
يقول انه غير مسؤول وان كلامه لم يؤثر. انظروا يا سادة
الى النيران ولا تحتجوا. لا
تتنصلوا. انها ما صنعتموه بأيديكم. لقد عملتم بدأب،
ويوما بيوم، بل ساعة بساعة،
لتشتعل.. أستقولون ان ثمة مسافة بين القول والفعل. ان
ثمة نيرانا بيضاء ودماء
كلامية، وليس بين ان تشتعل نيران الكلام وبين ان يتدفق
الدم من الحبر سوى لحظة.
لحظة تظنونها بعيدة وتتعجبون حين تلاحظون كم هي قريبة
وكم يمكنها ان تأتي.
في
البدء قالوا ان الحرب بعيدة. لكنهم واصلوا في الاتجاه
نفسه الشحن اليومي، قالوا
انها لن تأتي، لكنهم واصلوا تخزين الوقود. إذكاء
الكراهية والحقد والجنون الطوائفي.
قالوا انهم ضامنون بأنها لن تحدث واليوم يقولون ان
الأمر قد يخرج من أيدينا. اليوم
يهددون ايضا بأن الأمر قد يخرج من أيديهم. يريدون ان
يكونوا أول المندهشين من عودة
الحرب. من رؤية الطفل الرهيب الذي ربوه بكلماتهم
ومواقفهم يخرج الى النور. يقولون
ان الحرب لن تأتي لكنهم يريدون ان يرقصوا على حافتها،
ولن يرقصوا طويلا بالطبع.
فالهاوية لا تقبل كذبا عليها، والشياطين لا يمكن حبسها
الى الأبد.
لا معيار
بالطبع لأن الحرب التي وقعت في الكلام هي الحرب.
والذين يستطردون فيها لا يعلمون
انهم اعلنوا من زمان، وانها اذا وقعت اليوم فبأمر
اصدروه هم من عام او اكثر. الحرب
اذا وقعت فبإرادة لهم تعمل منذ ذلك اليوم. لا داعي لأن
تتنقل. تتكلمون كثيرا على
التاريخ لكنكم بالطبع لا تفكرون ان التاريخ لن يتذكر
شيئا من اللغو الجدالي الذي
يثار. ان التاريخ سيعرف فورا، وباختصار، من اصدر
الأمر. من اطلق اشارة الانطلاق. من
صنع الحرب.
|