المستقبل 27-01-2008

كتّاب وأدباء سياسيون يُعملون استعاراتهم في يوم 14 آذار
وضاح شرارة

القول إن كتابنا، شعراء وقصاصين (أو روائيين) ومسرحيين وسينمائيين ومقاليين، يميلون الى الكتابة في السياسة وحوادثها وأبطالها يقصر عن أداء الحال، والعبارة عنها. فمقالاتهم في السياسة، اليومية والتاريخية على حد واحد ومتصل، وجه ملازم لـ"أعمالهم". وهو قد يغلب أعمالهم المفترضة هذه، ويتقدم عليها كماً وأبواباً وتعريفاً بهم. ومعظمهم يسلّم بأن شاغل كتابته الأدبية أو الفنية يمت بأواصر كثيرة وقوية الى شاغله السياسي أو التاريخي أو الثقافي الحضاري (وهذه قد تستوي واحداً من غير تعسف). وتصفحُ المقالات الصحافية اليومية والبيانات في الحوادث الطارئة، يقود الى ملاحظة هوى الأدباء والمتأدبين الكتّاب بموضوعات هي ما يتقاسمونه والجمهور العريض. فالخوض في السياسة، أو في كلام يدور عليها، وفي مقالات تتناوله حوادثها، هو معظم الدائرة التي يتشاركها الناس أو الجمهور في بلداننا (العربية اللغة والأهل). ومعظم هذه البلاد انفرط عقد جماعاته الأهلي والعصبي والسابق و"الآلي" (ويحسب معظمنا أنه عضوي، كناية عن القوة والحياة). واستأنفت العقد هذا هيئات جديدة، صناعية، مثل جماعات الدعاة والعلماء المعممين أو الحاسرين، والكتل والعصبيات الحزبية، وأجهزة التلفزيون وعمالها على أصنافهم، والصحافة المكتوبة. وعلى هذا، فمن أراد التوجه بالكلام على الناس، وطلب سمعهم واهتمامهم، وانتظر جوابهم أو أجوبتهم، لا مناص له من وضع كلامه، وكتابته إذا كان كاتباً، على السياسة. فهي دائرتنا المشتركة، ومناط اشتراكنا، ومصدر رغباتنا في القول والسمع والاشتراك. فمن طريقها ينتسب واحدنا إلى جماعة، ويستوي جزءاً من ملأن على معنيي الوحدة الماثلة والمكانة. ويستوي، في أحيان كثيرة، لا سيما حيث أدت الهجرات الى استئناف الجماعات لحماتها على أركان جديدة، امرءاً (أو امرأة) أو إنساناً. وهذا من مصادر قوة الحركات الدينية والمذهبية وسلطانها على جماعاتها ومادتها وقواعدها.
الخبير والناشط والكاتب
ويعاني كاتب السياسة، أو أديبها، منذ بعض الوقت، مشكلة اختصاص وحيز (خاص) مزمنة. فهو ينزل منزلة مترجحة وقلقة بين اختصاصي المعالجة و"التحليل" السياسيين اليوميين وبين الناشط أو الفاعل السياسي، على مراتبه المتفاوتة، والمتصدي للكلام المأذون في الحوادث الطارئة والقريبة، وفي انتظامها جملاً متماسكة ودالة، وفي مقاصدها وفلسفتها المضمرة أو المعلنة. والاختصاصي، وبعض أهل الاختصاص يطلبون لأنفسهم مرتبة الخبرة، يخالط أهل السياسة ومحترفيها و"دوائر القرار" فيها، على ما وسم أحدهم مقالاً كتبه أخيراً. ويرجع معظمهم الى مصادر خبر هي مصادر قرار أو فعل، على هذا القدر أو ذاك. فالاختصاصي، في الأحوال السائرة، هو مخبر أو ناقل أخبار، وصدى لدوائر الكلام في السياسة. وتنصب هذه الحال "المصادر" هؤلاء "عارفين"، بخبايا الأمور أو بطالعها، على ما لا ينكر صحافي يومي مكتوب ومرئي على حد سواء. ويتفوق المعلق والمحلل الاختصاصي، على المعنى المتقدم للتو، على زميل له حصل "علماً" على مقاعد الدراسة الجامعية أو في بعض مراكز الأبحاث القليلة، محتذياً على مثال غربي يفترض موقعاً ودوراً للسياسة ليسا موقعها ودورها في بلداننا.
والحد الآخر هو الناشط أو الفاعل (أو اللاعب، على قول جار). وهو جزء من شبكة عريضة تتسع يوماً بعد يوم وتتعقد، وتتصور في صور ومناصب وأدوار. وتُولى هذه الكلام، وتندب إليه، على وجوه محسوبة هي جزء من معاني الكلام و"رسائله" المنتظرة والمؤولة. وكان دخول محطة "الجزيرة" الفضائية شريكاً في الإعلام الدولي، أي الغربي، وانتزاعها شطراً من دالته ومكانته، من طريق تعاظم دور الناشط هذا، وتعاظم توسله بالإعلام المرئي الى التأثير في الجمهور و"الشارع". وكلام الناشط أو الفاعل بمنزلة الحادثة. وتتناوله الصحافة، والأصح "الإعلام"، على هذا النحو. وقلما يقتصر الناشط على إعلان قرار أو موقف. فمعظم الفاعلين في بلداننا، من حكام أو قادة منظمات سياسية (أي أهلية وعسكرية وأمنية كذلك)، هم من أهل الخطابة الجماهيرية، مباشرة أو بالواسطة الإعلامية، ولا تقل رغبتهم في الكلام المستفيض والمفصل والمعلل قوة وحمى عن رغبة الأدباء والمتأدبين والكتّاب. وبعضهم يعد خطبته إعداداً مدرسياً، ويقسمها على أبواب، ويعلن الأبواب هذه باباً باباً قبل ولوجها.
ويتناول الاثنان، المثالان، الحوادث الماضية والقريبة، ويقلبانها على وجوهها، ويحملانها على مقاصد وعزائم، وعلى مصالح وخطط وتقاليد. ولما كان الاختصاصي يكتب مقالاً يومياً، أو أكثر من مرة في الأسبوع الواحد، وفي الأثناء قد يدعى الى شاشة تلفزيونية أو أكثر، ويسعى الناشط الى الخطابة أو المناقشة المتلفزة في الوقت الذي يراه وافياً أو قريباً من الكفاية، وهو قد يدلي ببيان أو تصريح يومي يتولى "مكتبه" حمله الى مكاتب الصحف ووكالات الأنباء ­ ملأ المثالان أعمدة الصحف وأشرطة الشاشات، والشاشات نفسها، والإذاعات (في أثناء التنقل وحيث تعز الشاشة الصغيرة والأصغر) بمقالاتهما ورواياتهما واحتجاجهما. وقد يُخلص من هذا الى أن الهوامش الثانوية والضيقة التي تركاها لمن ليس اختصاصياً ولا ناشطاً، يمضه الهوى السياسي والتاريخي، ويراه وهواه الأدبي والكتابي والثقافي واحداً، تستأهل الخوض في موضوع الهوى، وطرقه من باب آخر. فلا يحبط الاختصاص ولا التصدي للفعل والقرار، وما يفترضانه من "علم" وحدس وملاحظة وملابسة "للدوائر" والمجالس على أصنافها، كاتب السياسة أو أديبها. فهو، على ما يحسب أو يتوهم، يباشر غرضه، وهواه، وذريعته الى الشركة العامة، من باب الكتابة الأدبية والفكرية، ومن باب قيم ومعايير جمالية وأخلاقية وتاريخية وتالياً سياسية، تلازم كتابته، وتميزها من تحليل المحللين، وخطب الناشطين والدعاة.
فإذا خص ملحق أدبي أو ثقافي، تطبعه وتوزعه، وتنسبه صحيفة سياسية يومية الى اسمها، عدداً من أعداده الأسبوعية بحادثة سياسية وتاريخية جسيمة مثل 14 آذار (2005)، وما صدرت عنه وصدر عنها الى يومنا ("الملحق"، على زعم "النهار" اللبنانية في ملحقها، في 30 كانون الأول 2007)، كان "مائز" المعالجة، على قول أحد "سيّادنا" (السادة من "أبناء بنت رسول الله") الأدباء السياسيين، لغتها. ولغة المعالجة هي عالمها، أي الأبواب التي تتناول عليها ومنها وجوه الحادثة. فتدل على الوجه، وتقدمه على غيره أو تؤخره عنه، وتصله بالوجوه الأخرى أو تصرمه وتقطعه منها. فيجتمع من هذا خريطة معانٍ وانفعالات وتداعيات، مفاتيحها أو شارات مداخلها كلمات وجمل تتولى "الكتابة" بلورتها وشحنها، هي مملكة أدباء السياسة وكتابها، على حدة من مملكتي الخبراء والسياسيين الناشطين، الظاهرتين والطاغيتين. والحق أن المملكة هذه لا تخلص من الاختصاصيين الخبراء والسياسيين أصحاب القرار وصنّاعه، ولاية، أو إقليماً (وكان لوي ألتوسير، أحد ألوية هذا الفن، يطمع في "قارة" تامة)، وحسب، بل تنتزع من كليهما جوانب أو نواحي من الاختبار الإنساني. وإذا حسب كتاب السياسة وأدباؤها أن جوانبهم هذه أو نواحيهم أعلى كعباً من موضوعات المحللين والسياسيين المحترفين والنافذين، وأعمق غوراً، وأغنى موارد ومادة، فليس حسبانهم كله عصبية كار وحرفة. فهم، الكتاب والأدباء، يَحُلّون السياسة، ديارها وإقليمها (وفي زمن آخر كان الواحد ليكتب: عرصتها أو عرصاتها، ولكنه زمن ولى)، مثقلين بلغتهم ومبانيها ومثالاتها، وبتصريف المباني والمثالات هذه ووجوه استعمالها وإعمالها. فهم عَلَم على مباني حياة، أو مناحي حياة. ورجاؤهم، أو يقينهم، هو أن يُعملوا مبانيهم هذه، ولغة المباني، في "مادة" السياسة، ليكشفوا عن معانٍ خفية تتستر عليها الحوادث الظاهرة، وتأويلاتها المأذونة، ويتلهى بها الخبراء والقادة ويلهون العامة والجمهور. وفي الرجاء، أو اليقين، هذا ملمح من منزع أفلاطوني الى تحكيم الفيلسوف المتأله (المنصرف الى "علم" الإلهيات وصوره وماهياته وثوابته، على قول استخباراتي معروف)، في أهل المدينة وشؤونهم وأحوالهم المتقلبة. ولكن المنزع هذا، في حال أصحابنا، لا يتخلص من داعٍ "أدبي" الى نصب النفس، وهي على حالها من الحسية والجزئية والظرفية والتناقض، ميزاناً ومعياراً، وإنزالها منزلة العقل والفكر.
مملكة اللغة
واللغة الأدبية، أو المتعمدة الأدب، هي أول ما يهجم على متصفح العدد "الخاص" من ملحق "النهار" الأدبي أو الثقافي. فالعدد موسوم بعنوان "الانتفاضة المغدورة؟". ويكني عن يوم 14 آذار 2005، على ما مر. ولفظة "الانتفاضة" تستعير من التأريخ الثوري الأوروبي وذاكرته، بعد أن حملها تاريخ المنازعات المحلية على حوادث مثل 6 شباط (1984) الأقلية و"الوطنية" أو انقلاب إيلي حبيقة على سمير جعجع (1986) وانقلاب سمير جعجع على إيلي حبيقة بعد شهور قليلة من الانقلاب الأول. و"المغدورة"، من غير علامة الاستفهام، ينبغي أن تذكر القارئ، وهو يفترض على شاكلة الكتّاب لغة و"ثقافة" ـ على معنى الإحالات المعنوية واللفظية ـ بعظمى الثورات المغدورة، أي الثورة الروسية الشيوعية، اللينينية ـ التروتسكية البلشفية. وصفة الغدر، أو رذيلته التاريخية والأخلاقية، ألحقها تروتسكي بما يشبه طبقة جديدة استولت على مقادير الدولة الثورية، وحزبها القائد والواحد، وجمدتها داخل حدود "وطنية" ضيقة. فحملها تجميد الثورة على تدبير الحكم تدبيراً إدارياً وأمرياً مستبداً، وعلى مهادنة "الطاغوت"، على قول خميني آفل، وإقصاء الثوريين وتصفيتهم، إلخ. ولكن هذا كله، وهو كثير، لم يطعن في انطواء الدولة على نواة "بروليتارية"، أي خلاصية ومهدوية تاريخياً، صلبة وساكتة، موقتاً.
ولا يدري المتصفح الى أي من المعاني الكثيرة هذه عليه أن يذهب، أو أيها عليه أن يلتمس. والمسألة معلقة الجواب الى حين قراءة العدد ومقالاته الستة عشر مقالاً (ما خلا التقديم ومناشدة فيروز ألا تذهب الى دمشق). وربما كان التعليق من مقاصد اللغة الأدبية والثقافية التي يتوسلها كتاب السياسة، وتتوسلهم أو تغشاهم، إلى رفع مبانيهم السياسية وتشييدها. فعناوين معظم المقالات تتعمد التلويح بكثرة الوجوه التي على القارئ المتصفح، قبل أن يقر قارئاً مدققاً أو عابراً، أن يحمل عليها ما يقرأ. فيستعير "أحلام أرض خطيرة" (من ارسكين كالدويل الى عبدالرحمن الشرقاوي، ومن سانت اكزوبيري الى فيسكونتي، ومن التوراة الى كارلوس فوونتيس وديفيد غروسمان) الصور الثورية السينمائية وربما الروائية، وينسب ما كان انتفاضة، وليس حركة أو حادثة سياسية، الى "الحلم"، على ما يتردد من غير إمساك ولا اعتدال في فقرات العدد من غلافه الى افتتاحيته. وينسب الغدر الى "الأرض"، وليس إلى البشر. ولا يومئ، ولو من بعيد، الى "الغدر" التاريخي الطبقي الذي نسبه تروتسكي الى البيروقراطية ونظامها "المنحرف"، وبدا أن عنوان الملحق المتصدر ينبه إليه. فمن الانتفاضة، وهي خليط من اسم سياسي ومن معنى بركاني و"إبداعي" لا علة له، الى الحلم، ومن قصد الغدر، وحساباته والمصالح المتدثرة به، الى أقدار الأرض، تتقلب العناوين بين صور وإيحاءات مشتبهة (على خلاف الإحكام، وليس على المعنى البوليسي).
وينبئ عنوان تال بأن "الواقع هو المغدور". وقد يفهم القارئ إما أن الانتفاضة ليست واقعاً، فينفي الكاتب عنها جواز الغدر بعد أن أخرجها من الواقع، أو يفهم أنه ينفي صدق حمل الانتفاضة على الحلم، وهو مسوغ الكلام على الغدر (على ما يفهم، أو فهمتُ، من تقديم الصفحة الثانية). ويهدأ بعض الشيء هز العناوين حين يدعو مقال تال الى قطع "الأمل بهذا اللبنان". فيصل اليأس والخيبة باسم العلم والمعرَّف الذي ابتدعه سعيد عقل، نبي لبنان لا ينقطع رجاؤه ولا الرجاء منه على مثال غير حادث. وكأنه طباق يرد على صاحب الزعم زعمه، من غير غلظة ولا اعتداد. ويقبل العنوانان التاليان، "بين السجن الإقليمي والأسر الداخلي"، و"القديم يجب تجديده"، على النثر من غير تمنع تقريباً. وكاتب المقال الأول، زياد ماجد، يكتب في "باب العلوم السياسية"، على ما يقول. وكاتب الثاني، ملحم شاوول، "يسأل" حين يسأل باسم "علم الاجتماع السياسي". فيخرج الاثنان نفسيهما من الأدب، ويصرفانهما الى السياسة، علوماً خالصة أو مخلوطة بالاجتماعيات. وقد يترك الأول نفسه الى "ورود حب" و"ياسمين عشق" يرسلها الى "شبابيك سجون البعث الدمشقي" باسم سمير قصير الى "أحبائه"، "معتقلي الرأي الأحرار". وهذا قرينة على أن "العالِم" لا يخلو من قلب، وعلى أن أدباء السياسة، من الأصحاب والأصدقاء، "لا يملكون القلب حكراً"، على قول ذائع رد به فاليري جيسكار ديستان على فرنسوا ميتران في منازلتهما الخطابية التي كانت ختام حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أيار 1974 (وانتصر فيها الأول، وعزا غير معلق ومؤرخ فوزه الى العبارة "القاتلة" هذه).
ويسأل يوسف بزي: "أي لبنان أشتهي ومسيحيوه في طاعة ولاية الفقيه؟". فلا يتستر على ما يتستر عليه الخبراء والعلماء ويسقط النشطاء ذكره ويهملونه، وهو أن لبنان قد يكون غرض "شهوة"، على نحو ما يُشتهى الناس ويشتهون. وتتوسط اشتهاء الكاتب بلده، أو وطنه، جماعة من جماعاته يسميها. وهذه الجماعة، على زعمه، دخلت في ولاء من يرى ولايته، أو توليه، نقضاً على مشتهاه، وخلافاً لتوسطها بين لبنان كان لها اليد الطولى في استوائه على سمته (المشتهى) وبين من لم يولدوا "لبنانيين" أو على عصبية أو وطنية لبنانية. ويمضي آخرون على استيحاء السينما وعناوينها وأوضاعها ومقاماتها، ويسردون ما يتصل من أخبارهم باليوم المشهود. فيردونها من غير نسبتها الى السياسة الصريحة، وينسبونها الى أصدقاء خلط الحظ القاسي أسماءهم باليوم هذا، وذيوله الدامية. ويختار آخر تضميناً قرآنياً: "بل شبه لهم". فيحسب، قبل أن يقرأ المقال، أن الغدر، أو الصَّلب، هو الشبهة، على حسب السياقة القرآنية. ولكنه يفهم أن الانتفاضة هي الشبهة. فلا انتفاضة، ولا من انتفضوا. و"الحلم"، من أوله الى آخره على رغم "التماع" "ثقافي" استهله وكمن ثم عاد الى الألق، إنما هو خيبة في خيبة، وحيرة في حيرة، وطوائف في طوائف. فيخلص فادي العبدالله من "اليوم"، على قول الفرنسيين في منعطفات ثورتهم الأولى والعرب في مواقعهم كلها، ومن شبهته الى تحصين نفسه "من خيبات الأمل برمي ماء الحماسة الفوار وإبقاء نواة الواجب وصبره فقط". فيُدخل الواقعة العريضة والكبيرة، ولو على وجه التوهم أو الحسبان، تحت معتقده الأخلاقي والشخصي "الموقت"، ويُعملها في سيرورة تسليكه الخاصة على نفسه، أو على "مثقف لامع" من هنا أو هناك.
سؤال الوجود
ويحسم المقال التالي، على ترتيب الصفحات، ما اشتبه أو التبس. فيجهر رامي الأمين: "عن اليوم الذي انتهى قبل أن يبدأ" (والأرجح أنه يريد: "في اليوم..." على معنى: رسالة في اليوم... أو مقالة في اليوم... أو قول في اليوم...). والانتهاء قبل الابتداء خُلْف لا يستقيم في ميزان الفهم العادي، ولا يفهم الخلف إلا إذا أوّلت العبارة تأويلاً خطابياً وسجالياً. ويتولى المقال هذا التأويل: "صنع الناس يوم الرابع عشر من آذار نكاية بأناس آخرين، تجمهر الناس لأن أناساً آخرين يتجمهرون في كان آخر...". وفي الأثناء يقص الكاتب الأديب، بضمير المتكلم، على مسامع القراء المشتهين العلم الثقة بأطواره، وهو صاحب "عن اليوم الذي انتهى قبل أن يبدأ"، السياسية والفكرية والثقافية والشعرية. ولا يبخل صاحب "عن اليوم..." على المشتهين بما يقضي وطرهم. فهو كان، قبل 14 آذار، "ضد كل الجماعات". ولما "تحول اليوم التاريخي الى لعبة" لعلل يفصلها الكاتب، ويؤرخ لها تأريخاً دقيقاً: فهي "بدأت مع الأرقام والزوم إن والزوم آوت"، ولم تنته بتعديل الدستور". ويخلص، على نحو ما بدأ، الى أن "البلد تشكل على تناقضات وثنائيات"، خلافاً للبلدان الأخرى الواقعة تحت القمر، "تتداخل (فيه) المفاهيم في ما بينها، ولا يعرف رأسها من أخمصها"، و"الزيت (فيه) يتعكر"، ويقام "مزاد بيع الاستقلال والتخلي عن الثورة والحلم" اللذين لم يخلفا أثراً من قبل في المقال، أو ربما خفي أثرهما على النظر والفهم الكليين. وتوّج الاحتجاجَ المرصوص بالبرهان الحاسم: 14 آذار انتهى في 13 آذار "على ما يقول أحدهم". ولا راد لأحدهم إذا قال.
وإثبات تبدد الحوادث والوقائع، وقعت أم لم تقع، والتنبه عليه، اختصاص أدبي وشعري. وهو يصدر عن حدس يوجب ما يحدس فيه، ولا يترك طريقاً للمراجعة أو الاستئناف، فكيف بالنقض. فيلاحظ بلال خبيز ("هل كان حلماً لنستفيق منه؟") أن الناس تجمهروا تحت العلم، "لكنهم لم يفلحوا في أن يجيبوا عن سؤال حول معنى العلم". فخفي المعنى المنشود، وهو مقيم على خفائه الى اليوم. ويومُ تشييع رفيق الحريري، 16 شباط 2005، "عَبَر (...) من دون أن يترك أثراً" في مرصد الكاتب الراصد "الزلازل والهزات الأرضية" والتظاهرات، معاً. فكأنه لم يكن، ولا حتى في 15 شباط، على خلاف مثال "شعري" سابق. وربما لم يلتق الكاتب أحداً يقول إن 16 شباط وقع في 15 منه. فلم يسعه إثبات الوقوع أو هلاله، على سبيل: "على ما يقول أحدهم". ولطف ربك فلم "يلبث أن حل الرابع عشر من آذار ليعلن وعلى نحو مفاجئ أن المدينة التي تظاهر أفرادها ومواطنوها في ذلك اليوم في وداع الرجل، لم تعد موجودة أصلاً".
ويكتب عقل العويط مقالة الملحق "في المنهج" ("كم أنتم أقل")، وفي تأصيل السؤال الذي طرحه على الكتاب الأدباء والشعراء والمقاليين، ودعاهم الى معالجته. فعلى مذهب الشاعر ("واحد مثلي، شاعر") ثمة الحلم والحالمون والكتب والحالة والشعر والنجمة الحارسة والكثرة باباً، وثمة الأضداد باباً آخر. وهذه تختصرها السياسة والسياسيون. والاستحقاقات والتدبير والوحول والتلوث والقلة، فروع على باب السياسة. والسياسة، بحسب اللاهوت هذا، هي من مترتبات السقوط (من الفردوس والقرب من الخالق)، وأثر من آثار الخطيئة الأصلية المميتة. وهي مرض من أمراض التجسد والطين، واعتلال لا يؤمل استواؤه ولا يبلغ. ودواء المرض هذا، على رغم سبق البشارة والقيامة والفصح والكنيسة المسكونية وبوابتها المشرقية، ودوامها الى البعث والنشور بالجسد، هو الشعر والحلم. و14 آذار، في المعرض الكوني والكينوني هذا، ذرة من هذين (وهما أقنومان في واحد، بديهة). وهو، اليوم العتيد، مقيم على رجاء القيامة النورانية، و"أهله" معه. ويعلمن الياس خوري لاهوت زميله الشاعر ويفصّله. وإذا انكفأ ظل الخطيئة الأصلية، ولوثتها، غشي التاريخ (اللبناني) وحل فيه "خطأ أساسي". ويسرع الكاتب الى تسميته، على مثال تعليم الخالق آدم الأسماء كلها: "... اسمه تمفصل الطوائف على الخارج". وذلك عوض "تمفصلها" على الداخل؟ أي إصلائها الواحدة الأخرى حرباً مميتة؟ أم تعاقدها بالتي هي أحسن على إئتلاف فيديرالي؟ أو على انفصال؟ ويتناسل "الخطأ الأساسي" أخطاء أساسية مودعة في الصلب الأول. فهو "صنع الميثاق الوطني عام 1943"، وتجدد في 1958، وتجدد "شكلاً" في 1989 بالطائف. ولم يخرج يوم 14 آذار عن السُّنة الأول والأساس. فـ"الخطأ (...) نابع من البنية الطائفية لقيادة الانتفاضة". وفي أوقيانوس الفساد العميم هذا، يقع الأديب على واحة من الملح، أو جزيرة، تعد "ألوف العلمانيين والديموقراطيين واليساريين".
وهذا الملح، بدوره، تبدد. ولما "لم (يطرح) على (نفسه) سؤال بناء البديل"، وهو موضوعياً البديل المرتجى والمأمول، جاز أن يُطرح عليه سؤال الوجود الأميني (نسبة الى شاعر "عن اليوم الذي انتهى قبل ان يبدأ") ـ الخبيزي (نسبة الى شاعر "هل كان حلماً لنستفيق منه؟"). وسؤال الوجود هذا يطرح على شخوص الحكاية الخورية كلها (أو كلهم): على لبنان، والطوائف، والأدوار الإقليمية والدولية، والاتفاقات والمواثيق والقراءات، فهذه كلها إما أطياف وخيالات أو "متمفصلة" على أخطاء وأهوام. ولا ينجو من الطيفية العامة والمسترسلة هذه، في أثير "ألف ليلة وليلة"، إجراء قانوني مثل المحكمة ذات الطابع الدولي. فمحقق المحكمة الأول، ميليس، "أداؤه مسرحي". واعتقال الجنرالات الأربعة أشاع "مناخاً تفاؤلياً وهمياً". وكان الكاتب المتأدب أنذرنا، منذ وسم مقاله المختصر والمتصدر، بأننا ـ نحن الأطياف المولودة من أخطاء متداعية (يدعو بعضها بعضاً) لا أول لها ولا ختام، قبل ظهور صاحب الزمان وقبله السفياني الأعور، وبينهما يظهر الدجال وهو ربما اسم نوع لا تحصى آحاده ـ بإزاء "الجدار". و"الإسم" كناية وجودية، على المعنى السارتري، عن ارتطام النفي الإنساني (أو "العدم" في "الوجود والعدم")، وهو الوجدان أو الوعي، بالأشياء وعللها المبهمة ومقاومتها وصفاقتها. وقد يكون الجدار سجناً نازياً (فالسجن متفصل، على ما هو معروف، على النازية وأميركا وإسرائيل)، أو احتلالاً أو استعماراً (ويؤثر غربياً). ولكنه، أولاً وربما آخراً على مذهب تناسل "الأخطاء" بعضها من بعض لا الى غاية، منزع النفي والحرية والوجدان الى التلبيص في الأشياء المنطرحة من غير معنى ولا روح، قبل ظهور من يجدها في نفسه، والجري على قوانينها المحتومة. وقد يكون الجدار هذا واحداً من جدران اريحا التوراتية، فلا يتداعى إلا حين ظهور نبي مثل يوشع ينفخ في البوق.
باطنية ثقافية
وعلى هذا، فأدباء السياسة وكتّابها الذين جمعهم "الملحق" ـ أي ملحق "النهار" الأدبي والثقافي ـ إنما يُعملون، بذريعة الكلام على 14 آذار 2005، في اليوم "المسكين" واليتيم، على رغم "أنصاره" القلائل، استعاراتهم ومجازاتهم الحميمة، ألبسوها ثياباً أو أقنعة "تاريخية" أم لم يلبسوها. فاختبار الاستعارات والمجازات، الحلم والأرض الخطيرة، والواقع المغدور واللبنان القانط والأسر والسجن والجدار والخطأ والتمفصل وتورم الذات والانصرام قبل الحدوث والتبدد والشبهة والتوحش والظهور والاستبدال، لا يتعداها. وليست المجازات والاستعارات، ولا حملها على الحوادث السياسية والتاريخية وحمل هذه عليها، مطعناً ولا عيباً. ولا يتعفف الخبراء والناشطون عنها، أو عن الإغراق فيها، واستنتاجها بعض مقالاتهم وخططهم. والاختصاصيون الخبراء، حين يغرقون قراءهم ومشاهديهم بالحوادث وأسماء العلم والنوايا المفترضة والخطط، أو ما يسميه أحدهم "معلومة" أو "تحليلاً"، يبيتون في الأغلب تأويلاً للسياسة، والعلاقات السياسية والفاعلين السياسيين، ينسبها، وينسبهم الى العصابات وحياكاتها وضرباتها، ولو تحت اسم "دوائر القرار"، وربما على الخصوص حين تلبس السياسة، ويلبس السياسيون، الاسم هذا. والفاعلون السياسيون، ويتصدرهم في العوالم العربية والإسلامية اليوم المعممون وأصحاب الفتوى ومريدوهم وأعوانهم، يكادون لا يتكلمون إلا مجازات واستعارات. وهم يلبسون حوادث الحاضر وأهله، وبعض أشيائه وآلاته، أخبار مروياتهم ورجالهم وكتبهم وسننهم وأيامهم. ويجلون الأولى في حلل الأخرى من غير حرج.
وحين يتصدى أدباء السياسة (اللبنانيون) المحدثون والمعاصرون الى استيلاد حوادثهم معاني تخرج الحوادث هذه من سلطان الاختصاصيين الخبراء، ومن يد الفاعلين المحترفين وأظافرهم، يشهرون مجازاتهم واستعاراتهم الحميمة والخاصة، وربما بعض محفوظاتهم الحرفية والمستظهرة. ولا بأس بهذا، ولا بد منه. فلا خروج من الاستعارة والمجاز، على خلاف ما حسب أدونيس في لغة "ثابته" المزعوم على قدر "متحوله". ولكن الاستعارات والمجازات التي يقلبها الاختصاصيون الخبراء، أو يبعثها معظم السياسيين القادة، تتوجه على جمهور عريض، وعلى اختباراته وملاحظته وذاكرته. فتلم، أو تسعى في الإلمام الإحصائي بالوقائع أو المسميات المتداولة كلها. ولا ترضى بالقصور عن الإلمام المعنوي والتأويلي والتحليلي. فتقرّب بين المسميات والمدلولات، وتحشرها في أبواب مشتركة. وتتحاشى مجازات كتّاب السياسة وأدبائها واستعاراتهم، هذا. وبعضها يوغل في الخصوصية، والتشيع الثقافي، والباطنية الثقافية. وأهل المجازات والاستعارات هذه يكتبون في عام السياسة، أو عموميتها، وفي مشتركها ووقائعها المشهودة والمعروفة. ولكنهم يتركون تناول العام والمشترك والمشهود والمعروف، أي يتركون العلانية الظاهرة والمتقاسمة (أو القمينة بالتقاسم) الى معانٍ وصور مضمرة تجوِّز النعت المتقدم بالباطنية. فهم يتوجهون بالكلام على أنفسهم، وعلى أطيافهم المرصودة.
ومصدق هذا الزعم خلو "العدد الخاص" المفترض، وهو موقوف على يوم 14 آذار 2005، مصادر ومآلاً، من معظم عوامله ووجوهه وحوادثه. فما عدا الإشارات والأسماء والتوريات، يسكت الكتّاب الأدباء عن رفيق الحريري (على وجوهه) والسياسات السورية (على آمادها) والدولة اللبنانية وشيعة لبنان وحركاتهم، ومسيحييه وهيئاتهم ومنازعاتهم، ويسكتون عن دروزه وأحوالهم، وعصبية سنييه "المتأتة"، وعن الفلسطينيين وجماعاتهم وحروبهم و"دولتهم" ومخيماتهم (في لبنان وخارجه)، وعن "اليسار" و"اليمين" والاغتيالات والأصوليات والميليشيات والمناطق والأحلاف والعداوات، وعن الجامعات والمدارس والمساجد والسلاح... فتتوالى، في المقالات التي تعرف وقائع باسمها وأوقاتها، الظهورات والأخطاء والقراءات والاختفاءات والمفاجآت والانعطافات واللحظات. فلا يستوي رجل (أو امرأة، والنساء في "العدد الخاص" قلة قليلة، وإذا أطلن فتورية، تحت عَلَم "غوتشي" ولواء الماركة الفاخرة في "شعر" بلال خبيز المديني والمكاني والرمزي) قريباً من صوž