|
حين يردّ البطريرك
«الحرب
أولها كلام»، لا يفوته أن الحرب هي أيضاً في الكلام
وأننا في حرب «أهلية»
بالكلام. فالسجال هو اليوم على ما كانه في أقوال العرب
«حرب سجال»، يعلو النقاش
السياسي بدون غرض سوى إذكاء الصراع والانقسام، انتهى
الوقت الذي يعرض فيه
المتنافسون حججهم على جمهور عام بغية كسبه أو كسب
بعضه. لقد انقسم هذا الجمهور إلى
ما لا رجعة وغدا من العبث أن يخاطب المرء أو الفريق
جمهوراً أصم عنه تماماً ولا
يتمثله إلا من خلال كلام الخصم ممسوخاً مشبوهاً،
وغالباً ما يطلب له المزيد من
المسخ والشبهة. وإذا لم يكن غرض نقاش كهذا اجتذاب أحد
إلى رأيه فالقسمة نهائية، لقد
نجا من أي رقابة وأي معيار، بات في وسعه أن يكون
تشنيعاً وتشهيراً وافتراءً وشائعة
وتقويلاً وكذباً صراحاً أو رأياً بدون أي فريق. لن
يكون عندئذ سوى نوع من التواطؤ
فهو ينزل على من يستزيد منه، مهما كان، رأياً أو
افتراءً أو شائعة فلا يجد سبباً
ليمحص فيه أو يتميز صدقه من كذبه. في حال كهذه لا حد
بين الرأي والتقويل أو الكذب،
ولا يهم أن يكون الرأي رأياً في الأساس إذ ينوب عنه
التشهير والتشنيع. فآية ما
يفعله المناقش لتضعيف رأي هو أن يرمي صاحبه بشبهة،
وغاية ما يفعله لإقصاء رأي هو أن
يقول إنه مباع أو ملغوم أو مدسوس. هكذا لا يبقى للرأي
نفسه أي كيان خاص ويجري طيه،
بحجج أخرى، قبل النظر فيه. هذا بالطبع لا يسمم النقاش
فحسب ولكن يمنع الحوار وهو
علة أي نقاش. لن نطمع هكذا في اشتراك المتنافسين في أي
شيء أو تفاهمهم على أي شيء
فغاية هذا السجال المسبقة هي فرز المتناقشين من بعضهم
البعض وتمييز كل منهم عن خصمه
بحدود صحيحة أو مصطنعة، والاصطناع فيها أغلب. المهم أن
لا يشتركا في شيء ولا يبقى
بينهما أي تشابك واختلاط. إنها الحرب ولا يفحص فيها
أحد أدواته ولا عيار فيها لشيء
إلا أن تصيب وأن تجرح أو تقتل، إنها الحرب ولا وازع
فيها بالتأكيد. تلك علامة على
انقطاع الحوار وانفراط أي عقد أو ميثاق وزوال أي رقابة
أو معيار. فمع زوال أي
منظومة مشتركة إشعار بزوال المجتمع والسلطة والقانون
وتعدية للجميع لكل ذلك أو
تعديهم عليه. إنها الحرب بالكلام ولكن بكل أساليب
الحرب، وربما حيلها، بما في ذلك
الخداع والتظاهر والتمويه والاستدراج والكمون. المهم
فقط أن تصيب وأن تنتصر أو تضعف
الخصم على الأقل. إنها الحرب ومن يخوضونها محاربون ولو
بزي مناقشين. لا أعرف ماذا
يقولون في أنفسهم، ربما يسيء بعضهم أن يسموا كذلك، ليس
لأن السلم لا يزال على كل فم
فحسب، ولكن لأن بعض هؤلاء عند نفسه وعند سواه لا يمت
إلى المجتمع الأهلي ولا يقف
تحت سقفه. انه طالب أمر آخر بعناوين تعلو على النزاع
الأهلي، وإذا ضربنا صفحاً عن
ميل النزاع واتجاهه مع التقادم إلى صفاء أهلي وذوبان
التأويلات الإيديولوجية والتي
تعلق عليه آمالاً أخرى. إذ ضربنا صفحاً عن ذلك فإن هذا
البعض رغم تساميه
الإيديولوجي يشترك مع الأطراف الأهلية في تعدية السلطة
والقانون، في تعدية النظام
السياسي بأجمعه. أياً كان الاسم الذي يتخذه هذا البعض
فإنه لا يجد في الدولة
والقانون والنظام ما يستحق الدفاع عنه. إن له ثورته
الخاصة عليها ونزوعه الى
تخطيها، ذلك مهما كانت أغراضه يشترك في تجاوز «الأهل»
للدولة والشرع. وفي إحلالهم
قانونهم وسلطاتهم محلها. يشترك مع الأهل في الازدراء
بها، واستضعافها، واستصغارها
عند كل لحظة. يشترك معهم في اعتبارها أقل من أن تكون
غاية ومثالاً. إذ تحمل لا على
الفساد وحده ولكن على التكلس البيروقراطي وبطبيعة
الحال على الموات والهرم والتيبس،
وكل هذه لا تصح أن تكون حلماً، إلا في استيهام هيغلي.
لم يقل لنا أسعد أبو
خليل، في «الأخبار»، ما الذي استفزه في شعر شوقي أبي
شقرا، «ازرع سفرجلاً في صالات
السينما... نام على ظهره، أثقل من زئبق من بطاطا»
ألأنه (لا يصلح أن يكون معلقة(،
كما يقول أسعد أبو خليل، وإذا لم يكن (ذوق المتلقي
حراً في زمن الجور الطبقي وفي ظل
سيطرة رأس المال(، فمن سينوب عنه في ذلك. لا أعرف إلى
من سنوكل صناعة «الذوق»
الشعري، أحسب أن الأمر يستدعي نظراً في تاريخ الفن
والشعر لنرى كم أن تدمير الأشكال
وبناءها واللعب بها كانت هي «سياسة» الفن وتصديه
لشكلية «طبقية» صارمة. لكن أسعد
أبو خليل المتحمس فيما يبدو للشعر العمودي و«الملتزم»
لا يفهم أن الخفة والمجانية
هما أيضاً علامتا تحرر. إنه لا يرى السياسة «خارج
السياسة» فيما أن عمل «الماركسي»
بالضبط هو أن يراها حيث لا تبدو مباشرة. إنه يريد
سياسة «عمودية» ثقيلة وظاهرة في
كل شيء. هكذا لا يحتمل استعمالاً لصور تشي غيفارا بدون
لينينية الماركسية والمتزمتة
على حد تعبيره. ولا يحتمل هرطقة منصور الرحباني عن صحن
الحمص. ولا يحتمل كلامي عن
جمال بنازير بوتو، كما لا يحتمل تسوية جمالة حداد غير
المرصوصة بسياسة صلبة معلنة،
فالمطلوب أن نمتثل دائماً لماركسية ولينينية غيفارا
وزعامة بنازير بوتو وما هو أمتن
وأقوى وأثقل وأكثر عمودية من شعر شوقي أبي شقرا.
التفت الآن إلى «ميثاق شرف بين
أنصار الكلمة الحرة» وآذن لنفسي أن أنقله كاملاً
للأمانة وهو على كل حال ليس طويلاً
(انطلاقاً
من إيماننا المطلق بحرية الفكر. نشجب شجباً مطلقاً
لجوء أي مواطن عربي
إلى المحاكم لمقاضاة صاحب رأي، أو ناشر معلومة أو محلل
لوضع ما أو سيرة أو عهد
ما... بغض النظر عن مضمون الدعوى أو الجهة المدعية أو
الجهة المدعى عليها فالفكر لا
يجابه إلا بالفكر والحقائق لا تدحضها إلا الحقائق
والمؤلفات والمنشورات والوسائل
الإعلامية ليست قاعات محاكم، بل منابر فكرية يجب أن
يقوم على احترام الرأي والرأي
المضاد» لنتذكر أولاً ما سقناه في مطلع هذه المقالة من
أننا في حرب أهلية بالكلام،
وأن غايتها فرز المتناقشين من بعضهم البعض والحؤول دون
اشتراكهم في شيء، ولا يهم
الرأي أن يكون رأياً في الأساس إذ ينوب عنه التشهير
والتشنيع، وغاية ما يمكن معه
إقصاء رأي هو القول إنه (صاحبه) مباع مدسوس. فما يصل
إليه سجال حربي هو قتل الرأي
الآخر بأي طريقة ليست النقاش بالتأكيد. نتذكر اللحظة
التي يخرج فيها ميثاق الشرف
إلى النور وننتظر أن يكون دعوة إلى إخراج النقاش من
المطب الحربي الأهلي. لاحترام
الرأي بمقارعته بالحجة والرأي، لا قتله والنيابة عنه
بالتقويل والشائعة والتشهير
الشخصي. ننتظر أن يكون الميثاق دعوة لاستقلال الفكر
والثقافات عن المنازعات
الأهلية. لكن الميثاق يعمر بإيمان «مطلق»، ويشجب شجباً
«مطلقاً»، ماذا، لجوء أي
مواطن عربي لمقاضاة صاحب رأي. تعميم «المواطن العربي
لا يخفي شيئاً، فليست المحاكم
التي حكمت بسجن عارف دليلة وميشال كيلو هي المقصودة،
وليست المحاكم العربية الأخرى
التي هي عصا أخرى في يد السلطة الديكتاتورية أو نصف
الديكتاتورية هي المقصودة.
المقصود هي المحاكم التي تقاضي فعلاً، والتي تنظر في
دعاوى ولا تقيم هي دعاوى،
والتي تحكّم القانون في النزاعات وتفصل فيها بمقتضاه.
المقصود هو المحاكم في مثالها
الشرعي والقانوني. لا نفهم معنى كل هذا الإيمان والشجب
ضد لجوء الناس إلى العدل
الذي يحكم لهم أو عليهم بموجب شريعة جامعة. كنا فهمنا
لو أن الميثاق كان ضد استخدام
المحاكم من قبل الاستبداد، أو ضد الرقابة مثلاً وهي قد
تغدو تعسفية، لكن المحاكم،
كما يفترض، تحكم بالعدل والقانون. يمكننا أن نستشعر
هنا أن ميثاق الشرف وموقعيه
يعارضان حرية الفكر بالقانون والعدل، ويعتبران أن من
حقها تجاوزهما. تلك هي واحدة
من مقدمات العيش خارج القانون، فما نطلبه للرأي قد
نطلبه لسواه فإذا كان مثال حرية
الفكر وقوته السباحة خارج القانون فلماذا لا يكون هذا
مثال أمور أخرى في المجتمع.
ولماذا لا تكون السباحة خارج القانون هي مطلب كل حرية
وكل نضال وتقتضي (الشجب
المطلق( للمحاكم والقوانين واللجوء إليها. أما حرية
الفكر في الميثاق فهي حسب
توصيفها لا تقف عند الرأي والمعلومات بل تخوض «أيضاً»
في السير، وبحسب الميثاق فهي
مهما كان مضمونها (لو كانت افتراء أو كذباً أو
تقويلاً) ومهما كان المدعى عليه
والمدعي فإن اللجوء الى المحاكم ممنوع. نطمئن
الميثاقيين أن المحاكم اللبنانية
المقصودة وحدها لا تستطيع في هذه الأيام أن تحصر أو
تحاصر النقاش الأهلي المفلت من
عقاله ولا أن تقف عند كل افتراء وتقويل وتشهير.
نطمئنهم لكن ما الحاجة الى انبراء
هذا العدد الكبير من المثقفين لدعم انفلات النقاش
الأهلي من عقاله، وفوران التحريض
والاتهام والتشييع (من الشائعة). ما الحاجة إلى دعم
هذا العدد للنقاش الحربي وقتل
الرأي. الفكر (لا يجابه إلا بالفكر والحقائق لا تدحضها
إلا الحقائق(، هذا إذا كان
الفكر فكراً والحقائق حقائق، ماذا لو كان الفكر تخرصاً
والحقائق كذباً. كيف يمكن
دحضها بالفكر وحده، أعلى المتهَم (بفتح التاء) أن يقيم
البينة أم على المتهِم (بكسر
الهاء). ليس على الثاني بحسب الميثاق إلا أن يطلق
تهمته على غاربها (جاسوس أو مباع
أو خائن، لص( وعلى الأول المسكين أن يثبت، وما هو
السبيل الى ذلك، انه ليس جاسوساً
ولا مباعاً ولا لصاً. أي بينة يستطيع أن يقيمها ليدحض
التهمة (هل على المتهم
بالجاسوسية ان يحصل على افادة من المخابرات المركزية
لعدم انتمائه اليها، وهل على
اللص ان يبرز وصل امانة من جهة غير مسماة)، هكذا تنقلب
الأمور عند الموقعين ويفوتهم
أن المسألة أبسط، على المتهِم (بكسر الهاء) أن يقيم
البينة ولا سبيل لذلك إلا
بعرضها على المحاكم.
إننا أمام منطق يتعدى الميثاق. إنه منطق يسعى إلى
إخراج
العملية الاجتماعية كلها من نطاق الدولة والقانون، ولا
يملك تجاه هذين إلا الضيق
والشعور بعطالة الاثنين، وعليه فإن قانون الميثاق هو
القانون الطبيعي، ترك النزاع
على غاربه واستبداله بالقانون. ويفوت الموقعين أن
المسألة ليست مسألة دعوى صغيرة
ولا مقال في مجلة، فما يسمونه رأياً هو مادة الحياة
السياسية والنزاع الأهلي، وإذا
أبيح فيه الافتراء والتشهير والإشاعة على ألسنة
المثقفين فهذا يعني أن الحرب نفسها
أبيحت وباتت قانوناً ونظاماً ولو بوسائل أخرى.
لا يعنيني كثيراً أن يكون
الميثاق على خلفية دعوى فخري كريم على مجلة الآداب.
أسلم مع الموقعين بأهمية مجلة
الآداب ولا تعني لهم أكثر مما تعني لي. إنها دعوى
وللقضاء أن يحكم فيها بالقانون،
لكن الموقعين عجلوا إلى (دحض الفكر بالفكر) فأيدوا
مقالة سماح إدريس ضد فخري كريم
وأصدروا حكمهم قبل القضاء، واذا امكن الوصول الى هذه
الخاتمة السعيدة بدون أي
(مجابهة(
وبدون مقابلة (الحقائق) بـ (الحقائق) فما الحاجة الى
الميثاق اصلا. ما دام
لدى الموقعين هذه المقدرة فما الداعي لكل هذا الشجب
والخوف على حرية الفكر.
|