المستقبل 26-01-2008

من اتحاد عُمّالي عام الى اتحاد مخابراتي خاص!

بول شاوول

المسألة ليست في تسجيل نجاح هذا التحرك النقابي أو فشله، أو قياسه بحجمه أو بقوته، ولكن في الطريقة أو في الهدف الذي يستخدم فيه هذا التحرك النقابي، بمطلبيته وأدواته. فالحركات النقابية جزء من المؤسسات المدنية والاجتماعية والديموقراطية. أي أنها عنصر من عناصر المجتمع تمارس لتأكيد الحق بالديموقراطية، ومفاعيلها، وشرعيتها من خلال ممارساتها وتصوراتها وأشكال نضالاتها. ونظن أن أي حركة مطلبية لا تنطلق من كونها تعبيراً عن المجتمع، وعن أهدافه تصبح عبئاً على أهلها وعلى الناس وعلى المطالب: ونظن أن حركة مطلبية، تُفرغ من مطالبها تنتفي عنها هذا الصفة؛ وأن حركة مطلبية توجه لغير أدوارها وأهدافها تنتفي عنها هذه الصفة؛ وأن حركة مطلبية تسلّم قرارها الى سواها من سياسيين أو طائفيين أو أجهزة تخون نفسها، وتفقد حتى شرعيتها النقابية. هذا ما تأسس على امتداد نصف القرن الفائت في لبنان، خصوصاً في تجربة الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية في السبعينات، والعديد من الاتحادات والنقابات الأخرى، التي تميّزت بوضوح مطالبها، وباستقلالية قرارها، وبوحدتها، وطبعاً بممارستها الديموقراطية. هذا ما كانت عليه، وإلى حد كبير، الحركة النقابية في لبنان قبل الحرب؛ وعندما عصفت هذه الأخيرة بمقومات البلد، وقوانينه، ووحدته، كان لهذه الحركة أن تتفكك على صورة ما انبتها، وصنعها. وقد اكتمل تعطيل هذه الحركات في عصر الوصايات المتعاقبة، عندما ألحقت كلها بقوى الأمر الواقع، أو بالمجموعات الطائفية أو حتى العائلية أو المناطقية: فلا استقلالية ولا وحدة ولا مطالب ولا... وجود!
اليوم، نتساءل أين هي الاتحادات العمالية؟ وأخبرونا أن عندنا (من غير شر) أكثر من 60 اتحاداً! عال! وهذا يعني أن ليس عندنا أي اتحاد فاعل! ويعني أن لا وحدة نقابية في لبنان. ولا استقلالية قرار. ولا أجندة ولا حتى ارتباط بمطالب العمال والفلاحين والمهنيين.... لا شيء! وبدلاً من أن تكون النقابات جزءاً من أدوات المجتمع الديموقراطي ومن المؤسسات القائمة، ها هي تتحوّل أدوات لضرب المجتمع المدني، وتطلعاته، وتفكيك الدولة، وتسييس المطالب لكي لا نقول تطييفها أو مَذْهبتَها... وهذا ما فعلته الميليشيات في السابق، وأكملت عليه الوصايات وصولاً الى... الوصاية الأخيرة.
وما جرى أول من أمس الخميس من إعلان إضرابات نقابية، يُعبر عما آلت هذه الحركة النقابية التعيسة المقسّمة، المشرذمة، والمرتبطة ببعض القوى الطائفية والسياسية، والأجهزة الخارجية؛ أي أنها، بدلاً من أن تكون صورة عن مصالح ناسها، وأدوات ضغط لتحقيق المطالب، ها هي تستخدم "ناسها" (لم يتبق منهم الكثير) والمطالب، والهوامش الديموقراطية، لتضرب المطالب نفسها وتخون ناسها، وتدمّر الديموقراطية نفسها. فهذه النقابات قد نامت أو "نُوّمت" في عصر الوصاية المخابراتي، وعندما كانت "تُوقَظ" بعصا المخابرات أو بعض القوى الطائفية، فلكي تستخدم لأغراض سياسية. وكلنا يعرف كيف قُسِّمت الحركة النقابية (عندما استلم وزارات العمل بعض سفراء الوصاية في لبنان)، وشُرذمت وفرّخت اتحادات وميني اتحادات من كل نوع وجنس. وكلنا يذكر كيف كانت تفرض أجهزة النظام الأمني المشترك اللوائح وتعطّل الانتخابات وتعيّن القيادات: إذاً غُيّبت هذه الحركة طويلاً... وها هي تستفيق اليوم، بإذنه تعالى، أو يُوقَظ الجزء الميّت منها: تدعو الى الإضراب من أجل المطالب كذريعة، كقرار مستعار وليس كقرار نابع من الإرادة النقابية: أي أن قرار الإضراب كان قراراً حزبياً وفئوياً طالعاً من أقبية 8 آذار، لشلّ الاقتصاد، وتعطيل المؤسسات، والتواطؤ على الدستور! وبقدر ما نرفض ارتباط الحركة النقابية بـ8 آذار نستنكر ارتباطها بـ14 آذار أو بأي تجمع أو قبيلة أو عائلة أو حزب أو طائفة: إما أن تكون مستقلة أو لا تكون، وإما أن تكون نقابية أو لا تكون. وإما أن تكون تعبيراً عن الديموقراطية أو لا تكون. وما أقدمت عليه بعض الاتحادات أو النقابات وتبناه "الاتحاد العمالي العام" بتوع غسان غصن ما غيرو، أي بتوع بعض 8 بازار ومتفرعاتها، تجسيد لهذا الغياب، بل وتجسيد لغياب يستخدم ضد الروح النقابية، وضد المؤسسات، وضد الإرادة الموحدة. ويكفي أن يكون هذا "الفرع" النقابي المبارك من اتحاد عمالي عام المشكوك بشرعيته وتمثيله، لكي يؤدي الى ما أدى إليه: حرّكته السياسة وأفشلته السياسة. لا شيء! وكان على الناس أن ينتظروا أشكال التحرك ومفاعيلها، من بعض السياسيين، لا من أهل "الاتحاد" غير الاتحادي، والنقابي وغير النقابي، والعمومي... وغير العمومي: ولهذا جاءت التلبية معدومة. أقصد التلبية الشعبية. لا شيء! إضراب لم يضرب فيه أحد إلاّ إمّا خوفاً على سيارته أو على ممتلكاته أو على نفسه أو على كرامته. فأي تحرك نقابي يقوم على "التخويف" وأساليب الغستابو والترهيب: إنه إرث أجهزة الوصايات المتعاقبة، وأي تحرك هذا نقابي، بُتر فيه دور النقابيين، وانطمست فيه المطالب، وغاب عنه أصحاب المصالح المباشرة فيه! وهذا يعني أن هؤلاء خانوا المطالب التي ينادون بها، ثم خانوا أصحابها، ثم خانوا أنفسهم.. ثم استُخدموا لتشويه الديموقراطية. وهذا ليس غريباً على أناس يرتبطون بأنظمة لا تسمح بأي عمل نقابي مستقل. أقصد بعض الأنظمة العربية، التي تكون فيها الاتحادات العمالية والنقابات امتداداً لإرادة الحكام والأنظمة والمخابرات أي يكون فيها "النقابيون" المفترضون أدوات أجهزة معيّنة تتواطأ على كل شيء: على الدستور، والمطالب، والحريات، والديموقراطية، والقمع، والظلم، والاستغلال والاستبداد. "إتحادنا" الميمون هذا على صورة النظام الأمني المشترك بامتداداته، أي صورة مخابراتية أو حزبية (مخابراتية)، أي كل شيء (مستخدم) ما عدا النقابية! وهذا ليس مستوراً: كل الناس في لبنان وخارجه عرفوا أن ما جرى الخميس الماضي كان تنفيذاً لقرارات بعض القوى في سعيها الى توتير الأجواء، وتهديد الأمن السلمي، وتعطيل الحياة السياسية، وتشويه الديموقراطية، ومحاولة إسقاط الحكومة بعدما "أُسقط مجلس النواب بضربة قاضية من رئيسه! وأُفرغت رئاسة الجمهورية... واستهدف الجيش اللبناني... وهُدّد الاستحقاق الرئاسي! وعليه، ماذا كان ينتظر غسان غصن وأربابه من 8 آذار غير هذه الصورة الحزينة تمزّق الحركة العمالية والنقابية في لبنان، وتبهدلها، وتشرشحها، واستخدامها لتعميق المنحى الانقلابي؟ بل ماذا كان ينتظر "أبو الغصون" الأملية والأملودية والإيمانية والغزالية غير هذه النتيجة المزرية من تحرك لا طعم له ولا رائحة ولا موقع، ولا مخرج ضمن الظروف القائمة!
أما كان يجدر بهؤلاء "المضربين" أن يشرحوا لنا، قبل أن يعلنوا تحركهم ويستفردوا قرارَ التحرك، من هو المسؤول الأساسي عن "تدهور" الاقتصاد اللبناني، وحالات الإفلاس، والهجرة والتهجير؟ يا ليتهم تذكروا آثار حرب تموز المظفرة على الاقتصاد لا من باب النقد أو المدح بل من باب الإحصاءات والمفاعيل والخسائر الفادحة. أما كان يجدر "بأبي الغصون اليانعة" أن يشير الى الخسائر التي سببها احتلال "حلفائه" الإلهيين وسط العاصمة ويقدم إلينا لائحة بالمؤسسات التي أفلست والعمال الذين تبطلوا، ألا يجدر بأبي الغصون اليابسة أن يتذكر حرب العبسي على لبنان (وهو حليف حلفائه الإلهيين) وعلى الجيش وعلى الفلسطينيين وما تكبده الاقتصاد؟ ألا يجدر بهذا الرئيس العمالي "المفترض" (أو المفروض) أن يحلل لنا تداعيات خطب الحروب اليومية، والتهديدات اليومية، والترهيب، والتخويف، على حركة الاستثمارات الداخلية والخارجية؟ ألا يجدر بهؤلاء "المطايا" أن يخبرونا عن الآثار الكارثية لتعطيل مجلس النواب ورفضه التعاون مع الحكومة التي يعتبرها غير شرعية وميثاقية: إذ كيف يتحرك هؤلاء بأيد وأصابع وبناصر وخناصر من يعتبرون الحكومة غير شرعية ثم يحمّلونها مسؤولية الوضع الاقتصادي؟ هل يستطيع هؤلاء أن يفنّدوا لنا التداعيات التي يتركها تعطيل انتخاب الاستحقاق الرئاسي على الوضع الاقتصادي، وهم يعرفون جيداً المعطّلين؟ ألا يجدر بهؤلاء أن ينوّرونا عن النتائج التي تخلّفها الاغتيالات والسيارات المفخّخة واضطراب الأمن على الاقتصاد، وهم يعرفون جيداً من يرتكب كل هذه الجرائم؟
ألا يجدر بهؤلاء "النقابيين" المُنقَّبين" (و"المنكوبين" بأنفسهم) بأن يسموا الأشياء باسمائها: أي الذين يسعون الى ضرب الاقتصاد وشله، وتخريب الدولة وتفكيك النظام وهم يضعون لنا تقريراً عما يتركه كل هذا من سلبيات على العمل والعمال والاستثمارات والمشاريع وموقع لبنان وصيته! أم أن هؤلاء واعون جيداً ماذا يفعلون: وهذا يعني ان المطالب التي قدموها (وهي محقة كلها لكن مع غيرهم!) تشبه الشروط التي يبتكرها كل يوم اربابهم في 8 آذار لا لتنفيذها، وانما لتعرقل أي حل. وهذا يعني ان المطالب التي قدموها ليس أكثر من اعذار للانخراط في لعبة تخريب البلد وفتحه على المجهول ومن الشارع نفسه: فهذا الشارع لم يَخْطه من زمان بتوع الاتحاد العمالي العام لأنه كان ممنوعاً عليهم ايام الميليشيات وأيام الوصاية: وها هم ينزلون اليه ليُحرمّوه على غيرهم، أي ليجعلوه مكاناً للترهيب والتخويف والترويع. لا مكاناً لممارسة الديموقراطية المباشرة، وتعزيز الحريات النقابية وسواها. فاعداء الديموقراطية ليسوا هم من يبشرون بها ويمارسونها، واصحاب المطالب الذريعة ، ليسوا هم من يمثل الشرعية النقابية، والمرتبطون بالأجهزة وببعض الأحزاب والحركات المعطلة البلد ليسوا هم من يسعون الى تحقيق ارادة النقابتين، ولأنهم مكشوفون، (كالشمس لكن السوداء) فقد بدوا في خميسهم الحزين الكئيب منعزلين عن قواعدهم، وعن مطالبهم: كانوا معلقين بين احداث تهدد بالويل والثبور وتُخوّن وتجعر وتصوّت وبين ساحات مصادرة بالقوة والعنف. مع هذا كسر الناس جدار الخوف الذي رفعه حلفاء هؤلاء الاتحاديين على الطرقات والازقة ونزلوا الى اعمالهم ومحالهم ومدارسهم ومصانعهم وسياراتهم غير عابئين بجعير من هنا وتهديد من هناك ولا سيما وان الذكرى السوداء (23 كانون الثاني من العام الماضي كانت ماثلة امام الاذهان ولأنها كذلك بادر الناس ومنعوا تكرارها....
واذا عرفنا ان هذا "الاتحاد العمالي" ليس عاماً لأنه انشق (بارادة حزبية معروفة وبارادة مخابراتية معروفة ايام الوصاية) عن قواعده واذا عرفنا ان حجمه التمثيلي المجزوء لا يخوله التحدث باسم عمال لبنان أو نقابييه، يتضح لنا هول المأساة التي يعانيها الوضع النقابي العمالي في لبنان، ويتكشف عن الجريمة التي ارتكبها النظام الامني المشترك (ايام الوصاية) في تفكيكه الجسم النقابي وتحويل بعضه الى ادوات يستخدمها لاهداف سياسية مباشرة. ولهذا، يبدو ملحاً اعادة النظر في الحالة العمالية اللبنانية باطرها كلها، ومحاولة اعادة تأسيسها على قواعد متينة وثوابت اصيلة، لكي تستعيد وحدتها، وصفتها النقابية واستقلاليتها، ووطنيتها وعموميتها. لأنه اذا استمر هذا الاتحاد (المقسم) العمالي (بلا عمال) العمومي (الفئوي) على هذه الحال، واستمرت الاتحادات الأخرى على حالها مشرذمة، فلن تكون قيامة لأي حركة مطلبية في لبنان، بل وستكون الديموقراطية ناقصة اذا انتقصت ادواتها النقابية.
تشرشحتم ما يكفي! وبَهْدلتم العمال ما يكفي! وخنتم المطالب ما يكفي! واستُعملتم، كأدوات سياسية ما يكفي! وارتبطتم بالاحزاب والأجهزة ما يكفي! وبعتم استقلاليتكم ما يكفي: اترى آن الأوان للعمل على تحول جذري في بنية هذا الاتحاد عبر جمع شمله، واستعادته دوره الاساسي في حماية مصالح العمال (لا مصالح 8 آذار وسواها)، وحماية الديموقراطية، وحماية العمل النقابي برمته!
اترى آن الأوان ليكون عندنا اتحاد عمالي أصلي ومؤصل بالممارسات الديموقراطية، ومهيأ للحفاظ على استقلاليته ودوره الطليعي في هذه الأوضاع التي يحاول فيها الانقلابيون قلب كل شيء بما في ذلك الاتحاد العمالي العام والجسم النقابي والاعلام وادوات المجتمع المدني، بمعنى آخر اترى آن الأوان لأن يصبح الاتحاد العمالي العام بعد اعادة تأسيسه وتجديده المرجعية الأولى للعمال ويكون العمال المرجعية الأولى له! أم ان الأجهزة والأحزاب الانقلابية ستكمل إجهازها عليه، والاستمرار في تحويله خِرقة.... مجرد خرقة بين ايديهم وتحت اقدامهم!
هل ينتقل الاتحاد من اتحاد عمالي عام حر، ام انه سيبقى كما هو اليوم (وامس) مجرد اتحاد مخابراتي حزبي خاص؟

       ثقــافـة