|
في مناسبة صدور الترجمة الانكليزية لـ"يالو"، رواية
الكاتب والزميل الياس خوري، عن منشورات "أرشيبيلاغو"
في الولايات المتحدة (ترجمة
بيتر ثيرو)، نشرت صحيفة "لوس أنجلس تايمز" مراجعة
للكتاب في 13 الجاري، بقلم ليلى
العلمي، ننشرها بالعربية تعميماً للفائدة.
في وسع مدن قليلة مناهضة نوع العنف
والمجازر الذي تختبره بيروت. خلال خمسة عشر عاما
دمرتها الحرب الأهلية غير انها بدت
في 2006 قبل ان تُقصف مجددا على أيدي الاسرائيليين،
على شفا نهضة اقتصادية وثقافية.
بيروت مدينة تعلمت البدايات الجديدة وتعلمت إعادة بناء
نفسها من أعلى ركامها، لكنها
أيضا مكان الذكريات الطويلة الأمد والأساطير الثابتة.
في روايته "يالو" يمتشق فكرتي
الحقيقة والذاكرة، يتوقف عند الأمور التي نختار
استعادتها وعند تلك التي نفضل ان
يطويها النسيان. تتألف "يالو" من اعترافات بعضها قسري
أو طوعي، حقيقي أو ينطوي على
مغالاة ذاتية، ناهيك باعترافات تطهرية للمرء الذي
يعترف بها، وأخرى تماما بلا جدوى.
ولد الياس خوري في الأشرفية البيروتية (المعروفة أيضا
بإسم "الجبل الصغير") في
لحظة تاريخية مفصلية: 1948، العام الذي شهد قيام دولة
إسرائيل ومصادرة الأراضي،
والذي يصطلح الفلسطينيون على تسميته النكبة. ترك هذان
الحدثان التوأمان أثرا عميقا
في نفسه، روائيا وكاتبا مسرحيا وصحافيا وناقدا أدبيا.
في 1967، في التاسعة عشرة،
زار مخيما للاجئين الفسلطينيين في الأردن، وحرّك ما
رآه هناك تمرده فالتحق بمنظمة
"فتح"
وهي أوسع فصائل "منظمة التحرير الفلسطينية". بعدذاك
بثلاث سنوات وفي أعقاب
"أيلول
الأسود"، غادر الأردن الى باريس، حيث أنجز دراسته
الجامعية. على امتداد
مسيرة طويلة وغزيرة الانتاج، كتب خوري على نحو منتظم
في الحياة السياسية اللبنانية
المضطربة والقضية الفلسطينية. تعامل عدد كبير من
رواياته وقصصه مع الحرب الاهلية
اللبنانية وحظي في الولايات المتحدة الاميركية باحتفاء
نقدي بفضل روايته "باب
الشمس". يتولى خوري رئاسة تحرير "الملحق" الثقافي
الأسبوعي في جريدة "النهار"
اللبنانية ويشغل في جامعة نيويورك منصب استاذ دراسات
الشرق الأدنى.
من طريق
"يالو"
يرجع خوري الى بيروت في ثمانينات القرن العشرين ويشكل
كتابه سلسلة سرديات
"مسنّنة"
تتبدل في الزمن والمكان ووجهة النظر. تخبرنا الرواية،
حكاية دانيال جلعو،
الملقب بيالو على نحو متقطع وكأننا في إزاء قطع لأحجية
ما. انه مقاتل، يستحيل بعد
عشر سنين أمضاها رابضا على إحدى جبهات الحرب الأهلية
اللبنانية الكثيرة، فاراً من
الجندية ثم سارقا ومتشردا في باريس فحارساً ليليا في
بيروت، وخائنا لمن أحسن اليه،
والى ذلك مهرباً للأسلحة ثم متلصصاً ومغتصباً في
المحصلة. بعدذاك يغرم يالو بالشابة
شيرين، لكن فعل الحنان اليتيم هذا ينتهي باعتقاله، ذلك
انها تسلمه الى الشرطة
وتتهمه بالاغتصاب.
أحد المحققين يُجلِس يالو ويأمره بالاعتراف بجرائمه
كلها،
لكن كلما أخبره يالو قصة حياته قاطعه المحقق واتهمه
بأن روايته يشوبها الانقطاع في
التسلسل وتعاني التناقض الذاتي، ليهدده بعدذاك
بالتعذيب، ويحذره قائلا "تدرك ماذا
يجري للكذابين". في النتيجة يجد يالو نفسه وهو يعيد
اعترافه، مرة تلو المرة. تقدم
لنا الرواية هذه الاعترافات المتتالية والمتناقضة،
ويكاد يجري ذلك من دون تمهيد.
سريعا يتضح ان المحقق راغب في اعتراف محدد: اعتراف لا
يتضمن جرائم يالو أي السرقة
والاغتصاب فحسب، ولكن أيضا جرائم لم يقترفها، كمثل
اخفاء القذائف.
نظرا الى
تصرفاته، قد يصعب في البداية ان نشعر بالتعاطف مع
يالو، غير انه وبعد أن يجبر على
الاعتراف ونبدأ بالاستماع الى صيغ حياته المختلفة،
ينمو رويدا رويداً تماهينا
العاطفي معه. ندرك كيف يتورط فتى مسيحي نشأ في منزل
جده الكوهنو افرام السرياني
ووالدته غابي المرأة المثبطة رومنطيقيا في الحرب
الأهلية اللبنانية المديدة
والدموية. في هذه الحرب وفي كل حرب، يتبدل الناس
وسرعان ما تتظهر آثارها على يالو
أيضا. ليس يالو مقاتلا في صفوف إحدى الفصائل الطائفية
فحسب، بل يضحّي بمواطنيه في
حين هو أيضا ضحية التعذيب. تكمن موهبة خوري المذهلة في
قدرته على جعلنا نشهد على
صناعة وحش، لكن من دون أن يمنحنا إمكان الحكم عليه أو
الشعور بتفوقنا الأخلاقي
عليه.
يتحدى هذا الشكل القارىء بغية ان يجد كل مرة تأويلا
جديدا لقصة رجل واحد.
يصعب اختيار قراءة واحدة لهذه الحياة المركّبة. ذلك ان
انتساب يالو الديني والاتني
واللغوي والذي يبدو دقيقا في الظاهر، يبدو في النهاية
غير قابل للاتساق. والد يالو
افرام الذي رأى النور مسيحيا سريانيا، نشأ كمسلم كردي،
وفي النهاية عاد الى إيمانه
المسيحي والى لغة أجداده. خلال هذا الوقت نشأ يالو
سريانيا، لكن لم يسعه التعبير عن
نفسه بسوى العربية. هذه الالتباسات شديدة الدلالة
وتتحدى التصنيفات التي ترتبط بها
السياسة اللبنانية المنتظمة طائفيا. على النحو نفسه،
عنوان الرواية مبهم في دوره.
يالو ليس لقب دانيال جلعو فحسب، إنه أيضا إسم قرية
فلسطينية مُحيت عن الوجود بعدما
دمرتها إسرائيل في 1967. طبعا، "يالو" ليس أول كتاب
يستخدم فيه خوري الحرب الأهلية
كخلفية. روايته "الجبل الصغير" (صدرت أولا في 1977
وترجمتها مي تابت الى الانكليزية
في 1989) حكاية ذاتية متحررة من القيود عن تجاربه خلال
الحرب الأهلية اللبنانية
المديدة: عندما كان طفلا ثم مقاتلا وموظفا حكوميا
فمثقفا. انه كتاب شديد الغنائية
يضج باللحظات التواقة الى السلم في بيروت، لكنه يحتفظ
في الوقت عينه بشيء من الحنين
الى الرفقة التي تطورت بين المقاتلين إبان الصراع.
تفتقر السردية في الرواية الى
الترابط وتتغير وجهات النظر مرات عدة، وأحيانا في
المقطع نفسه، على هذا النحو أعاد
استنساخ فوضى الحرب الاهلية.
في قصته القصيرة "أبواب المدينة"
(الصادرة
في 1981 وترجمتها الى الانكليزية بولا حيدر في 1993)،
تعامل أيضا مع
تأثيرات الحرب الأهلية اللبنانية. انها قصة خرافية حيث
يصل غريبا، غفل الهوية، الى
أبواب مدينة مقفرة. يتمكن من دخولها لكنه يبقى عاجزا
عن إيجاد معنى لشوارعها
المتاهية أو لمواطنيها وهم مجموعة عذراوات يحرسن مقبرة
ملك. من المفترض أن تشكل
المدينة بديلا من بيروت ويستخدم مشهد تعاقب الأوهام
كتحذير لأولئك الذين يواظبون
على التصارع بغية الفوز بالأرض. اللغة مقتصدة وأحيانا
غير مكتملة ("جلس الرجل،
لكن
الحقيبة") وأحيانا غير نحوية عمدا ("ثم لا، من الغير
ممكن ان، ربما، أو").
في
"يالو"
كما في أعماله السابقة، يعتمد خوري على التقليد الادبي
الكلاسيكي في حين
يتخطاه أيضا. كمثل شهرزاد في "ألف ليلة وليلة" يخبر
يالو قصة مختلفة كل يوم بغية
البقاء حيا (يقوم خليل أيوب الطبيب في "بوابة الشمس"
بالأمر عينه بغية ابقاء مريضه
حيا).
غير ان أسلوب خوري الكتابي يختلف عن أنماط أقرانه
الواقعية تماما ويقترب
على نحو أوثق من دفق الوعي لدى كاتب من طينة وليم
فولكنر. يؤثر التكرار بوصفه وسيلة
أسلوبية، وغالبا ما تعود نهايات قصصه الى بداياتها
فكأنها حلقة. في رواياته لا
تتبدل وجهة النظر كثيرا كوثبات بين شخصية وأخرى. قد
يشكل تجريبه على صعيد الأسلوب
السردي ما يشبه التحدي، لكنه ينتج وبلا ريب مقاربة
استثنائية في الآداب العربية.
رواية الياس خوري العاشرة "يالو" هي سادس رواياته
المنشورة في الولايات
المتحدة الاميركية، وقد نقلها بيتر ثيرو الى
الانكليزية بعدما وظّف قدراته المذهلة
في روايات عالية ممدوح ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف
وسواهم. يرفدنا ثيرو بترجمة
رائعة تحافظ على خصوصيات اللهجة البيروتية.
تضع "يالو" خوري في موقع الروائي
الذي يصعب فصل اسمه عن المدينة. ترتبط لوس أنجلس بجوان
دايديون وريموند تشاندلر
واسطنبول بأورهان باموق. أما بيروت المدينة الجميلة
والموهوبة للتكيف مع المتغير
فهي ملك لخوري.
ترجمة رلى راشد |