المستقبل 19-01-2008

.. واستمرار استهداف الرموز السيادية!

بول شاوول

ثم عاد عمر موسى مُوفداً من وزراء الخارجية العرب إلى لبنان. وكما سبقت مجيئه المرة الفائتة متفجرة على "اليونيفيل" في الناعمة، ها هي سيارة مفخخة تستهدف موكباً تابعاً للسفارة الأميركية ويكون الضحايا، كالعادة، من اللبنانيين وهذا هو (المطلوب اصلاً) مع حملة متعددة على الجامعة العربية وعلى مصر وعلى السعودية... والمجتمع الدولي طبعاً، والعرب... وصولاً إلى أميركا وفرنسا وسائر الخلق. لكن هذه المرة أضيف إلى لائحة هذه الحملة المسعورة البطريرك صفير: وكان على ميشال عون (عميل الوصايتين وبشكرجي المخابرات وأخوت الرابية) ان يتطاول (والإناء الآسن ينضح بما فيه) على بكركي.. ليكمل مخبر آخر برتبة نائب فاشل المهمة ويضاعف من قحته وزقاقيته وبلطجيته.
هذا المخبر المشهود هو سليمان فرنجية صاحب مشاريع "البنغو" التربوية والخوات على المعامل في الشمال والمحال والناس. هذا المخبر الصغير كان له ان يتلو ما "دَحَشته" في "نيعه" الوصاية من شتائم وقذارات وسباب للبطريرك ولسائر الزعامات الاستقلالية!
(هذا كل رصيده: ان يستمد وجوده من عرق ركبتيه!)
الحملة يبدو انها شاملة في كل الاتجاهات: التخوين وَكَيِل الاتهامات والشتائم، والتهديد بالنزول الى الشارع، والتعرض إلى الجيش اللبناني بطريقة مواربة ومباشرة، ترهيب اليونيفيل، تصعيد النبرة ضد الحكومة وضد الأكثرية... ورفض المبادرة العربية. بما في ذلك انتخاب الجنرال التوافقي ميشال سليمان: ماذا يعني كل ذلك سوى استمرار جماعات 8 آذار في المنحى الانقلابي التسلطي، والسطو على مقدرات الحكم... تمهيداً لاحداث تغييرات على مستوى بنية النظام (بالقوة) والكيان والجمهورية نفسها.
ونظن أن جماعة 8 آذار لكي تصل إلى مثل هذه النجاحات الانقلابية المتتابعة (وإن بفشل الهي ودنيوي ذريع وسريع ومُريع!) تحاول تكرار ما اقدمت عليه الوصاية على امتداد ثلاثة عقود: عزل لبنان عن محيطه العربي وعن العالم من جهة، والحؤول دون نجاح اي مبادرة عربية أو دولية لتيئيس العالم منا، ومن ثم استفراد لبنان واستفراسه بانياب الوصايتين وامتداداتها في الداخل: أي عبابسة الداخل (نسبة إلى العبسي الذي أطل علينا من وراء الموت بكلام ضد الجيش مصادره معروفة: اعداء لبنان الأقحاح!) فكأنهم يقولون: لن ينفعكم العالم كله، ولن نسمح بقوة ارهابنا، لأحد بأن يساعدكم ايها اللبنانيون لا العرب ولا الغرب ولا الشرق ولا الصين ولا روسيا... ولا أميركا ولا من ليس أميركا. المهم احكام العزلة على هذا البلد لامتصاصه ومصادرة قراره، والتحكم به وتحويله (كما كان) مجرد محافظة من محافظات هذه الشقيقة القريبة او اقليم تابع لتلك الشقيقة الاعجمية! (وشقيقة ايضاَ! ولم لا) ولن يكون لكم لا انتخابات رئاسية ولا نيابية ولا تأليف حكومة... ولا جيش فاعل ولا قوى أمن! هكذا اقرب الى العزل، تحت ضغط المخابرات والاغتيالات والتخريب والتدمير والافقار والاذلال! لا شيء! لن تكونوا ايها اللبنانيون سوى "قبض ريح" في أكفنا: ربما ذكرى شعب، وذكرى حرية وذكرى استقلال! هذا ما يريد ان تبعثه الوصايتان من رسائل الى اللبنانيين ولأن عندها أحزاباً الهية اُعِدَّت سلفاً لتكون الهية ابداً وحركات وقامات وعملاء، فها هما تصعدان وتائر "التهديد" والمؤامرات والتعطيل: انهما وصايتا التعطيل، والتبديل والتنكيل والتضليل تريدان ان تحاربا من تريدان ان تحارباه من عندنا من هنا وعلى ارضنا وليس من عندهما وعلى ارضهما! ولهُما عندنا من يقوم بمهمة المحاربة عنهما، والتضحية بمصير البلد من أجلهما وذبح اهله وناسه وكل الشعب كرمى لهما، مقابل الدعم والمال النظيف والارشاد العفيف.
حليفتا أميركا في الحرب على العراق وعلى نظام صدام حسين وطالبان ها هما اليوم، تتصديان لحليفتهما "أميركا" اليوم عبر تصديهما للبنان، فلبنان هو أميركا وأميركا هي لبنان! وتلعبان "لعبة" التهويل على اسرائيل بالتهويل على لبنان، فكأنهما تريدان ان ترتكبا في لبنان ما يرتكبه العدو الصهيوني بحق الفلسطينيين في غزة والضفة (فيا للتقاطع الرائع).
اذاً حليفتنا أميركا (السابقتان واللاحقتان باذنه تعالى)، تريدان ان تحولا لبنان هشيماً لاضاءة خريطة الطريق مع أميركا! (وصولاً الى اسرائيل!)، تحت شعارات باتت ممجوجة ومعروفة كتصعيد الشعارات ضد الولايات المتحدة... والممانعة. (أين ؟ اين رأيتم الممانعة؟ في لبنان؟ أين؟ براو. ممانعة! ومُشانعة! ومُخانعة! ومُصانعة) في لبنان. ونظن ان نظامي الاستيصاء لن يكفا عن كل هذه الارتكابات الا عندما تستتب لهما الأمور في بلاد الأرز مصادرة السيادة والاستقلال، القضاء على انجازاتهما (لا سيما المحكمة الدولية: بيت القصيد) الديموقراطية، والسياسية وتعزيز المنحى الكانتوني في بعض الضواحي لتعزيز التفرد بقرارات الحرب والسلم والاقتصاد والنظام!
ولهذا لم نفاجأ لا بتراجع 8 آذار عن موافقتهم على الجنرال سليمان ولا بتملصهم من بنود الاتفاق في اجتماع وزراء الخارجية العرب، ولا عن لحس تواقيعهم عن الصيغة الفرنسية... فهذا الاسلوب سيستمر، مع تكرار التظاهر بالموافقة، او بالتسهيل، او بالتيسير!... وهذا لعمري من عدة "النصّب" التي يتقن استعمالها اهل الوصايتين وعبابسة الداخل. ومع الاستمرار بهذا الاسلوب المعروف، سيُصعّد انقلابيو الداخل وتائر الشتيمة والكذب والنفاق والتهديد... والتواطؤ على التخريب والاغتيالات المحتملة أو المتوقفة. كأنهم في لحظة نادرة يريدون انتهازها لادراك اهدافهم، وكأن اللحظة هذه لن تتكرر: اذاً فعليها! ولن تعدم وسيلة قذرة، او اسلوبٌ اجرامي، او خطب تقسيمية تحريضية مذهبية مناطقية وتضليليلة. فكل شيء اباحته لهم الوصايتان، لانتهاز الفرصة النادرة... وإظهار ان لبنان لا يستطيع أن يحكمه اهلوه: اذ انهم اي اللبنانيون بنظر الوصاية الأولى، ومن ثم الثانية (الاعجمية) والثالثة (اسرائيل طبعاً) مجموعة طوائف متوحشة، ومتبربرة ومتصارعة غير منتمية الى وطن او إلى ارض: والدليل ان فئات من هذا الشعب (لا سيما 8 آذار) تلجأ إلى الخارج لعجز الداخل عن الحكم، وان هذه الفئات تنتمي الى الشقيقة الأولى ومن ثم الى الشقيقة الثانية أكثر مما ننتمي الى وطنها! انه دليل اذاً وشاهد من أهله: وعليه، مع عناصر أخرى، يمكن البناء على أن هذا البلد لا تقوم له قيامة الا اذا استقامت عليه طغيانية الوصايتين، لعجزه الذاتي، ولامراضه ولاغراضه: والدليل ايضاً ان نظام الوصاية الأولى الشقيقة مستتب فيه الأمن والاستقرار وكذلك نظام الوصاية الثانية وكذلك نظام الوصاية الثالثة (الصهاينة). اذاً لماذا يشذ هذا البلد عن هذه الأنظمة الهنية الرحوم، ذات الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الانسان والبحبوحة والدعة والفردوسية، في حين يسكن لبنان في عين العاصفة! فهذا الشواذ اللعين (كما يقول بتوع الوصايتين) يجب تقويمه وتصحيحه واعادته الى جادة الصواب: أي الى الحضن الرؤوف والحنون والدافئ للقامات الاستبدادية المشهودة والساطعة. واذا كان نظامه عثرة، بحكم ديموقراطيته فلنجعل نظامه شبيهاً بنظامي الشقيقتين: 99.99 بالمئة هنا، والنظام الفقهي الارشادي الالهي هناك، وهكذا تجتمع الادارة الشعبية والهادرة من المحيط الى الخليج والصارخة والمتدفقة واللعوج والحية بالارادة "الالهانية" الارشادية الهابطة من فوقانية "الانبياء" الجدد الذين انزلوا انفسهم بأنفسهم الى ظهرانيهم وظهرانينا!
وماذا يريد اللبنانيون أجمل من هذا اللقاء الملحمي: الالهي من فوق والشعبي من تحت وما بينهما الكامخ! والسامخ! والسائخ! فهنيئاً! ومرئياً! اذاً يجب تصحيح التاريخ بالجغرافيا وتصحيح الاثنين بالقوة المستمدة من الايمان المسبوك بالدولار الحلال وبالسلاح القراح!
هذا المنطق الذي درج على امتداد ثلاثة عقود مع الشقيقة، ثم طوّر شقه "الايماني" مع بني ساسان، لا يرى في لبنان أكثر مما اشرنا اليه: ارضاً مستباحة، شعباً مستباحاً، تاريخاً مستباحاً، حدوداً مستباحة، وجوداً مستباحاً: اذن الاستباحة جزء من "تميز" هذا البلد المفتوح، وخصيصة من خصوصياته، وعلامة فارقة على جبينه، وظهره وحواسه: لا لبنان اذا توفرت فيه ارادة لبنانيين. لا لبنان اذا كان فيه استقلاليون لا لبنان بسيادة، لا لبنان بحرية او بديموقراطية، فكل ذلك مصنوع لشعب آخر، ولبلاد أخرى. واذا نهضت قامات عالية فيه غير مما تعودته الوصايتان من عملاء ومخبرين واذلاء، فيجب "قطافها" سواء اذا اينعت او لم تينع اما بالاغتيال (وقد ابلوا البلاء الحسن!) واما بالترهيب (لم يخذلوا احداً بقوة ترهيبهم) او بالتخوين (لم يكلوا عن لغة التخوين لأنها الأقرب الى نفوسهم الخؤون) وكل هذا تم ويتم باذنه تعالى وبإذن الاطهار والمطهرين والاستطهاريين... والطهرانيين!
اذاً محاولات عزل لبنان عن الخارج لاستفراده وخنق صوته محاولة تدميره من الداخل، وتفكيك وشائجه وعراه، وتخريب اقتصاده، وتعطيل مؤسساته وافقاره لرميه في الفوضى وفي الضعف.... والاستسلام لبراثن عملاء الداخل، ومن ثم التحكم به وارجاعه إلى اسطبلات الوصايات، ومعالف "الآلهة" ومرابط الدواب ومرابض السوام! فليُلجِمْ اذاً، هذا البلد، وليُقمعْ، وليُستوعبْ وليُعزلْ... وليَمُتْ ببطء! هذا ما يريد بتوع 8 آذار (نقلة جموح الوصايتين) ان يفعلوه بلبنان. وهذا ما يفسّر عرقلتهم لكل ما من شأنه "ارباك" خططهم، من تسويات، وتوافق ومشاركة ومهادنة. وهذا ما يفسر تطاول مخبريهم من الغلام سليمان الفرنجاوي البنكوي الى جنرال الهزائم ورأس العملات والعمالات ميشال عون...! على "الممانعين" الحقيقيين من استقلاليين وسيادتين ومدافعين عن الديموقراطية والعدالة (المحكمة: بيت قصيد القتلة والمتواطئين معهم من عبابسة الداخل). وهذا ما يفسر ضيق صدر بتوع 8 آذار ومن وراءهم، وردودهم العصبية الموتورة... ذلك انه يتبين لهم أثر كل محاولة انقلابية او عملية اغتيال، او تخريب في الداخل ان أكثرية الشعب اللبناني يقظة جيداً، وعلى جهوزية عالية للدفاع عن انجازاتها وخياراتها وقراراتها وجمهوريتها وان محاولات التفكيك لا تزيدها الا التصاقاً ووحدة ومحاولات التخريب لا تزيدها الا ايماناً بمقاومتها المدنية وان الجرائم والتفجيرات لا تزيدها الا مناعة!
ان صمود أكثرية الشعب اللبناني في وجه الارهاب المتعدد داخلياً وخارجياً، هو الذي يجعل العالم كله متضامناً مع لبنان، وهو الذي يؤدي باطراد الى عزل هذه الجماعات المتعاملة وهذه الأنظمة، وهو الذي يحث العالم على مساعدة هذا البلد الصغير الذي صار نموذجاً للصمود في وجه الدكتاتوريات واشكال الارهاب والعنف والانقلابات والحروب والعدوانية. بل وصار لبنان معنى من معاني الديموقراطية الحية وسط محيط واسع من الدكتاتوريات والفاشيات المعلنة.
الناس في بلادي باتت تعرف ما يدبره خوارج الداخل، و"دواخل" الخارج، وباتت على يقين بأن كل المبادرات المحملة، عربية أو أجنبية، سيفشلها هؤلاء وباتت متأكدة من انها لن تقع في اخطاء السابق عبر الانجرار في تهوسات الحروب الداخلية، وجنون الصراعات الداخلية..
الناس في بلادي باتت تعرف جيداً ماذا تريد الشقيقتان من لبنان، وباتت "تخمن" جيداً التقاطعات الاستبطانية الفرنسية بينهما وبين "الوحش" الصهيوني (كلهم وحوش بوحوش) ولن تضللها نبرات التخوين من هنا، او الشعارات الصاخبة من هناك، والاوراق التي يتم تبادلها من تحت الموائد والطاولات ومن فوقها!
ولهذا فالناس في بلادي تعرف انها المعنية اولاً وأخيراً بالدفاع عن نفسها وعن جمهوريتها، وبالصمود... وبالتضحية! وتعرف ان لبنان هو لها، اي للبنانيين، وليس لسواها ولكي تستحق ان يكون لبنان للبنانيين، ها هي مستعدة للاستمرار في المواجهة مهما تكبدت من تضحيات، ومهما دفعت من اثمان!
أما العملاء الصغار واربابهم الصغار ايضاً (وإن استكبروا هنا، واستصغروا هناك) فلن تكون حظوظهم بالفوز "الالهي" او غير الالهي بأكثر من الفوز بالعودة... والاياب الى جادة الصواب!
المعركة طويلة؟ نعم! وقاسية؟ نعم! والخصوم مجرمون واشرار؟ نعم! ولا يردعهم وازع اخلاقي أو وطني أو انساني أو بشري؟ نعم! مع هذا، فطوبى للصامدين من ناس بلادي! طوبى للصامدين في وجه الطواغيت والقتلة والمستبيحين... وعملاء الصهيونية بامتياز! اي عملاء الصهيونية بكل ما ملكت ايديهم ورُكبهم وانوفهم وتَصَعُّر جباههم! ذلك لأنهم تجاوزوا في اذى لبنان... ما أنجزته الصهيونية على مدى خمسين عاماَ!: كأنه سباق بين هؤلاء الخوارج وعبابسة الداخل وعملاء الخارج وبين اسرائيل على الاضرار بلبنان... هذا البلد الصغيرالذي سيهزمهم بحمده تعالى وحمد شعبه الكبير: آمين!

       ثقــافـة