المستقبل 11-01-2008


تحية الى داعية الحوار المعتقل فايز سارة
محمد علي العبد الله

طالعنا الأستاذ هيثم منّاع بمواقف جديدة عن الحوار بين السلطات السورية والمعارضة الوطنية الديموقراطية، معتبراً ان قوى اعلان دمشق هي من بادرت الى قطع الحوار مع السلطات: "هذه الخطى السريعة في القطيعة التامة بدرت من رموز اعلان دمشق الذين قدموا انفسهم بهذه الصفة، وفي كل مرة كنت أفاجأ بتصريح لقيادي في اعلان دمشق يقول بأن السلطة لا تحاور، كنت أسأل نفسي، لماذا تحاور هذه السلطة الخبيثة من يرفض مبدأ الحوار معها"؟.
ورأى مناع انه اذا كان الحوار مع الجبهة الوطنية التقدمية ضرورياً، فلنتحدث فيه ونبحث عن مسالكه، آخذاً بالاعتبار ان هذا ليس مؤشر ضعف أو قوة. كما انه ليس علامة تواطؤ أو عمالة. بل خيار سياسي في ظل كيان سياسي واحد. وفي هذا الصدد اشاد مناع بموقف لجان احياء المجتمع المدني، واعتبر موقف اللجان جريئاً ويستحق الوقوف عنده.
طبعاً نحن سننزل عند رغبة المناع الذي تمنى ان لا يسقط المزاودون في حفلة ادانة هذا الموقف، وسنسأل الاستاذ مناع سؤالين بسيطين ومشروعين:
أولاً: ماذا عن السنوات الخمس التي سبقت صدور اعلان دمشق، اي الفترة الممتدة من ربيع دمشق في العام 2001 الى أواخر العام 2005 تاريخ صدور اعلان دمشق، الم يكن هدف المعارضة الاصلاح؛ ألم تعلن المعارضة رغبتها في الحوار؟؟
كلام المعارضة الوطنية كان وقتها واضحاً: "هدف المعارضة الاصلاح، المعارضة ترغب في حوار مع السلطة يلتقي فيه الطرفان في وسط الطريق لما فيه مصلحة وخير البلاد والعباد، المعارضة تعول في الاصلاح على شخص من داخل النظام، مع عشرات التصريحات والتلميحات ان رئيس الجمهورية هو الشخص الأفضل والأنسب لقيادة عملية الاصلاح".
وطبعاً ليس من الضروري التذكير بكم الرسائل والبيانات والمناشدات التي ارسلت الى رئيس الجمهورية وقتها، باعتباره الطرف الأنسب في الحوار، ماذا كانت النتيجة؟؟
اعتقالات، تشديد، قمع، اغلاق المنابر التي بقيت مفتوحة، الاعتداء على المعتصمين ضد قانون الطوارئ بالضرب، التفنن في خطف الشخصيات الوطنية، والابداع في فبركة تهم مضحكة، استجرت "الضحك الأسود" على حد تعبير العزيز فايز سارة في مقالته (من يشوه مواقف معتقلي اعلان دمشق وسيرهم؟ السفير اللبناني، 27/12/2007).
ثانياً: طالما ان السلطات ترغب بالحوار (من وجهة نظر الاستاذ مناع)، وطالما ان مبادرة لجان احياء المجتمع المدني جريئة وجديرة بالوقوف عندها، فما تعليقك على اعتقال الكاتب فايز سارة عضو لجان احياء المجتمع المدني التي اطلقت مبادرة الحوار، مع الأخذ بالاعتبار ان سارة نفسه هو من عمل على هذه المبادرة وصوغها والحصول على موافقة لجان احياء المجتمع المدني عليها واطلاقها؟
الملفت ان السلطات لم تقرر اعتقال الاستاذ سارة الا بعد ان دعا الى الحوار، واجتهد في انجاح الحملة الاعلامية المضادة في الدفاع عن معتقلي اعلان دمشق، وتبيان مواقفهم الحقيقية، ولما علمت السلطات ما له من دور في الحملة قررت ان "تحاوره"، لكن على طريقة الحوار ذاتها التي حاورت بها رفاقه.
لعل السلطة ترغب بالحوار، لكن ليس الحوار بين السلطة والمعارضة، انه الحوار بين السجين والسجان، حيث تكبل يدي المعتقل وراء ظهره، وتطمش عينيه، ويتعرض لشتى انواع "الحوار"، من لكمات وصفعات وركلات على وجهه، وكلام يليق بسنه وبمكانته الاجتماعية في حال اختلف بالرأي مع المحاور، حيث الحوار هناك يتكون من مجموعة تناقش بالعصي والدواليب فرداً مكبلاً، حيث يجلس المعتقلون بعد انتهاء الحوار ليتعرفوا على جوانب خفية من نعمة الكهرباء، وليتناولوا الغداء (فروج مشوي) وغيره من ضروب "الحوار"، وليتعرفوا على أصل "بساط الريح" الذي كتب عنه في القصص الخيالية.
وأقتبس من مقالة سابقة للعزيز كمال اللبواني بشأن الحوار الذي اجري معه ومع البروفيسور عارف دليلة فك الله اسرهما وأسر جميع المعتقلين (الحوار لا يجري في السجون ومع رجال الأمن، 29 حزيران 2005): "إنني اعتبر ان الاعتقال هو أكبر اهانة للسياسة والسياسي والرأي العام معاً. ولا انصح احداً بقبول هذا النوع من الحوار لانه قد ينتهي كما انتهى معنا يوم 19/5/2002 ويوم 2/6/2002. عندما لم يقتنع الطرف الآخر بوجهة نظر ضابط كبير في جهاز الأمن السياسي هو رئيس الفرع السابق، فوجه الرفسات واللكمات الى وجه عارف دليلة وبطن وظهر حبيب عيسى، وغيرهم، بحضور ومساعدة بقية فريق "الحوار" "اقصد نائب رئيس الفرع ورئيس السجن ومساعدي التحقيق".
ان كانت السلطة تريد الحوار فأهلاً به، لكن هذا الحوار يجب ان يكون حواراً بناء ومثمراً، حوار من اجل الوصول الى نتيجة، لا حوار من أجل الحوار وكسب الوقت؛ حوار مع السلطة نفسها، لا مع الجلادين؛ حوار لا يمكن ان يبدأ الا بعد اطلاق المعتقلين السياسيين، لسبب بسيط، لأنهم هم المحاورون انفسهم، لكن الواضح الى الآن ان السلطات لا تريد حواراً ولا هم يحزنون، ان جل ما تريده هو سوريا صامتة خالية من الأصوات المعارضة، الأمر الذي لن تحلم به طالما بقي هناك أشخاص أمثال فايز ساره ومعتقلي اعلان دمشق.

(*) كاتب وناشط حقوقي سوري

       ثقــافـة