|
كيف حلّ بلبنان هذا البلاء؟" تساؤل ما هو إلا "عجز"
عنوان غرائبي طويل اختاره
أحمد بيضون لناقوسه ومبحثه المجترح كلاماً، قلّما غادر
محابسه منظماً، مشذباً، وفي
عين الهدف، عن موضوع غالباً ما سعت اللغات السياسية
إلى وأده والتحايل عليه، بيد
أنه سرعان ما غلبها.
"أشياع
السّنة وأسنان الشيعة: كيف حلّ بلبنان هذا البلاء؟"
لأحمد بيضون كتيّب(•) فيه زبدة ما تحاشيناه من تصارح
جارح في حال المذهبين المسلمين
المتنافسين على تبوؤ قمم الهرم الديموغرافي في بلد
الملل والنحل:سنّته وقد صاروا
رهطاً ( شيعاً) بعد اغتيال رفيق الحريري، وشيعته وقد
برزت نيوبهم (أسنانهم)
وصواريخهم فاقعة، بلا ريب.
يندهش المؤرخ، في غرة الرحلة التي يدعونا إليها على
أجنحة نصّ هو أشبه بصورة جوية شيّقة و"مهولة" كما يخلص
في خاتمته، من أن الخط
الزلزالي السني الشيعي "أمر جديد كل الجدة"، مستبطناً
أنه جديد ومقزز له ولأقرانه
ممن حلموا وآمنوا بأن لبنان الرسالة والمساحة الروحية
جدير بأن يحمل على
الأكف.
فلبنان السابق على "الشر المستطير الآيل إلى تمزيق
البلاد"، (وللكاتب لا
لرئيس المجلس النيابي قصب سبق العبارة)، لبنان الحقبة
الواضعة أوزارها والمشروحة
طولاً وعرضاً في مئات المؤلفات، بلد "كان أقرب إلى
الظهور للخارج منتظماً في
ديانتين"، المسيحية والإسلامية، وللداخل مؤلفاً من
ثمانية عشر مذهباً كريماً
يتفاعلون، داخل خط الفصل بين الفئتين الأساسيتين،
سرّاء وضرّاء باعتدال وتقارب. لا
بل إن المسلمين بشقيّهما جنحا معاً مرّات كثيرة إلى
الشكوى من غلبة الموارنة
واستئثارهم بكثير من مغانم الدولة اللبنانية الحديثة
العهد آنذاك.
كان التشيع
اللبناني العربي في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته،
تشيعاً يصفه الكاتب
بـ"الطبيعي الخافت"، إذ إن الشعائر العاشورائية
الوافدة من إيران الشاه إلى النبطية
اكتفت بتفعيل السياحة الدينية الداخلية، لافتة النظر
إلى المشهدية والاحتفالية
اللتين يحيط بهما الإيرانيون وفاة الإمام الحسين؛ وقد
لاحظ الكاتب أن وتائر اللطم
والتطبير وما يرافقهما من جراح ودماء أخذت أبعاداً غير
مسبوقة إثر الاجتياح
الإسرائيلي للبنان في العام 1982.
اجتاح الإسرائيليون لبنان ودخلوا بيروت
عاصمته، والثورة الإسلامية تحاول الاحتفال بعيدها
الثالث وهي تحارب على جبهتين على
الأقل: عراق صدّام، ومن وراءه، على حدودها، وأصدقاء
الثورة الناهدة، الحالمين
لإيران بنظام أكثر عدلاً وحداثة، في الداخل.
أما تصدير "روح" الإنقلاب الإسلامي
(انقلابي
إسلامي)، بحسب التسمية الفارسية، فلم يحتج المبشرون
الذين ابتعثهم النظام
الجديد إلى كثير جهد، كي تورف أشجار "حزب الله" غابة
وتدهش زارعيها الإيرانيين
وحرّاسها السوريين "المتحكمين بمصير" لبنان ما بعد
الحروب الأهلية، بحسب توصيف
الكاتب.
لا يفوت أحمد بيضون وهو يجمع خرائد الوشائج التي
استحالت أرحاماً ماسة
بين الجمهورية الإسلامية وشيعة لبنان - لا يفوته
التعبير عن "حرجه" من تفتّح وعلنية
مظاهر دينية وسياسية واجتماعية، ظلّت ولسنوات طويلة
"رهينة كواليس المسرح الطائفي
اللبناني".
لا يتمكث شيخ أكاديميي لبنان طويلاً - في معرض الحديث
عن القران
اللبناني الإيراني المشهور على رؤوس الأشهاد - عند تلك
التصريحات التي سرعان ما
سحبت من التداول، المنادية بقيام جمهورية إسلامية
لبنانية، مفضلاً الحديث عن مرحلة
الإعتكاف الاستراتيجي التي ارتأى خلالها "حزب الله"،
ولو موقتاً، عدم المشاركة في
السلطة معلناً، كلامياً، أقلّه، وعلى لسان قياداته
"لزوم الاحتكام للدستور ولقواعد
نظام الدولة".
بعد حين، خرج "حزب الله" وصحبه عن قواعد الدولة
المكلومة، تلك
التي لم تكفّ في الثلاثين المواضي من إشهار فشلها
واستخفافها، هي ومن أدار دفتها
السياسية، بمواثيقها وصيغها وبرهن "حزب الله" أن كلام
الليل كثيراً ما يمحوه
النهار. بلى كثيراً ما يتراجع الخائضون غمار السياسة
عن مواقفهم، شاهرين الواقعية
حجة. بلى، كثيرة هي الانقلابات التي تكاد أن تودي، أو
هي أودت، من يدري، بفكرة
راودناها وراودتنا؛ فكرة إنشاء لبنان!
كي لا يستأثر أهل الشكائم الجدد بالصورة
كلها، يعود بنا المؤرخ الراصد لحذافير السياسة اليومية
اللبنانية إلى زمن كان فيه
سنّة لبنان يتماهون تلقائياً بالمنظمات الفلسطينية
المسلحة، ناظرين إليها ظهيراً
وجيش دفاع ؛ في تلك الأيام كانت فلسطين هي القضية. وما
لبث السنة والشيعة أن
انتظموا، على حد قول أحمد بيضون، "في جانب واحد". بيد
أن الأمور سرعان ما تعقّدت
حين أخذ الشيعة، في جنوب لبنان تحديداً، يشتكون من
إرتكابات المسلحين
الفلسطينيين.
يعرّج أحمد بيضون، وهو يرسم لوحته، على تأسيس "حركة
أمل" معتبراً
أن الإمام موسى الصدر "رفض الضلوع في الحرب الأهلية
إلا في حدود الدفاع عن النّفس".
وكذا يفعل، ذاكراً مساهمة "حركة أمل" في "انتفاضة" 6
شباط 1984 التي منعت قوات
الجيش اللبناني الموالي لرئيس الجمهورية الجديد أمين
الجميل من دخول بيروت الغربية
والضاحية الجنوبية.
أيام
ذاك، كثيراً ما اشتبكت "حركة أمل" مع الميليشيات
الدرزية بعد أن تأكدتا، وهما في أوج عدائهما، أن آخر
"المرابطين"، الميليشيا
السنية، قد غادر المدينة، وأن سحر السّحرة مجتمعين لن
يظهّر بعد اليوم ياسر عرفات
وصحبه، إذ استعاد جيش حافظ الأسد هيمنته على ما لا
تحتّله إسرائيل من الأراضي
اللبنانية!
تحت جنح الحرب العراقية- الإيرانية، تلك الحرب التي
خاضها بعث صدّام
حسين نيابة عن حلفائه الغربيين وعن جيرانه السنة
المجاهرين بتشددهم المذهبي، دخل
النظام الثوري الإسلامي الشيعي الإيراني في حلف أبدت
الأيام متانته، مع النظام
البعثي السوري.
ومذ ذاك، زرعت شتول الشقاقين الأقتلين: السني الشيعي
والعربي
الفارسي، المهددين لبنان بالأصالة، والنيابة، في عقر
كيانه.
بموافقة عربية
ودولية وضع لبنان الشغب والحروب في قبضة الوصاية
السورية المتحالفة، حلفاً باطنياً
مركباً، فيه الظهر والبطن، مع الجمهورية الإسلامية.
يومها، وبتراض غير مدوّن،
قسّم "المجال "الشيعي بين "أمل" و"حزب الله"، وتركت
للمنظمتين حرية "الاستحواذ على
كل ما هو مهم وفاعل من مقاليد الطائفة"، فأوكلت السلطة
بمنّها وسلواها لـ"حركة
أمل"، وتركت المقاومة، كل المقاومة، بعد أن طرد منها
العلمانيون (الكفرة)، لـ"حزب
الله" الذي بدا راغباً في المثابرة على الصمت
والاستتار تاركاً لسياسة الإعمار
الحريرية أوهام السؤدد والرغد.
رعى السوريون، بحنكتهم الأسطورية ودهاء تصبّرهم
على صغائر وكبائر الشؤون اللبنانية، هذه الثلّة من
التناقضات إلى أن حدث ما ليس في
حسبان البلاد المطمئنة إلى أبدياتها وأنظمتها الخالدة.
على غرة، دمّرت كوكبة من
الجهاديين المبغضين أميركا وسياساتها برجي التجارة
العالمية في نيويورك. مذهولاً
وقف العالم أمام هذه اللحظة الجحيمية.
بلا
طويل تردد، أطلقت الولايات المتحدة
العنان لجموحها العسكري؛ لم تكتف بغزو أفغانستان معقل
الطالبانيين، بل قررت "فتح"
العراق الصدامي، جار سوريا وبلاد الخليج وإيران،
مستهزئة بنصائح الناصحين مبخسة
"بحكمة"
فرنسا الحليف التقليدي.
غيّر دمار البرجين الرمزيين والغزوتين الداميتين
وجه السياسة الكونية؛ بلغت حمم الحرب العملاقة أبعد
دساكر الشرق الأوسع، فكان
للبنان، متحف الملل والنحل ومرآة الشرق والغرب، حظه من
تلك الجلبة العظيمة.
عام
2004،
والمستفيدون من شمس أواخر الصيف المتوسطي يزجون
أوقاتهم بين بحر وجبل، أصدر
مجلس الأمن، بتوافق فرنسي أميركي، أعاد كما أشيع مياه
الود إلى بعض مجاريها بين
الدولتين، قراره الرقم 1559 الداعي بلا لبس إلى اثنين:
إنسحاب سوري كامل وشامل من
لبنان يواكبه تخلي "حزب الله" ومن تبقى من فلول مسلّحة
فلسطينية عن
ترسانتهما.
لم ينزل القرار برداً وسلاماً على أهل الأمر والنهي في
سوريا، قرأوه
ودققوا فيه ثم "عقلوا" وخططوا وتوكلوا.
بالدم والدموع دفع البلد الممرض أثمان
القرار الدولي إذ سارع الظنّانون فنسبوا أبوّته إلى
مروان حمادة الذي نجا من
الإغتيال بأعجوبة ورفيق الحريري الذي كشف مقتله المدوي
عمق وعنف الخط الزلزالي
السني - الشيعي.
مع رحيل السوريين تطبيقاً للقرار الأممي انفضح المخزون
المرعب
من الأحقاد المذهبية.
هذا
إذاً ما خلّفه المايسترو في أثلام رحيله! أتريدون
استقلالاً ؟ خذوه، وخذوا معه ما تستحقونه من حروب
مذهبية قذرة يا أهل الحضارة
والذوق الرفيع!
بمهارة ومرارة وبكلمات مشحوذة رازها مراراً قبل أن
يشاركناها،
يسرد لنا أحمد بيضون فصولاً كاملة من تاريخ لا يتمنّاه
المرء لأعدائه.أهذا ما
اقترفته أيدينا في العشرين الأواخر في فيء المقاومة
والإعمار والاحتلالات؟ أهذا ما
سيطلب منّا أن نشهد عليه من حروب في السنوات المقبلة؟
هل من حضيض أدنى من هذا الذي
زججنا أنفسنا فيه وقوداً ؟ أنلوم جيراننا وأعداءنا
الأقربين والأبعدين ونبرئ ذممنا
مدّعين أن لم يُسمع بعد عن ضحايا وقفوا في وجه
أقدارهم؟
لقد
غلب اللبنانيون
أنفسهم على أمرهم! هذا ما يخلص إليه المؤرخ القلق.
غلبهم تكاذبهم وتفضيلهم أوهامهم
البرّاقة وإنكارهم لمسؤولياتهم، على فجاجة حقيقة ساطعة
يتمسك بها قارئ الكرّاس
الشيق سلواناً وبلسماً، بها يكفّر عن أوزار لبنانياته
الجارحة والجريحة!
(•) "أشياع
السّنة وأسنان الشّيعة: كيف حلّ بلبنان هذا البلاء؟"
أحمد بيضون
-
صدر الكرّاس عن "المركز اللبناني للدراسات" في تموز
2007. وهو، قبل أن يستحيل
كتيّباً، ورقة قدّمت إلى المؤتمر الثاني لمبادرة
الإصلاح العربي المنعقد في عمّان
بين 18 و19 نيسان من العام 2007.
خطوط الزلازل اللبنانية – اللبنانية
الجيولوجيون المعاصرون قادرون على رصد الخطوط
الزلزالية الجغرافية بدقة بالغة،
وهذا ما يحسدهم عليه الباحثون في شؤون التاريخ
والسياسة.
كيف حل بلبنان بلاء
الخط الزلزالي السني- الشيعي؟ هذا ما تحاول تظهيره هذه
التواريخ المفصلية.
1943
عام الإستقلال عن فرنسا. خط التماس الظاهر إسلامي عام
– مسيحي
ماروني.
1975
شرارة الحرب الإهلية. خط تماس مسيحي ماروني – فلسطيني
إسلامي
عام.
1979
الثورة الإيرانية وتصدير الثورة.
1980
الحرب العراقية- الإيرانية
ونشوء الحلف السوري – الإيراني.
رغم كل الحروب والضغوط أدار السوريون
والإيرانيون تواطؤهم هذا بحنكة لم تتمكن الريّاح من
زعزعته.
1982
الإجتياح
الإسرائيلي للبنان: خروج منظمة التحرير وعودة سوريا
إلى لبنان بتفويض عربي
ودولي.إسرائيل تحتل أجزاء واسعة من جنوب لبنان
.
1989
إتفاق الطائف.
1992
رفيق الحريري يشكل وزارته الأولى:
السنة وجدوا فيه زعيمهم المنشود. الشيعة
وزعوا ولاءاتهم بين "حزب الله"، العامل بصمت على
جبهتين: المقاومة وتنشئة مؤسساته،
و"أمل" المشاركة في الدولة. مسيحيو لبنان دفعوا أثمان
الحرب وصار جلّهم في الشرذمة
والشتات.
2000 "جيش
الدفاع الإسرائيلي" ينسحب من جنوب لبنان.
2003
الجيش
الأميركي يغزو العراق ويراهن على غالبيته الشيعية ضدّ
الأقلية السنية التي حكمت
البلاد.
2004
صدور القرار الدولي 1559.
2005
إغتيال رفيق الحريري وإنسحاب
الجيش السوري صدوعاً للقرار الدولي ولضغط شريحة واسعة
من اللبنانيين هالها ما ارتكب
بحق رئيس وزراء لبنان.
2006
اسرائيل تشن حرباً هدفها المعلن القضاء على "حزب
الله”.
2007
خط التماس اللبناني – اللبناني سني - شيعي بامتياز
والرئاسة
المسيحية في قبضة الشيعة.
رشا الأمير
(روائية
وناشرة) |