|
من هو المثقف المستقل.
ليس الاستقلال الى الآن خاصية ملازمة للمثقف العربي.
قد يعارض لكنه ليس مستقلاً، قد
تكلفه معارضته ثمناً باهظاً لكنه لا يغدو مع ذلك
مستقلاً. قد يسقط شهيد رأيه وموقفه
لكن هذا ليس ايضاً الاستقلال الفكري. مثقفونا
المعارضون هم في الغالب متآمرون
وانقلابيون بالدرجة الأولى. إنهم يواجهون السلطة
القائمة لكن بسلطة مضادة. يعترضون
على ما هو قائم لكن توخياً لقيام وضع آخر، إنهم
المثقفون العضويون ولو في هوامش
سياسية وحزبية. يقارعون، السلطة من أجل سلطة أخرى.
إنهم يقلبون حججاً ويشهرون
بسياسات ولكن من اجل توطيد حجج وسياسات أخرى. يرشقون
بنقدهم وضعاً ويغفلون عن الوضع
المقابل، إنهم الذين يتهمون ديموقراطية الحكم ولا
يتهمون ديموقراطية الحزب المعارض
او الجهة المناوئة. يرشقون سياسات الحاكم لكنهم لا
يتعرضون للسياسات المقابلة، إنهم
في النهاية ينتقدون لكن النقد ليس النهاية فما يتبعه
هو التحريض والتعبئة او في
الأقل الدعاوة لجهة معاكسة، مثقفونا المعارضون في أغلب
الأحيان يقترحون برامج أخرى
ويمارسون حكومة ظل ويحلمون بسلطتهم الخاصة. نال هؤلاء
بالطبع الكثير من البطش
وقدموا الكثير من التضحيات والشهداء لكن أحداً ليس
متأكداً من أنهم اذا نجحوا في
مساعيهم وتوصلوا الى إرساء دولتهم لن يفعلوا بخصومهم
عين ما يفعلونه وما فعلوه بهم.
ليس هناك أي ضمانة من أن الثأر لن يكون عنيفاً والرد
من جنس الفعل، يعتبرون أنفسهم
على حق فقد وقع عليهم عسف شديد ويريدون ان يردوه، ولا
بأس ان يردوا الكيل كيلين
فالبادئ أظلم، التاريخ الحديث يروي ذلك بتفاصيل معبرة،
لعبة العسف تظل دائرة مهما
يكن الطرف القائد. وهب ان المعارضين لم يصلو الى الحكم
ولم يتسن لهم الرد فإن سلطة
الظل التي يمثلونها لا تتجرد من أفعال السلطة: النقد
من جهة واحدة وادّعاء وكالة
غير أكيدة والكلام باسم تاريخ غير منظور والغض عن
الحلفاء المفترضين والسياسات
المجاورة.
الواقع ان المثقف المعارض كان الأسبق، بدا ذلك سباقاً
الى السلطة
انخرط فيه كثيرون. فحين انفتح الباب وأزيلت الوجاهات
التقليدية وأمكن للتآمر ان
يفرض سلطته، حين بات الضابط ومعلم المدرسة على رأس
السباق، لم يعد هناك منعة للسلطة
ولا حصانة وجاز للجميع ان يتطلعوا اليها. بل بدا ان
التآمر للوصول اليها قد غدا
لعبة كل يوم، غدت السلطة في المتناول وهرع الجميع
اليها، المعارضون قبل الموالين،
لم يكن التمثيل ولا العدد ولا الاستعداد بأهمية كبيرة،
فالانقلاب يتخطى كل ذلك
والمهم هو المواقع والجسارة. غدا المثقف العربي
المعارض في أغلب الأحيان كاتب سلطان
مقبل. إنه دائماً يضع برنامج المرحلة المقبلة ويرسم
خطط المستقبل، الأرجح ان المثقف
المستقل كان عندها غائباً او شبه غائب، لقد ولد
بصعوبة، إنه تقريباً بسوابق قليلة
وبأسلاف قليلين، لا شك أن عدداً من مثقفي التنوير
الأوائل كانوا مبشرين، وربما لم
تشغلهم مسألة السلطة لكن التبشير من أي نوع كان، لا
يبتعد كثيراً عن التكرس لمسائل
ومواقف هي ايضاً درجة من الامتثال لسلطة غير مسماة،
لمبدأ أعلى قد لا يكون سوى الظل
البعيد لهذه السلطة الغامضة.
لا نعرف اذا نشأ المثقف المستقل عندنا وهل لا يزال
في الغيب. من يصغي الى برامج التوك شو السياسي لن يجد
في المتحاورين الذين يتراشقون
الحجج والحجج المضادة إياها ما يجدد أمله في نشوئه.
سيجد فيها بالعكس خلايا لتكوين
المثقف التابع وسيعجب لا من سهولة تكوين أعداد من
هؤلاء المثقفين فحسب ولكن ايضاً
من وفرتهم وعقلهم الآلي، إنهم الآن «المعلمون»
الحزبيون، وهذه قد لا تكون وظيفة
عليا في الجهاز فالسلطة، الآيلة الى الحزب او المتمثلة
فيه، تملي فرزاً مختلفاً.
هناك حاجة الى الأبواق تختلف عن الحاجة الى الرئاسة
هناك الآن الماندران الحزبي وهو
بالطبع اكثر تبعية فهو لا ينتج حتى أفكاره لكنه يكتفي
بتعميمها. لن نجد أملاً
كبيراً في نشوء المثقف المستقل الا اذا بحثنا في نواح
أخرى، ربما يحسن هنا ان نراجع
مذكرات المناضلين الذين دخلوا الى السجن وأمضوا فيه
أوقاتاً طويلة، أغلبهم سلخ فيه
عز شبابه وخرج منه ليس بجسد آخر فحسب ولكن ايضاً بروح
وعقل آخرين. اكثر هؤلاء، كما
تقول مذكراتهم واعترافاتهم، دخلوا الى السجن بسبب
انتمائهم الى أحزاب، ماركسية
غالباً، لكن خرجوا وقد تحرروا منها بدون ان يستسلموا
الى السلطة او يتنازلوا عن
النضال. المناضلون السوريون الذين دخلوا الى السجن من
تنظيمات حزبية ماركسية وغير
ماركسية خرجوا أكثر صلابة وأقل احتياطاً. خرجوا
ليكتبوا آراءهم غير هيابين
وليعلنوها بدون خوف، ولعل مع خروج هؤلاء انكسر الصمت
المضروب وتجرأ الناس على
سياجه، لكن هؤلاء خرجوا وبينهم وبين تنظيماتهم السابقة
بعد العقل الحر والنظر
النقدي والفردانية غير الممتثلة والثقافة الخاصة، لقد
سخروا بالطبع في زنازنهم من
عقل السلطة التي امتلكوها، وبرنامج السلطة الذي كان
نصب أعينهم والامتثال السلطوي
الذي أدوه لقياداتهم والببغاويه التي كرروا بها
الشعارات والحجج والتثقيف الحزبي
الذي خضعوا له، والتماثل الحزبي الذي شملهم. لقد دخلوا
مثقفين تابعين وخرجوا
مستقلين، ولم يجدوا في استقلالهم ما يقلل من عزمهم ولا
ما يدعوهم الى العزلة او
التخلي.
لعل هذا هو درس الهزائم الأكبر أيضاً، لقد كان الرهان
كله على نصر أي
نصر، وفي سبيل ذلك قفز الضباط الى السلطة وساسوا
الشعوب كما لو كانت جيوشاً. بل إن
هذه الشعوب كانت في مخيال نفسها جيوشاً، صفوفاً لا
أفراد فيها ولاحق في الخروج عن،
او على الصف. كان كل شيء مؤجلاً ما عدا المعركة. «لا
صوت يعلو فوق صوت المعركة».
الذين سخروا من هذا الشعار فعلوا ذلك حين لم يجدوا
معركة ولو وجدوا لما سخروا. أدين
كل خروج وكل انفراد، كل استقلال بعبارة أخرى، لكن
النصر لم يقع والهزيمة الأولى
وربما الثانية او الثالثة أفضت الى تشديد الصورة
العسكرية. بعد الـ 67 تكلمنا كثيرا
عن حرب الشعب، كان الذوبان الماوي في الشعب وفي جيش
الشعب وسلاح الشعب قبلة حماسنا.
لكن هزيمة رابعة لا تؤدي الى الغاية نفسها. هزيمة
رابعة او خامسة وننتبه الى أننا
كنا مضحكين في ثياب الجنود الكاذبين. كنا أدعياء او
حمقى لكننا لم نكن على الإطلاق
ملك أنفسنا، لقد غضبنا ضد الجميع لكننا لم نغضب ضد
الأفكار الرخيصة التي كانت تملى
علينا، ولا ضد الببغاوية التي كنا نتشابه فيها كما
تشابه القردة، ولا الاقتباسات
التي لا صلة لنا بها من كتب حمراء وغير حمراء، ومن
أناجيل للشعب وقادة الشعب. بعد
الهزيمة الخامسة او السادسة بدأنا نقرأ لأنفسنا ونتابع
ما يجدر ونلاحظ بأعيننا كيف
تهوي بنى حسبناها راسخة، وكيف تتدين أفكار نقدية،
ويتقدس أشخاص طالما تكلموا عن
النظر التاريخي والنسبية.
هناك ايضا المنافي، تخرجنا المنافي من أرض آبائنا،
لكنها تخرج أيضا من كل عائلاتنا، عائلاتنا العقلية
والروحية والأيديولوجية. في
المنفى نغدو أكثر حرية بالطبع ولكن أكثر انفراداً
ووحشة وانعزالاً. في مكان كهذا لا
نحتاج دائماً الى غوروات ومرشدين وآباء من أي نوع، لا
نحتاج بالطبع الى أمثولة
متكررة. في مكان كهذا حقت علينا الغربة ولا معنى
للكلام عن جنس وهمي. ثم ان هنا
لغات أخرى، ومع اللغات الأخرى نخرج من ذلك الجلد
اللغوي وربما الجلد الأيديولوجي
والعقلي أيضا، هناك أيضا محكات وقيم ليست دائماً ما
قدرناه في بلدنا. ومع الوقت
يغدو الكثير من امثولاتنا الموروثة ومحكاتنا شاحباً.
مع الوقت نفهم ان رطانة
بكاملها قد بطلت، وأن مغامرة أخرى تنتظر. مغامرة أكثر
تركيباً وتعقيداً وتناقضاً من
تلك التي كلفتنا حياتنا أحياناً، وأحياناً بيوتنا
وعائلاتنا.
انه ثمن لا بد منه
لعذابات حقيقية. لكن من الواضح ان المثقف التابع، حاكم
الظل الصغير، ولو سجيناً ولو
شهيداً، لن تزيد مأساته الا في مفارقة وجوده. طالما
ندفع دية باهظة لما ليس
بالضرورة ثميناً او صحيحاً، او لما يبدو لنا بعد حين
أقل استحقاقاً للعذاب الذي بذل
في سبيله. لكن هذا العذاب يبدو تماماً في محله اذا
أثمر تجربة خاصة، اذا تبلور في
عقل حر وتراكم وكثافة ومسافة نقدية. اذ ذاك يتساوى
المرء مع قدره. اذ ذاك بوسع
المثقف المستقل ان يكون شهيد نفسه اذا شاء وأن يوقع
بقبول ما يعادل حريته. هذا لن
يكون أقل ثمناً، اذا لم يحمل في رأسه مشروع انقلاب،
اذا لم ينافس على السلطة فإن
هذا لا يعني انه لن يكون خطراً. انه يحمل عقلاً غير
ممتثل، انه الذي يسخر من كل
الشعارات وهو الذي يتنكر للغة كاملة يشترك فيها الحاكم
ومعارضوه. إنه الكافر
والمنكر لكل شيء لذا قد يجتمع ضده هؤلاء وأولئك ويرحمه
هؤلاء وأولئك، ان استقلاله
تحذير للجميع، استقلال سيكون بلغة الحاكم ولغة معارضيه
خيانة ومروقاً وخروجاً.
استقلاله سيكون في أحيان كثيرة مريباً مشبوهاً، انه
الذي اعدم منذ وقت في الجزائر
ويسجن اليوم في سوريا، وتصادر كتبه في مصر وفي كل مكان
ويقتل في لبنان.
عام
مضى، لم يحدث فيه الكثير على المستوى الثقافي لكن
المثقف المستقل يوجد اليوم بوفرة
اكثر ويتكون بقوة اكبر ويواجه قدره اليومي، السفير
الثقافي اليوم مكرس للمثقف
المستقل وقدره. لن نتجاوز بعض العناوين وربما
الكليشيهات. لكن الأمر يستحق بعض
الفضيحة.
|