|
«الكلمة
اللي ما تبقى
رصاصة ملعونة وخاينة»
عدلي فخري
حتى ربيع العام ,2003 تاريخ سقوط بغداد،
كان الفكر الأوروبي عموماً يستطيع ان يستسيغ ويتقبل
فكرة المفكر الفرنسي الراحل جان
بودريارد عن حرب الخليج الأولى. كانت تلك الحروب تحدث
في مكان بعيد جداً، ولم يكن
ممكناً لأي كان ان يتخيل انها قريبة من اوروبا إلى هذا
الحد. بل كان التعامل مع هذه
الحروب والأحداث العنيفة التي تجري في هذا الجزء من
العالم، يلائم ايما ملاءمة هوس
الحداثات بالتخصيص والاختصاص. فكانت الخبرة بشؤون
الشرق الأوسط في اوروبا واميركا
امتيازاً بورجوازياً على المعنى الذي ارسته الثقافة
البورجوازية للإمتياز. وكان
يكفي ان يحصّل اي كان بعض المعرفة في شؤون هذه البقعة
من العالم حتى ينبري لحل
مشكلاتها مقترحاً حلولاً يجزم انها صالحة للتطبيق على
نحو قاطع. ولم يكن ثمة ما
يقلق في الانحياز يميناً او يساراً في هذا المضمار
الملغز. بل كان سهلاً على اي
مفكر في اوروبا ان يكيل المديح للثورة الخمينية من دون
انعام نظر وتمحيص. ذلك ان
مثل هذا الانحياز لم يكن يرتب اعباء على المجتمعات
التي ينطلق منها اصلاً، وكان
يكسب صاحبه مظهراً فكرياً عميقاً وثورياً في آن. لكن
الحملة الاميركية على العراق
في ربيع العام 2003 جعلت كل هذا الترف باهظاً وغير
مجد. لم تعد الحروب افتراضية
لأنها تحدث على الشاشات، بل اكتست دماً حقيقياً لأنها
حدثت بالضبط على الشاشات.
هكذا نجح ابو مصعب الزرقاوي وقبله اسامة بن لادن في
تحويل الشاشات إلى ساحات حرب
حقيقية. كان الدم الذي يسيل على الشاشات في مشاهد
الذبح التي بثها الزرقاوي يمنع
هذه الشاشات من ان تشكل عازلاً بين المشــاهد وميدان
المعركة. ابو مصعب الزرقاوي
قرر من غير وعي على الأرجــح، ان مكان حدوث الجريمة
ليس مهماً، وان المهم زمانها
المتكرر بلا انقطاع. وقرر من ناحية ثانية، ان الخطر كل
الخطر لا يكمن في تحول
المشاهد إلى نيكولاس بيرغ المذبوح امام الكامــيرا، بل
في تحوله إلى الزرقاوي نفسه.
انه شبح يجول في اوروبــا مــرة اخرى، الشبح الذي يؤكد
على الشاشات الماحية
للأمكنة، ان ادولف هتلر لم يكن ظاهرة فريدة ولا يمكن
تكرارها، وان العنف الهائل لا
تفسره قوانين المادية التاريخية والرغبة بفتح الأسواق،
ولا حتى حق الشعوب في تقرير
مصيرها. بل ان ما يفسره فعلاً، هو العيش في زمن
الملاحم. اي الزمن الذي يتوخى فيه
القتلة والابطال والشهداء تحقيق معنى ملحمي لا واقعي.
على هذا الأساس يمكن فهم
القناعة الحــاسمة لدى بعــض اللبــنانيين والعرب
والمسلمين بالنصر الإلهي الذي
حقــقه حزب الله على اسرائيل. فالمعنى الذي يراد
تحميله لهذا النصر هو معنى اخيلي
اكثر مما هو معــنى تاريخي. لكن القناعة بهذا النصر لا
تمنع الجنرال الأميركي بيتر
رودمان من القول: حسناً لقد انتصر حزب الله في حربه ضد
اسرائيل، انما كم نصراً مثل
هذا النصر يستطيع لبنان ان يتحمل؟ وعلى النحو نفسه،
يبدو ابو مصعب الزرقاوي وهو
يمسرح انتصاره البطولي، غير مهتم بهزيمة اميركا في
العراق فعلاً بقدر ما هو مهتم
بتغيير معنى الهزيمة والنصر. وعليه لم يعد الحدث
الابرز بعد مآثر الزرقاوي في
العراق، هو ذاك الذي تحدث عنه لستر ثرو، اي احتمال مسح
المعلومات من ذاكرة الحواسيب
في البنك الدولي او صندوق النقد الدولي، بل بات الحدث
الأكبر هو كيفية النجاة من
عدوى الزرقاوي، اي من تحول المنتصرين قتلة بعدما كانوا
ضحايا.
هل نتـذكر
تيــودور ادورنو ومدرســة فرانكفورت؟ الأرجح انه لو
قيض لأدورنو ان يبــعث حياً
ويتجول في شوارع برلينات اليوم، لكان ادرك ان الزمن
الملحــمي له وجهان متباينان.
وان الوفاء الذي هو، بحسب ميشــليه، فضيلة برابرة، يمت
إلى الزمن الملحمي بأوثــق
الصــلات. وما الوفاء الذي يصر البعض اليوم على
اســتمراء الإقامة في زمنه، وهو
يشبه الحداد قطعاً، الا ناتج ما تجلب فعلاً من قراءة
وقائع جرائم الحروب الفاحشة.
الجرعة
والحال، فإن الوجه الآخر لزمن الوفاء الملحمي هو
الجريمة نفسها. اي
ذبح نيكولاس بيرغ امام الكاميرا. وما ان تتحول الملحمة
تاريخاً، او يذهب احدهم
لجعلها تاريخية حتى يقع في حمأة المجزرة. لأن آية
الملاحم هي الخروج من التاريخ
والانحباس في الكتب، وليس الانتساب إليه قطعاً. هكذا
يكون اخيل بطلاً وشهيداً، في
الإلـياذة فقط، اي بين طيات الكتاب، لكنه ما ان يتحول
إلى لاعب معــاصر حتى يصبح
مرضاً معدياً يجدر بالبشرية العمل على استئــصاله
بأعنف طريقة ممكنة.
لكن آخيل
ليس هوميروس. هذا امر لا يحتاج إلى اثبات. هوميروس
الشاعر هو ضحيته. مذبوحه المعلن
والمحتفى بذبحه. وعلى مذابح الأبطال الكثيرين الذين
يعبرون بيننا من دون كلام
واسماء، يتوجب علينا نحن الكتاب ان نعض على موتنا، وان
لا نقول شيئاً.
كان
ميشال ابو جودة يتساءل: ما الذي يمكن ان يكتبه الكاتب
المقتول في قاتله إذا ما تسنى
له ان يكتب في اليوم الثاني لموته. الارجح ان الجواب
كان متضمناً في طيات السؤال:
سيكتب ما كان يريد كتابته قبل الحدث. اي ان القتل يمنع
الكاتب من ان يكتب، لكن
الكاتب لا يُقتل لأنه كتب. بل لأن القاتل يريد ان يجعل
جريمته زرقاوية بامتياز.
كان المثقفون الجزائريون الذين صمدوا في مستنقع العيش
الجزائري في تسعينيات
القرن الماضي يتعرضون للقتل. لأن القاتل يريد ان يجعل
الجريمة اكبر مما هي عليه،
يريدها ان تكون ازهاق روح وكلمة في الوقت نفسه. ان
تكون على وجه من الوجوه، ميتات
متعددة، وان يتنكب لرثاء المقتول كثيرون، وان يُذكر
المقتول اكثر من مرة وفي أكثر
من مكان. وأخيراً ان يتم تجهيل القاتل وتعريف المقتول.
ذلك ان القاتل وهو يحرص على
اشهار قنــاعه واخفاء وجهه يريد ان يوحي ان القاتل شعب
كامل لكن القتــيل فرد
ومنحرف. لهذا تبدو كل كتابة في هذا البلد تشبه
الخــيانة. خيانة الشعب الصامت والذي
يجيد استعمال السكين والمســدس. خيانة الغاضبين ملياً،
إلى حد بات غضبهم مانــعاً
صــلباً امام تشكل الالفاظ كلاماً وخطاباً. وعلى الذين
لا يزالون يظنون ان للمنطق
سلطة ان يموتوا، لأنهم لا يتمتعون بالغضب المصم الذي
يصنع الثورات البكماء.
الانتحار
الأمر بسيط: ليس مهماً عدد الذين يتعلمون في المدارس
في افغانستان
اليوم، وليس مهماً عدد الاطفال الذين انقذت حيواتهم
بسبب من تقدم الرعاية الصحية في
ظل حكم كرزاي. فكرزاي منبوذ وخائن، لأنه ليس غاضباً من
وجه اول، ولأنه ما زال يقيم
للمنطق وزناً من وجه ثان.
على هذا قد يفــهم المرء اللغــو الذي يتخاطب به
سياسيو اليوم في لبنان بوصــفه وسيــلة من وسائل
الدفاع عن النفس. وعلى المرء ان
يجيد مثل هــذا اللغو لينجو من الموت. ذلك ان اتباع
المنطق بات خيــانة. وهذا امر
يبدو كما لو انه يصيب المجتمعات كلها، من برلين
النازية، إلى الديموقراطية التي
ارادات اميركا ان تتفــتح ازهــارها تحت جنازير
الدبابات، وصولاً إلى الانتصارات
التي نحققها على العدو. حيث يموت الناس بالجملة، ومع
ذلك ينتصرون. وفي وسع المرء ان
يسأل نفسه، إذا ما كان لا يزال متمسكاً بالمنطق حتى
الآن: هل المواطــن في حيــفا
اوفر حظاً من المواطن في النبطية، لأنه انهــزم في
الحــرب الأخيرة ضد حزب الله ولم
تنجح قوات جيش دفاعه في تجنيبه خطــر الصورايخ، ام ان
المواطن في النبطية هو الاوفر
حظاً، لأن هذه المعادلة لم ترق إلى وعيه بعد؟
بالعودة إلى آخيل في الالياذة.
كان يجدر بنصف الرجل نصف الاله هذا ان لا يدخل الحرب
التي لا ناقة له فيها ولا جمل.
كان يجدر به ان لا ينتصر على طروادة وان لا يموت داخل
اسوارها بسهم هارب. لكن آخيل
الذي كان يدرك مصيره لم يتردد في الذهاب إليه. على نحو
ما يذهب الانتحاريون إلى
مصائرهم. وحدهم الضحايا الذين تمزقهم انفجارات اجسام
الانتحاريين يلاقون مصائرهم
على غفلة منهم. هل في وسعنا ان نحسب ان المثقفين في
هذه البقعة من الأرض المنذورة
للآلهة وانصاف الآلهة والمقاتلين في سبيل الدين لا
يعرفون مصائرهم ولا يسعون إليها
في كتاباتهم؟ ربما هم يعرفون ذلك جيداًن لكنهم ما
زالوا ينحازون إلى المنطق والكلمة
في مواجهة الصمت والسيف. وانا من جهتي لا أحسب ان ثمة
سبيل للنجاة، لكنني مع ذلك لا
اعرف غير المنطق طريقاً مرشداً، وما زلت اظن ان ليفي
شتراوس كان على حق في ايمانه
هذا.
|