|
يتساءلون كيف يمكن أن
يتم أمر لا أساس له في حكم العقل او حكم المنطق او حكم
القانون. يتساءلون كيف يجوز
للمرء ان يرجع في ساعة عما بشر به طوال ايام وربما
عقود. يتساءلون كيف يمكن تعدي كل
سابقة او ارتجال سابقة بدون ان يرف جفن. يتساءلون كيف
يمكن الاتهام بدون دليل
والوصم بدون حجة. يتساءلون كيف يمكن للاختلاف
والارتجال وإرسال الأمور على عواهنها
ان تتم بدون أي مساءلة وبدون أي محاكمة. يتساءلون كيف
يمكن تجاوز كل شيء. يتساءلون
لأنهم ساذجون او أبرياء او آتون من كوكب آخر. يتساءلون
لأنهم يريدون ان يعفوا
انفسهم من السؤال الأكبر او يرفعون عن كواهلهم السؤال
الأكبر. يتساءلون.. سيبقى
السؤال في حيز لا يؤذي. لكنهم لا يجهلون في الغالب
أنهم تجاوزوا كل ذلك منذ زمن
وزمن. لا يجهلون ان اسئلة كهذه باتت خلفنا وأنها
احترقت من ذلك الحين. لا يجهلون ان
دعوى العقل والمنطق والقانون هي دعوى لم نستحقها في
يوم. او ربما استحققناها
وتجاوزنا عنها. ان جسوراً أكبر من ذلك أحرقناها وما
عاد في وسعنا ان نعود. لا
يجهلون أننا تجاوزنا منطقة العار وأن كل شيء مباح بعد
هذه المنطقة. كل شيء ممكن
ومعقول ومنطقي بعد اليوم ولا معنى للكلام عن محاكمة
ومساءلة. أغرب ما فينا أننا
نريد أن نغفل كل شيء برأس مرفوع. أننا نغرق في
المستنقع وكأننا في النعيم. أننا
نباهي ولا زلنا نباهي الأمم. أغرب ما فينا أننا نحمل
الآخرين ذنبنا تجاه أنفسنا.
ونحمل أنفسنا ذنوب الآخرين تجاهنا، ونحمل أنفسنا
أحياناً ذنوباً لا شأن لنا بها.
أغرب ما فينا نحن اللبنانيين أننا نحسب ان لا شيء
يجعلنا قذرين، ولا شيء يجعلنا
سفلة ولا شيء يجعلنا جبناء. كل هذا الكذب لا يلوثنا.
كل هذا الاستتباع والخضوع لا
ينال منا. كل هذا البيع للنفس في الكساد لا يجعلنا أقل
أنفة. أغرب ما فينا نحن
اللبنانيين ان لا شيء يؤثر فينا سوى هذا التطاول على
جمالنا. على حساسيتنا ورقتنا
وشاعريتنا. وهذه أمور لا نعرف كم جرحناها وكم نجرحها
وكم صارت سقطاً وخشباً وهشيماً
منذ عقود وربما أجيال. نحن اللبنانيين نبقى عائمين في
الورد ولو كان دمنا سائحاً.
تبقى انوفنا في السماء وحتى ونحن ركع. نكذب لأننا
أنقياء. نبيع أنفسنا بسبب كرمنا،
نتاجر بكل شيء بسبب مهارتنا وذكائنا. نحن اللبنانيين
نبارك كل غازٍ، ونلتحق بكل
دخيل ونشرع أبوابنا للجميع، ونتكلم كأبواق لكن نقتتل
على سقط السقط، ونحترب على
وهم، ونتصارع على أسماء كاذبة، لقد تجاوزنا العار.
وبعد العار لا يصح أن نتكلم عن
ذاكرة او خجل او ندم او بيع او اتجار. بعد العار لا
يتكلمون عن محاكمة ولا مساءلة
ولا اتهام ولا شكوك. بعد العار لا شيء سوى ارتجال
الدناءة، عبقرية الكذب. لا شيء
سوى العار.
|