|
للمرة الأولى منذ عقود بات يسمح لشرائح ومواقع سياسية
لبنانية بالمشاركة باختيار رئيس للجمهورية، أو إبداء
الرأي في مواصفاته، وشخصه، ودوره، وطبيعة تمثيله...
هذا كان محور التنازع حول المرشحين سواء من اقترحتهم
جماعة 8 آذار أو 14 آذار، من ضمن اللائحة التي طُلبت
من البطريرك أو من خارجها، ذلك أن الوصايات المتعاقبة
كانت هي تنتخب عبر المجلس النيابي رئيس البلاد.
والكارثة التي لا نزال نعانيها اليوم، نتجت عن
"انتخاب" الخارج آخر جنرالات الرئاسة (لحود) ومن ثم
التمديد له، ضد إرادة الغالبية الشعبية اللبنانية. هذا
ما يجب لَحْظُه برغم كل ما جرى ويجري من محاولات
لإفشال الاستحقاق الرئاسي بعد "رحيل" بومة بعبدا
"البسَّامة"، الذي كان وجوده أفظعَ الفراغ، وأكلَحَه،
وأعهَرَه. صحيح أن التجاذبات الداخلية كانت مرتبطة على
شكل أو ما بكواليس الخارج، وموقعه بإمضاءات الترهيب،
والتهويل، والتهديد، والاغتيالات من جنرالات ورموز
الوصايتين، ومن رواد الانقلابات والانغلابات والسطو
على السلطة ومصادرة الدولة. إلاّ أن ذلك يعني أيضاً
أنه كان للبنانيين حصة في هذه المداولات، بحيث يمكن
القول أنه للمرة الأولى يحاول اللبنانيون (أو
أكثريتهم) انتخاب رئيس لهم.
وكلنا يذكر مَنْ دفع ثمن الاعتراض (مجرد الاعتراض) على
التمديد لفقيه الجهالة إميل لحود، من مروان حمادة
(محاولة اغتياله) الى الشهيد رفيق الحريري، وسائر
الشهداء، وكيف كان على أكثرية الناس أن تُهدد بحياتها،
وبمصيرها، نتيجة "الاعتراض" أو الرفض، ذلك أن مناقشة
الوصايتين كانت من "الكبائر" و"الفظائع" والخطايا
المميتة والخيانة الموصوفة والعمالة الساخرة: فكيف يحق
لأي لبناني أن يفكر باسم رئيس ما دامت الوصايتان
تفكران عنه، وكيف كان لأي كان أن يجرؤ على أن يقول
"لا" أو "نصف لا" أو "ربع لا" لإرادتهما. وكلنا يتذكر
أن فرض الرئيس كان يعني الفراغ أولاً وأخيراً: يعني
رئيساً عميلاً فارغاً "تعبئه" إملاءات الخارج: ولهذا
لم يعرف قصر بعبدا فراغاً أرهب من الفراغ الذي خلّفه
إميل لحود أثناء وجوده (الشكلي) بين حيطانه وحماماته
ومطابخه ومسابحه.
وهنا العجب: دبّت الغيرة فجأة عند عملاء الوصايتين على
التمثيل المسيحي في الرئاسة باعتباره التمثيل الأكبر،
بعد "تبخر" لحود المُبَخَّر أصلاً. وراحت حناجرهم
ومنابرهم ولإيجاد مناخ من الفتنة تحرض على تسلّم
الحكومة صلاحيات الرئيس ولو بالأمانة أو بالوكالة كما
ينص الدستور. أف! من أين هذه الغيرة المفاجئة والحنو
من قوم حفروا الفراغ طويلاً في هذا الموقع، وهجروا
معظم الزعماء الموارنة من جنرال الرابية وبلبلها
وصداحها، الى العميد ريمون إده الى الرئيس أمين
الجميل، الى سمير جعجع (في السجن). سجنوا زعماء
الموارنة وانتخبوا عميلاً خوارجياً، ومددوا لفراغه،
وها هم اليوم يعبرون عن الحرص الشديد: كيف تشغر السدة
الرئاسية المارونية (الشاغرة أصلاً) وكيف تتسلّم
الحكومة الحالية مقاليد السلطة. يا للعهر. وكاد بعض
"المسيحيين" يصدقون: "راحت الرئاسة" عن الموارنة!
"دُبّوا الصوت"! إذاً فلنحرّض على الحكومة التي يرئسها
"سُنّي" بحجة أن السُنّة أكلوا "حصة" الموارنة! يا
للهول! (بالإذن من يوسف وهبي)، وكأن الموارنة هم الذين
جاؤوا بإميل لحود، لكي يكون رحيله ضربة لوجودهم، وكأن
البطريرك هو الذي اختاره، بل وكأن المجلس صوّت له
بإرادته الكاملة، وكأن إميل لحود كان فعلاً يمثل
الموارنة في الرئاسة، وهذا الأمر ينطبق على حكومة
كرامي الأخيرة التي أسقطتها ثورة الأرز؛ كانت شبه
خالية من التمثيل الماروني والسنّي والدرزي، ومع هذا
ساندها بتوع الوصايتين، وكانت بنظرهم "ميثاقية"
بامتياز ودستورية أيضاً مئة بالمئة. وعلى هذا الأساس
ها هم يتّهمون حكومة السنيورة بأنها غير شرعية وغير
دستورية وغير ميثاقية لأن بعض الشرائح الشيعية
الأساسية انسحبت منها! إذاً أن يغيب ثلاث طوائف أساسية
عن حكومة كرامي وتبقى ميثاقية ودستورية وشرعية، وأن
ينسحب بإرادتهم ممثلو طائفة معينة فلا تكون ميثاقية!
برافو!
لا فُضّتْ زلاعيمكم! وها هم اليوم يلعبون اللعبة
بالمقلوب: الذين تآمروا على التمثيل المسيحي والسنّي
والدرزي واليساري واليميني) ها هم يفنجرون أشداقهم
غيرةً عليه! حكومة نالت ثقة الأغلبية البرلمانية
المنتخبة غير دستورية، وحكومة سالفة (كرامي) معينة من
الخارج وبغطاءات هشّة شرعية، ولا يستحون!
إذاً عندنا أول حكومة استقلالية هي الحكومة الحالية،
وها نحن على مشارف أن يكون لنا أول رئيس في العهد
الاستقلالي الثاني. وهذا ليس بالأمر السهل، واليسير
والمقبول من بعض المواقع الوصائية: ذلك أن ديدبانهم
كان في إحداث فراغ، أو فوضى، على مستوى الدستور،
والرئاسة، والمؤسسات، تمهيداً لضرب الجمهورية وقيمها
والطائف وتوازناته، والديموقراطية وآلياتها، ومن منّا
لم يتابع الفصول الانقلابية المتتابعة في الاغتيالات،
واحتلال الوسط التجاري، وعمليات التخريب في كانون
الثاني الماضي، وحركة العبسي (وهي موازية لتحركات 8
آذار وخطوطها الحمر!). كل هذا من أجل حماية الدستور!
والتحرير! والديموقراطية (!) والحرية (!) والازدهار،
وتأمين مسارات سلمية للحراك السياسي! بمعنى آخر: كان
بتوع الوصايتين (وما زالوا) يحاولون استنزاف كل ما من
شأنه إعادة الأمور الى طبيعتها، والمؤسسات الى
فاعلياتها، والدولة الى دورها، والنظام الى آلياته،
والسلطة الى أهلها الشرعيين: استنفاد على كل الصعد:
الأمنية، السياسية، الاقتصادية الاجتماعية
(الكانتونية)، المدنية (التسلح والخطاب الغيبي
والطائفي)، بغية استنفاد وجود الجمهورية نفسه، تمهيداً
للانقضاض عليها شلواً أو إرباً، أو لقمة سائغة في
الأشداق. (لكن الجمهورية لم تعد لا صحن مُجدّرة ولا
طنجرة برغل بدفين: إنها وطن يا بتوع الوصايتين!).
اليوم، تستمر المحاولات، لكن مع دخول عنصر جديد (ربما
قديم) على الخط بشكل جدي هو الجنرال ميشال سليمان،
الذي لم يكن، كما يُعرف، ضمن لائحة بكركي، وأشيع أنه
مرّ باقتراحات خجولة (أشيع) عند "8 بازار". وقيل أن 14
آذار لم تقبله لأنها كانت ترفض تعديل الدستور أو مجيء
عسكري الى السلطة وطلعت الأصوات المعروفة باتهام 14
آذار بعرقلة الاستحقاق للوصول الى الفراغ! (بالطبع
إتهموا أميركا وفرنسا وبعض العرب من خلال ذلك وبرأوا
ملائكة الوصايتين)، عال! أما وقد أبدت بعض قيادات ثورة
الأرز تأييدها للجنرال سليمان فقد قامت القيامة عليها
من جديد، واتهمت بالمناورة، لإحداث انشقاق في صفوف
المسيحيين(!) باعتبار أن كل مرشح غير ميشال عون هو
فتنة بين المسيحيين! (فيا لغيرة أهل التثليث والتربيع
والتدوير على المسيحيين، وعلى مصيرهم! يا للغيرة
الصادقة المِصداق الصدوق) ولم تسلم حكومة السنيورة من
سهامهم! (ميشال عون يهدد بالنزول إلى الشارع لحمل
الحكومة على الاستقالة!). عال! مع هذا من دون ان
يعلنوا موقفهم من ترشيح لسليمان او لتعديل الدستور!
أكثر: بعضهم (وبعضهم نجيب ولبيب وَحرِّيق يا عين) رأى
في اقتراح 14 آذار ترشيح سليمان وتعديل الدستور فخاً
سيؤدي إلى انتخاب سواه بعد توفر الثلثين في المجلس.
(اعتادوا لحس تواقعيهم والتنكر "لوعودهم" فكيف يصدقون
الآخرين!). والجديد ايضاً ان بعض 8 آذار بدأ يتكلم
(وراء الجدران طبعاً) عن صفقة سورية ـ أميركية (اين
ايران يا شباب)، بل وبدأ بعضهم بانتقاد الوصاية
السورية لأنها (كما يقولون) أمَرَت لحود بالذهاب الي
بيته من دون تنفيذ تهديداته: البقاء في بعبدا او تأليف
حكومة ثانية، وسهلت اختيار قائد الجيش رئيساً مرشحاً!
اللعبة "احلولت"! وها هم بعضهم على ارتباك وفي شِدقِه
ماء! لا يجرؤ على مهاجمة الوصاية السورية علناً ويعوض
عن بسالته بالهجوم على الحكومة وعلى 14 آذار! (ابطال
والله ابطال ومغاوير وصناديد!) اذاً لماذا هذا
الاستنكاف عن دعم مخططات الفراغ في لبنان. كيف نُترك
في بحر هائج! ها في هذا المأزق "العضوي" وكيف الخروج
منه همُ بأقل الخسائر الممكنة (المعنوية والفراغية
والانقلابية!).
هنا المسألة: التوافق بدأ يلوح (حتى الآن): جزء من 8
آذار بدأ يؤيد هذا التوافق على قائد الجيش وتعديل
الدستور (ربما "أمل" وبري، ربما نصف أعضاء التكتل
العوني: يقال انه لن يبقى من كتلة ميشال عون سوى سبعة
بعضهم من أقربائه!) ما العمل "ونجم المسرة" قد أفل؟
بمَ تهدد: جنرال الروابي الواطئة ميشال عون انضم
أخيراً (أول من أمس) الى مواكب تأييد ميشال سليمان
وربطها بمبادرته (وهي اختزال لموقف حزب الله والوثيقة)
وقال عون ان الجنرال سليمان كان "الورقة المستورة" في
"مبادرته الانقاذية"! لكن مع هذا يصر على ان ينزل الى
الشارع ويدفع "بجمهوره" الى الاعتصام: هل يعرف احدٌ
لماذا؟ ما دام هناك توافق على قائد الجيش فما معنى
النزول الى الشارع؟ شيء خرافي، والله! شيء من
العصفورية!
اذاً التوافق أخيراً على "جنرال التوافق"؟ أي جنرال
يخلف جنرالاً ويسبق جنرالاً آخر. لكن الفارق بين
الجنرالات الثلاثة ان الأول (لحود) كان غطاء للاعتداء
على الجمهورية وعلى الدستور وعلى السيادة والاستقلال
والمجتمع المدني ومعرقلاً للمشاريع الاقتصادية وحامياً
للنظام الأمني المشترك ومتآمراً على القرارات الدولية
(مع هذا كان بنظر البعض "الرئيس المقاوم" و"اشرف
الناس" يا عين!)؛ اما الجنرال الثاني (حَسّون
الرابية)، فنعرف كلنا ماذا فعل بالبلد: صنع حربين
متتاليين: التحرير ضد سوريا لأن الرئيس حافظ الاسد رفض
تأييده للرئاسة آنئذ وحرب الالغاء ضد القوات اللبنانية
"لتوحيد البندقية" وتصفية كل وجود سياسي مسيحي دونه.
والنتيجة خَبرَها وعلمها الجميع. وها هو مستمر
اليوم... وان عدل مساره (حتى الآن، من يدري). اما
الجنرال الثالث ميشال سليمان، فلم يُعرف انه زج الجيش
في حروب داخلية من أجل الوصول إلى الرئاسة، ولم يعرف
انه يعادي المجتمع المدني، ولا يسعى إلى نظام أمني..
على العكس تماماً: فالجيش خاض معركة الاستقلال من خلال
حمايته التظاهرات الاستقلالية السلمية، وخاض معركة ضد
الارهاب العبسي في مخيم البارد، وكلفه ذلك عدداً
كبيراً من الشهداء.. إذاً الجنرال الثالث، وهو الأقل
صخباً، في الطريق (حتى الآن) إلى الحصول على التوافق
من مختلف القوى الموجودة في لبنان، يبقى الدستور: فهل
سيحاول بعض "المعرقلين" استغلال هذه النقطة لخربطة
التوافق، وإعادة الأمور إلى نقطة الصفر؟ سؤال يتبلور
في الأيام المقبلة لا سيما وأن الرئيس بري أجل موعد
الاستحقاق إلى السابع من كانون الأول، فهل تكون الأيام
السبعة فسحة لايجاد مخارج لتعديل الدستور، ام ستكون
مناسبة لخلط الأوراق من جديد؟ والله لا نعرف! لكن يقال
ان هناك شبه اتفاق ضمني سبق اعلان التأييد لقائد الجيش
ولكن من يدري. فقد تعودنا ان يغير بعضهم "مواقفه" كما
يحلق ذقنه، أو يغير قمصانه! ولكن "نظن أنه إذا حاول
بعضهم "ركوب رأسه" والتعنّت من جديد، واستأنفت في مخه
نزعات الفراغ... وعادت المواويل الانقلابية.. إلى
حناجره فالأمور لن تبقى على ما هي عليه.. وستدافع
الجمهورية عن قيمها بالكأس المرة أو الحلوة...
مع علمنا، انه حتى بعض الذين ايدوا ميشال سليمان
للرئاسة، ما زالت عندهم "مشاريعهم" المستمرة،
وأساليبهم المعروفة، التي لن تنتهي (كما نظن) بانتهاء
أزمة الاستحقاق الرئاسي، بل وقد تستمر غداً مع
استحقاقات أخرى: الحكومة العتيدة، قائد الجيش الجديد،
المقررات الدولية، وقانون الانتخابات.. كل هذه محطات
نظن انها ستُعالج من قبل "الانقلابيين" بالطريقة التي
عولجت بها قضية الحكومة الحالية، والاستحقاق الرئاسي
أي باللجوء الى التهديد والعنف والتخويف والتخوين
واستنفار فلول النقابات والتجمعات التابعة".. هذا نراه
أمامنا منذ الآن، ولكن فلنترك هذه التكهنات جانباً،
حالياً، وَلْيَسعَ الجميع بما ملكت يداه إلى حل أزمة
الاستحقاق الرئاسي، لمحاولة استيعاب (قدر الامكان) ما
قد يخطط لهذا البلد من هنا وهناك وبمباركة اسرائيل في
كل الأحوال!
الجنرال الثالث هو الأول إلى الرئاسة؟ وهذا برغم كل
شيء (انا لا أحب العسكر في السياسة!) "مكسب"، لأن
الثالث الذي بات أول، لا يتمتع بمواصفات الجنرالين
السابقين، وإنما فيه الكثير من ملامح الجنرال التاريخي
فؤاد شهاب طبعاً.. من دون المكتب الثاني والمخابرات
والأجهزة الأمنية ومصادرة الحريات!
فهل ستُذلّل العقبات ليعبئ الجنرال الذي حارب
الارهاب.. الكرسي الرئاسي الفارع منذ عدة عقود؟ أم
أننا قد ننتظر الانقلابيين ينقلبون على هذا التوافق،
عبر "كلمة سر" تهبط عليهم من هنا وهناك... لنبدأ مرحلة
الفراغ بكل تداعياتها وخرابها وجنونها؟.
بول شاوول |