المستقبل 10-11-2007

حٍرفَةُ الوقوف على حافة الهاوية

بول شاوول

كيميائيو الخراب، وفيزيائيو المنقلبات، ومعماريو التدمير، ودهاقنة القتل، يهددون، (كعادتهم وبطبيعتهم وباكتسابهم أيضاً)، بأنه إذا لم يحصل كذا وكذا... (أي على هواهم) فسينتهي البلد، ويرمّد ترابه، وتدمى أنهره، ويزول عمرانه، وتنهار مؤسساته، وينقرض شعبه، ويسقط كيانه...! إنهم جماعة "إذا" و"ولو" و"إما" و"إن"... إنهم (وللتذكير) لبنانيون يهددون أهلهم بالقتل، وناسهم بالابادة، تأملوا (كنّا ننتظرها دوماً من اسرائيل... فأراحوها من هذه المهمة وتنكبوها بعزيمة وطنية مؤمنة سامية وعالية فبراو! أكيد أن اسرائيل تشكرهم على ما يبذلونه من أجلها، وعنها! براو!).
ويظن هولاء أن ما يهددون الناس به (للابتزاز والتشهير والتشهيد) سيفعل فعله السحري العجائبي السريع، فيخرّ الناس ساجدين لهم، مُلَبّين شروطهم، خاشعين أمام سطوتهم! (تماماً كما يفعلون هم أمام أربابهم، وأسيادهم في الخارج: دجاج هناك وذئاب هنا! علينا.
إذاً ها هم يمارسون ما سبق أن مارسوا لعبة الترهيب من باب التهويل (المموَّل) المقرون بأفعال القتل، والرعب (المموَّل)، والعراضات (التخويفية) بذريعة الدفاع عن لبنان، وهي موجهة أصلاً على اللبنانيين!
عال! وصلت الرسائل! وفكت شيفراتها! ولكن ما يعرفه وينساه وكلاء الوصايتين، أن ما يرتكبونه ليس جديداً على اللبناني، ولم يعد أمراً يدهشه، أو يذهله، أو يفاجئه، أو يدفعه (رعباً وترويعاً) الى رفع الأيدي استسلاماً، وطأطأة الهامات طاعة!
عندنا اليوم الاستحقاق لانتخاب رئيس جديد بعد انتهاء ولاية لحود الفقهية الوصائية القسرية، وحول هذا الاستحقاق تحوم التهاويل والمناورات (السياسية والعسكرية والأمنية)، وتدق نواقيس "القيامة الآن" (بالاذن من كوبولا). هذا صحيح، لكن ومتى لم يكن لبنان، وعلى امتداد تاريخه، وخصوصاً في العقود الثلاثة الماضية، منصة لإطلاق مثل هذه التهاويل (والحروب)، ومحطة يتدفق منها كيميائيو التخريب وفيزيائيو العدم من كل أوْب وصوْب، بغية الترهيب لمصادرة القرار الوطني، والتدمير لاختبار الصلابة، للانسياق الى المشيئات المفروضة. إذاً تعوّد لبنان كل ذلك، وعاشه وكابده وقاومه أيضاً ودفع أثماناً غالية، بل وشغف بها أحياناً انسجاماً مع الاحساس بضرورة صد المغامرة بالمغامرة والجنون بالجنون وحرفة الوقوف على الهاوية. وكلنا يتذكر في الأمس القريب (الوصايات المتعاقبة) والأقرب: أهل الوصايتين والوصيتين والولايتين والوكالتين، إنهم وحفاظاً على "قيم" الاستبداد، ووفاء لـ"معاني" الدكتاتورية الموروثة، وصوناً لإرث "الغزو" و"السبي" والاستباحة، درجوا على التمسك (بالروح والدم) بهذه "المبادئ" و"الثوابت" (القومية والالهية معاً!) وترديد لازماتها وكوبلاتها: إما أن تفعلوا كذا وكذا... وإما الحرب والويل والخراب... فهم عن جدارة جماعة "إما" و"إذا" و"أو" و"لو"، لا يجيدون سواها، وها هم، وتناغماً مع مقولاتهم، يؤكدونها، إنها لغتهم "المسمارية" الوحيدة: كما نعرف، من موروثات متقادمة أبرز تجلياتها المعاصرة الأنظمة الشمولية من الستالينية، الى النازية، الى الفاشية، فالصهيونية فالأصوليات الدينية والعرقية والمذهبية المتعددة والمتنوعة على تشابه منابتها وثمارها (المسمومة) مروراً ببعض الأنظمة العربية التي اختارت من هذه الصنوف المذكورة ما يلائم أساليبها القمعية، وما يرشد ذهنيتها الاستبدادية.
وعندما تسمع أصوات هؤلاء الجاعرة، وراء الميكروفونات، وتراهم بقسماتهم في الصور والتلفزيونات، وأصابعهم تُشهر تهديداً واستعلاء (كل الفاشيات استعلائية، بحمده تعالى)، تتذكر مباشرة ومن دون أي جهد "قامات" عالية عرفتها البشرية وكانت من أسباب بؤسها وخرابها: تتذكر جنون هتلر وهو يخطب في الجماهير الطائعة المسلوبة العقل المغسولة الأدمغة المضبوطة (ما أرعب الجماهير الطائعة إنها وقود كل الجرائم وأدواتها)، بحركاته الهستيرية، وتتذكر استكبار موسوليني وشخصانيته، وتتذكر ستالين بدهائه القاتل وباطنيته السوداء وتتذكر أيضاً غوبلز وجدانوف... ذلك ان الأنظمة المجرمة، والأحزاب الطاغية، تحتاج الى قاموس سياسي يعتمد الكذب والنفاق والتضليل (الكذب للتصديق، والصدق للتكذيب!) فالقاتل يحتاج الى مَنْ يبرئه، والمستبد الى مَنْ يُجمّل صورته، والمجنون الى مَنْ "يعقلن" تصرفاته.
اليوم، وعندما نرى "بتوعنا"، آخر عناقيد الارث الفاسد، كأننا نرى مومياوات تردد أصداء ما تردد في نواحي الماضي الأسود. ونتذكر كل الذين وفدوا الى لبنان على ظهور بعض اللبنانيين الأجراء والوكلاء، ورفعوا ما رفعوا من أيدٍ وأصابع وأسلحة علينا ونفذوا ما نفذوا من مجازر إما باسم العروبة أو باسم الايديولوجيا أو باسم لبنان!
إذاً بضاعتهم عتيقة تجد مثلها عند "عتقجية" السياسة، وعملائها، والمرتزقة بوفرة! فهم يستخدمون "أساليب قديمة" مسحوبة من مخوخهم القديمة، ومن خزائنهم العفنة، ليؤثروا على أكثرية اللبنانيين لفرض شروطهم (شروط الخارج) في الاستحقاق الرئاسي.
فهذا الاستحقاق يساوي بالنسبة إليهم مصير بلادهم، وشعبهم: انتخابات رئاسية تعادل بقاء وطن أو عدمه! فيا لهذا الوطن "الرخيص" بالنسبة إليهم. وهذا الاستحقاق إما أن يكون على مقاس إرادة الوصايتين وإما "ودِّعوا لبنانكم وأمنه ووحدته وتاريخه وجغرافيته وتاريخه". (ويدَّعون أنهم "لبنانيون"، يا للخسة!)، لتفهم أن لمصلحة هذه الوصاية أو تلك يمكن أن يتعرض البلد لكل احتمال. براو: نحن مثلاً نشكر إيران لأنها ساعدت المقاومة (شكراً)، ولكن لا ندمر بلدنا من أجل أن تصان إيران: لا نُخَرِّب بلدنا في حروب عنها، لكي تحارب بنا، مع كل التداعيات المعروفة للحروب: معركتها مع أميركا (حليفتها في إسقاط صدام وطالبان) عال: نحن معها: ولكن أن ندفع ثمن صراعها مع أميركا لأنها ساعدتنا ولأنها تساعد وكلاءها بالمال والسلاح، فهذا ثمن على إيران أن تدفعه لا لبنان! ولهذا لا يمكن أن يكون لبنان بكيانه وبنيته واقتصاده ودوره ثمناً (وحيداً) لحرب بعيدة بين هذه الدولة أو تلك. فلبنان، كبلد أكبر من أن يكون ثمناً لصراع دولتين أو نظامين أو تداعياً لظاهرة أو لحادثة أو لجريمة. وقد دفع اللبنانيون ما دفعوا على امتداد أكثر من ثلاثة عقود مثل هذه الأثمان الباهظة، كجزء من صراعات الآخرين عندنا. وإذا كان بعضهم يتهم الأكثرية بالرهان على الخارج، فنحن نضم صوتنا إليه، شرط أن يتخلى هذا البعضهم عن عمالته المدفوعة للخارج. فالعميل للخارج لا يحاضرنا لا بالسيادة ولا بالنقاء، ولا يعظنا بالحرية مثلاً من يشغل عند أهل الاستبداد، وعلى هذا الأساس يعودون اليوم بالنبرات القديمة ـ الجديدة عشية الاستحقاق، ليخضع اللبنانيون لمشيئة أربابهم من الخارج البعيد والقريب. أي يريدون بالقوة إما رئيساً لا يكون رئيساً إلا كمرؤوس عند وصايتهم، وإما رئيساً لا يكون رئيساً عند أحد، لا من الداخل ولا في الخارج، فيكون خِرقة بيدهم، وإما لا يريدون رئيساً منتخباً فَتُعَلَّق الجمهورية رئيساً ودولة ومؤسسات في الفراغ. ومن هذا الفراغ يتسللون الى منقلباتهم العنفية، بمساعدة الشقيقتين البارتين مالاً (ما أجمل المال المهراق من الغيوم السماوية والالهية خصوصاً أخضر الدولار) وسلاحاً، وعتاداً ورجالاً! عال! وإذا كان أكثرية اللبنانيين يحرصون على لبنان بتجنيبه الحروب التي عاناها وخبرها، ويحاولون بشتى الطرق التوافق على الحدود الدنيا حافظة السيادة، والدولة، والاستقلال والقرارات الدولية، والناس الممتلكات والتخريب، بل ويحاولون الاقتراب أكثر من اللزوم من نوع من "التنازلات"، وهذا لا يعني خوفاً أو رعباً، أو تهيّباً، أو إشارات امتثال. فأكثرية اللبنانيين تعرف أن بتوع 8 بازار لا يهمهم هذا البلد لا من قريب ولا من بعيد، فهم من "جيوش" جنرالات الخارج، ومجانينها، ويعرفون أنه ولقاء استحقاق أقل من رئاسة الجمهورية، يمكن أن يقدم هؤلاء على إشعال البلد وتدميره، وقد جرّبوا مثل هذه التجاريب سابقاً، وقاموا باعتداءات على الناس والممتلكات. إذاً يعرف الناس طينة هؤلاء و"جبلتهم" الفاسدة وإن تحت غيوم بيضاء من الشعارات البيضاء، والهالات الهيولية، ويعرفون "نياتهم" واحتمالات ما قد يقدمون عليه، وما قد يتصرّفون على أساسه. فالمغامرة غير المحسوبة مشروعة في بلادهم يركبونها ليجنبوا بلداناً أخرى وأنظمة أخرى كل ما يمس أمانها وراحتها وسلمها. (فكُرمى للوصايتين هذا البلد يا بتوع البازار المفتوح)، كل هذا معروف سابقاً واليوم الاستحقاق الرئاسي: وسيضاعف هؤلاء جهودهم لإرهاب ناسهم، وجمهوريتهم، واستخدام أبشع الوسائل الاعلامية (النازية والفاشية) لإحداث تأثيرات ترويعية فيهم. وها نحن نشهد ما نشهد من "لَوَكة" الألسن، وعَلَقَة الزلاعيم، وَرَفَعَة الأصابع والأنوف تهديداً (لا فُضَّتْ بإذنه تعالى جمالاً وحضارة!) لكن مع "احترامنا" "لذكاء" 8 بازار الاستخباراتي (لا السياسي)، والأمني، ومع احترامنا لخبراتهم المديدة والمتطوّرة في شؤون التضليل، والتخويف، والكذب، وقطع الرؤوس، وتفجير الأماكن، والاغتيال، ومع احترامنا "لحسابات" هؤلاء "اللوذعية" ودقة "عملياتهم" الميدانية، مع احترامنا لكل هذه الخصائل (المجرمة)، والفضائل (الشنعاء)، فإن ما فاتهم ليس بقليل، وكأنهم وبرغم تفوّق إدراكاتهم "الغريزية"، لم يستفيدوا لا من عبرة الماضي، ولا من خبرات هذا الشعب (كم يحتقرون شعبهم خصوصاً شرائحهم الاجتماعية وما أرخصه بالنسبة لفواتيرهم وحساباتهم)، ولا من تجارب "أمثالهم" في المدى القريب جداً أقصد مختلف الميليشيات وعقولها الكانتونية وارتهاناتها الخارجية ومشاريعها الانتحارية أيام حروب الآخرين عندنا بحمد العروبة وبحمده تعالى آمين! فكأنهم، ومن شعور زائف بالتفوّق (كل الاستبداديين يتمتعون بحس زائف بالتفوّق... حتى الألوهة وإدعاء النبوات دقي دقي يا ربابة!)، ها هم من جديد يقعون في خطأ التقدير، تقدير حرص الأكثرية على الخطوات الديموقراطية في الاستحقاق الرئاسي، وفي ظنهم أن "ديموقراطيتهم" هي نقطة ضعفهم، وان أي تلويح بالعنف، والفوضى، والفراغ، سيحبط عزائم الأكثرية ويؤدي بها الى الهروب، والاستسلام والخوف. وإذا كانت الأقلية تستخدم سلاح "الحرب" على شعبها للوصول الى "أهدافها"، فإن الأكثرية لن تقف مكتوفة الأيدي هذه المرة، ولا مسلوبة الارادة ولا عييّة الوسائل أمام "الجحافل" المأجورة المدججة بسلاح يتدفق من الخارج، وبمقاتلين أجراء و"متفرغين" ومن يدقّ نفير الحرب كمن يدق أبواب الجحيم، عليه أولاً وعلى الآخرين تالياً.
التوافق القائم على مبادئ السيادة والاستقلال والدولة واحترام القرارات الدولية أمل كبير. لكن التوافق القائم (بالتهويل) على نقض كل هذا ليكون البديل: الحروب، أو الفراغ، فهذا لن يوفر أحداً، لا حَمَلَة الفتن، ولا رسل "العدم" ولا "عبسيي" الداخل (سواء في المخيمات أو خارجها). فأبواب الجحيم إذا فتحت هذه المرة، بأيدي أهل الجحيم، فستحرق الجميع، بمن فيهم قَرَعَة طبول الحرب.
فهل تكون الحروب إذا فُرضَت هذه المرة الحسم النهائي لظواهر ومسائل، ستبقى إن لم تجد حلولاً ضمن سلطة الدولة والمؤسسات والمجتمع، سيفاً مصلتاً على رؤوس اللبنانيين، وتهديداً مستمراً لحياتهم، ولوطنهم، ولدولتهم، ولخياراتهم الديموقراطية!
نظن، وبحسب ما عَرَفنا وخبرنا عن شعبنا انه لم يعد يخيفه شيء، وانه بات يحسب جيداً: أن لكل شيء ثمنه، من الحرية الى السيادة، الى الاستقلال، الى الديموقراطية الى العدالة... وكل شيء له ثمنه، وقد دفع اللبنانيون بعد استشهاد الحريري من دمهم، ثمناً لهذه الأحلام التي تحقق كثيرها، وسيتحقق كثيرها، أياً كان المقابل!

       ثقــافـة