ملحق النهار الثقافي
 07-10-2007

فخـــامــة الحـــــلم

عقل العويط

ماذا أريد من رئيس الجمهورية، إذا كان، في غمرة هذه الأعاصير الوجودية والكيانية، من رئيس للجمهورية؟
أعرف أن رئيس الجمهورية هو رئيس جمهورية الواقع لا رئيس الجمهورية الحلم. أعرف أيضاً أن الدستور وضع حدوداً للرئاسة وقيوداً عليها، فصارت موقعاً ميثاقياً ومعنوياً أكثر منه موقعاً مادياً فاعلاً على مستوى الملموسية السياسية. أعرف أيضاً وأيضاً أن الدستور جعل السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء مجتمعاً، والتشريعية في يد مجلس النواب، والقضائية في يد مجلس القضاء. مع ذلك، رغم ذلك، يتطلع المواطنون والأطراف والمرشحون، وأهل الداخل والخارج، ومعهم أهل الإقليم، الى منصب الرئيس وشخصه، البعض من منطلق اعتبارهما فوق كل اعتبار، والبعض الثاني من منطلق اعتبارهما رهينةً وطرفاً، والبعض الثالث من منطلق اعتبارهما رهينةً وطرفاً مضادّين. وثمة بعضٌ، بعضٌ قليلٌ قليل، وربما غير موجود، لا يزال يعتبرهما ميناءً ومرتجى.
أعرف هذا كله تماماً، وأعرف ما هو أكثر وأدهى في هذا المجال، لكني أتعامل مع مسألة الرئاسة في اعتبارها تصعيداً حلمياً للواقع، لا واقعاً فحسب. لاعتقادي أن لا قيمة لشيء في ذاته إذا لم يكن محلوماً به. لهذا السبب أراني مندفعاً في اتجاه "تصعيب" الأمور على نفسي وعلى الرئيس المأمول في آن واحد.
لا أريد من رئيس الجمهورية أن يجعلني موظفاً محظوظاً في إدارته، ولا أن يعطيني مشروعاً إعمارياً لأتولى تنفيذه، ولا أن يعيّنني وزيراً مفوّضاً في حكومته، ولا أن يسهّل أمامي سبل الوصول الى مجلس النوّاب، ولا أن ينفّذ لي مطلباً يأنف منه القانون ويستفزّ المعايير وسلّم القيم.
لا أريد من رئيس الجمهورية أيّ شيء غير قانوني وغير أخلاقي وغير وطني على الإطلاق. لكني لا أريد منه أن يرضخ لابتزاز أو لشروط، ولا أن يساوم على ضميره الفردي والوطني، ولا أن ينام على مخدّة سوداء القلب والتفكير، ولا أن يستيقظ بعينين مليئتين باليأس، ولا أن يلعن الساعة التي خلقته فيها أمّه.
لا أريد من رئيس الجمهورية أن يكون تابعاً لأحد، ولا أن يكون خائفاً ومهدَّداً من أحد، ولا أن يلعق من ملعقة أحد، ولا أن يضحك على أحد، ولا أن يضحك عليه أحد، ولا أن يأكل مال الغير، ولا أن يأكل الغير ماله ومال بلده، ولا أن يذرّ الرماد في عيون أحد، ولا أن يخون فكرة السيادة والحرية والاستقلال ودماء شهدائها ومقوّمات وجودها وسبل تنفيذها، ولا أن يخون فكرة الوطن عن نفسه، ولا أن يخون فكرة النفس عن الوطن، ولا أن يفتح المجال أمام أحد لارتكاب مثل هذا الفعل الشنيع.
لا أريد من رئيس الجمهورية أن ينسى هو مَن، وماذا هو، ولماذا، وكيف، وأين، ومتى، ولا أن ينسى شيئاً أو أحداً، من المحظَّر، وطنياً، نسيانهما أو تناسيهما، ولا أن يبدأ نهاره رئيساً، ويصير، بعد ليلٍ واحد، بعد ليلٍ واحد، فقط لا أكثر، مرؤوساً، ولا أن يكون عاراً على نفسه وأهله ومريديه ومواطنيه وبلده، ولا أن يكون أكثر مما يجب أن يكون، أو، خصوصاً وجداً، أقلّ مما يجب أن يكون.
لا أريد من رئيس الجمهورية شيئاً كثيراً. أريد منه وله أن يحلم، وأن يجعلنا نحلم.
أريد المكان. لا شيء سوى المكان. وعندما أقول المكان، أكون أعني المكان في اعتباره وطناً للحلم. وأرضاً للخلق وللحرية. مكاناً يراكم المكان، ويراكم الينابيع والأمزجة والعقول والأفئدة والأفكار والدموع. مكاناً يراكم اللغة، لتصير هي المكان.
أريد فقط، أيها الرئيس، مكاناً يراكم الامل.
لماذا أطالبكَ بما أطالب؟ لأن هذا المكان الموجود ها هنا وحالياً، ليس مكاناً أيها الرئيس. بلى. هو مكانٌ منهوبٌ من ذاته. مكانٌ لخراب الروح والجسد. مكانٌ للرعب والخوف واليأس والموت والعدم. إنه مكانٌ للاغتراب لا للعيش.
هذا المكان الموجود ها هنا، وحالياً، ليس مكاناً أيها الرئيس. بلى. إنه بلاطة رخامية ينزلق عليها الحلم فلا يبقى منه على السطح، ولا يرسب في القاع، إلاّ الرخام. إنه المكان - المقبرة. ونحن نريد أن نعيش.
أكثر: نريد أن نعيش. ونريد أن نحلم.
ولكي نعيش ونحلم، يجب أن نستعيد المكان. بيروت تحديداً، كعاصمة جوهرية في العالم العربي. بل يجب، عندما نحاول خلق هذا المكان، أو اختراعه، أن يُسمَح له بأن يتراكم كفضاء، ليكون.
لا أريد شيئاً كثيراً. فقط هذا المكان، ليكون مكاناً، يجمع الأرواح الهاشلة في اللامكان.
لا أريد خدمةً شخصية. أريد فضاءً لا محدوداً لهذا المكان الصغير. فضاءً كالفضاء الذي يجعل المكان مدىً مطلقاً لا سقفاً للسجن، وإن يكن سجن السماء، ومختبراً للإبداع والعيش الخلاّق، الفرد، الغفل، الرحب، المتعدد، المتنوّع، غير المصادَر، الكثير السؤال والبحث والتأمل.
لا أريد سوى الحلم أيها الرئيس.
بدون الحلم، لن يكون مكانٌ أيها الرئيس.
لبنان مختبراً، أيها الرئيس. لا شيء أكثر. ولا شيء، خصوصاً وجداً، أقلّ، أيها الرئيس.
وأنا أخاطبك، أيها الرئيس، أياً تكن، وأعرفكَ، أياً تكن، وأعرف طائفتكَ وزعماءها، وأبناءها، ورجال دينها، وهامشييها وعلمانييها، وأعرف الطوائف والزعماء والمواطنين ورجال الدين، من كل حدب وصوب، وأنا أعرف هؤلاء جميعاً بخيرهم والشرّ، وأعرف إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وسوريا، وأعرف خصوصاً ماذا ينتظركَ في هذا المفترق الوجودي والكياني الخطير.
أعرف أيضاً أيها الرئيس، أنكَ في الدستور، تقريباً، تملك ولا تحكم.
ضع شرطاً واحداً على نفسكَ: أن تملك الحلم، إذا كان يستحيل عليكَ أن تملك الحكم.
في الأقلّ الأقلّ، تكون فخامة الحلم. وهذا بالطبع أعلى من كل فخامة. وأعلى من فخامة كل رئيس.

       ثقــافـة