المستقبل 06-10-2007

رئيس للرئاسة أم رئيس بلا رئاسة؟

بول شاوول

اعتدنا على امتداد عهود "الوصايات" المتعاقبة أن يكون عندنا رئيس بلا رئاسة، أو رئاسة بلا رئيس. الرئيس في مكان، والرئاسة في مكان آخر، لا يلتقيان كخطين متوازيين بإذنه تعالى. وعندما كان الرئيس بلا رئاسة، كانت الجمهورية بلا رئيس، وبلا رئاسة، كانت الجمهورية بلا رئيس، وبلا رئاسة، أي جمهورية بلا جمهورية، أو جمهورية اللاجمهورية، أو لا جمهورية الجمهورية. كان الأمر في مكان آخر. والرئيس في مكان آخر: إما في الداخل وافداً من الخارج، أو من الخارج وافداً الى الداخل: الأمر اليومي له، الجمهورية مُلك يديه، وسائر السلطات في جيبه. ورئيسنا البلارئاسة على جمهورية افتراضية كان له، (إذا كان ثمة ما له) أن يكون واجهة لماعة أحياناً، وقاتمة أحياناً أخرى، ومهزوزة في الغالب. كان صوتاً بلا صوت: آلة مرنانة بأصوات الرئيس الآخر الوراء الحدود، وقامة طنانة بملابس فُصلت له بقياس أحياناً، وبلا قياس أحياناً أخرى، لكن في جميع الحالات فضفاضة، أو غير متوازنة، وحتى يمكن ومن باب التخيّل قليلاً لا كثيراً، رؤيتها غريبة، ببنطال مهرّج، أو بقميص سجين، أو بربطة عنق ـ مشنقة.
رئيس بلا قياس. ومقاس بلا قياس. والصورة المثلى لهذا الرئيس الفضفاض على "زيّه"، والفضفاض زيه عليه، هو ما اصطلح على تسميته قسراً، الرئيس الحالي اميل لحود: موجود وغير موجود،. وغير موجود وموجود: أو فلنقل هنا يبدو مجرد ملابس أو خرق "أنيقة"، وهناك مجرّد "جثة" (بمعنى الجسم)، لا حياة فيها سوى ما تفوحه من نتن، أو من "عطن". و"رئيسنا" وهو ليس رئيسنا، ما زال موجوداً بغير وجوده في قصر تحوّل صندوق فرجة أو رسوماً متحركة، لا يتحرّك فيها سوى ظل باهت، يتردد بين الجدران، ومن كثرة تردده عُدتَ لا تميزه لا عن الجدران ولا عن الأثاث ولا عن الكرسي ولا عن الدرج ولا عن النوم ولا عن الذكرى. هكذا رئيس، وهو يبتسم بلا انقطاع وتراه يبتسم بلا انقطاع ولا تعرف لماذا، هذا "الرئيس" الموجود بلا وجود، يصير ذكرى. غبرة على مقعد، رماداً في منفضة، وقعاً بلا صوت. لكن تبقى له، ولكي يستمر في لاوجوده أو في رمزيته أو ككائن شبه افتراضي، أن يكون الوقع بلا صوت، أو الصوت ـ الصدى، وهنا يكتسب حضوره من اللاحضور، وحضوره يعني ألا يعترف بالجمهورية، إلا إذا كانت جمهورية بلا جمهورية: بلا حدود بلا ناس بلا جيش، بلا قوى أمنية بلا قضاء بلا قانون بلا مجتمع بلا أرض بلا سيادة، بلا استقلال. رئيس افتراضي ـ اقتراضي في جمهورية افتراضية مقترضة تستمد وجودها إذا وجدت من خارجها، وتستمد سلطتها من خارج سلطتها: ينتخبها الغير، وينتخب نوابها الغير، ويسوسها الغير، والرئيس يبتهج، بهذه الأحوال، ابتهاج مَنْ يتحلى بكل فخر، باللامسؤولية، واللاقصد. حسبه أنه موجود: يقيس قامته كل يوم أمام المرآة. يزن "أشلاؤه" المكتنزة، يلمع أحذيته وأنفه، يمارس هواياته: يغطس هنا، يتشمس هناك، ويفاخر ببرونزاجه على متن مركب، أو على رمل شاطئ. رئيس بلا هم. (نيالو). لكن إذا كان بلا هم يتعلق بمنصبه، فهو مهموم جداً بما يتعلق بوضعه وكيلاً صغيراً في قصر كبير: همه كيف يَرضي مَنْ "أَهبَطَه" رئيساً لكي لا يكون رئيساً: فَلْتَتَنَعَّم الوصاية بكل السلطات والقرارات حتى الخطب (وما لي بالخطب فلتسطرها الوصاية وأنا أتهجاها. والتهجئة رفعة ومجد وسؤدد وكبرياء ومستوى من مستويات الأداء الحصيف والحكيم... ومثل هذا الرئيس المتقاعد والمتقاعس والمتداعِس ليس من شؤونه لا الدفاع عن ناسه، ولا عن أمنهم، ولا حتى عن وجودهم، ولا عن حقوقهم ولا عن مصيرهم فهو مطمئن الى أن الوصاية تتكفل كل ذلك: هي ترعى الدستور تعدّله متى شاءت، وهي تنتخب النواب، وهي تعيّن الوزراء، وهي تقرر الحرب، والسلم، وشكل المقاومة، ونوع المواجهة، ودرجة الحرية، ونسبة الديموقراطية، ووسائل القمع والقتل والنفي والسجن. فهي جمهورية الوصاية، ووصاية الجمهورية، ذلك أن في اعتقاد الرئيس غير المنتخب أقصد "إميلنا" الموقر أدناه ان لا جمهورية لبنانية بلا وصاية خارجية، ولا وصاية خارجية لا تتحكم بالجمهورية. اميل لحود مثال كامل صاف غير مشوب وغير مغشوش لهذا الرئيس الذي لا يعترف بنفسه إلا بقدر ما تعترف به "الوصاية" ولا يعترف بشعبه إلا في قبضة الوصاية، ولا يعترف بسلطة خارج سلطة الوصاية، انه المثال: وكما جاء في اليافطات الالهية عند بعضهم "أشرف الرجال".
اليوم كأنهم يبحثون عن رئيس يشبه اميل لحود "ويخلق من الشبه أربعين"، رئيس بلا رئاسة، لتكون عندنا رئاسة بلا رئيس. وبعدما خرجت الوصاية أو فلنقل خرجت "بشكل" من الأشكال، بفضل ثورة الأرز، كان لا بد لفلولها، وعَبْسيّيها من أهل المواجهة السابقين، ومن "قناديلها" ومن "عونييها" ومن غوبلزييها (من منابر باتت مستعربة لشدة أعجميتها) أن يعيدوا صورة هذا الرئيس المشؤوم، ويرفعوا مثاله، ليكون محتذى للرئيس الجديد، بشروط الوصاية، و"فلسفتها" ومفهومها: أي رئيس لا ينتخبه أحد: بلا أكثرية ولا أقلية. بلا وقع ولا موقع. رئيس لا شيء على جمهورية اللاشيء! ذلك أن "عبسيي" الداخل ولكي يعيدوا مهزلة الانتخابات الرئاسية السابقة املاً في العودة الى السلطة، أو أملاً في عودة السلطة الى الوصاية عبرهم، يهمهم كثيراً أن يكون الرئيس آتياً من "اللامكان" لكن بشروط مهمة: هذا الرئيس عليه أن يلغي كل ما حققته حركة 14 آذار: أولاً الدولة الواحدة في وجه الدويلات الكانتونية، (نموذجها موجود عند أهل العزم في وسط العاصمة وفي الضواحي)، والسلطة الوطنية المتصلة بممارسة الديموقراطية: الانتخابات والمجلس النيابي، والحكومة وصولاً الى الجيش: أي رئيس بلا دولة، ودولة بلا شيء بلا ملامح بلا قوة لكي تبقى القوة الأساسية عند اتباع الوصاية المدججين بالسلاح والذين "يتدججون" حالياً بالسلاح الآتي من وراء الحدود، بمعنى آخر يريدون رئيساً ينفذ ما عجزوا عن تنفيذه في مخططاتهم الانقلابية: 23 و25 كانون الثاني، حركة شاكر العبسي، العسكرة في وسط العاصمة، الاغتيالات، التشكيك بكل شيء. يعني يريدون أن تتخلى الأكثرية عن أكثريتها (حاولوا ذلك مع حلفائهم بواسطة اغتيال النواب ـ الشهداء)، وأن تصبح الأقلية بفعلها وتهديدها وتهويلها وافتعالها حروباً أكثرية لكي تكتمل قبضتها على السلطة: انقلاب مُقنَّع بديموقراطية مهددة! وهذا المنحى الانقلابي على إرادة الناس والدولة والحكومة والبرلمان والدستور، يستهدف الانقضاض على القرارات الأساسية الدولية: المحكمة الدولية و1559، و1701، أي العودة الى استباحة كل شيء، واستعادة ما أفقدتهم إياه ثورة الأرز، ووجود الدولة، وعلى هذا الأساس يُخشى (بحسب ما يجعرون ويتزلعمون) أنه إذا لم يتم لهم ذلك، أن يحاولوا تعطيل الاستحقاق، وجر البلاد الى الفوضى والفراغ والحروب والاعتداءات والاغتيالات وحتى التقسيم. هذا قد يكون وارداً. والوارد ربما أن يرد أهل الشرعية الدستورية والشعبية أي الأكثرية بالديموقراطية، تماماً كما ردوا على اغتيال شهدائهم. فهل ترد الديموقراطية ما تمارسه الاستبدادية، وهل ترد المواجهة السلمية المحاولات الانقلابية العنيفة. أم أن كل ذلك تهويل، لتحسين شروط احتمال تسريب رئيس منتصف الطرق، وفي مفترقاتها. أي رئيس توافقي كما نسمع ونقرأ؟ عال! يا سيدي: إذا اعتبروا أن كل الرؤساء الذي جاؤونا كانوا توافقيين (وهذا غير صحيح بوجود الوصايات السابقة)، فافتراضاً لا بد من تقبّل التوافقية إذا كانت تجنبنا مآسي جديدة، وخراباً جديداً، يعد لها من "انتقصت" وصاياتهم ونفوذهم، الحالمون بعودة مظفرة بالدم والقتل... والحرائق! على أن التوافقية لا تعني "تنازلية"، ولا تعني اعتماد اللحودية كنموذج رئاسي (عودة شبروحية لشبروح بعبدا)، ولا تعني تخلياً عن الأساسيات التي تقوم عليها الدولة المستعادة (ولو نسبياً). وهنا نقطة الالتباس والأسئلة الملتبسة.
صحيح ان مناخاً من التفاؤل يُنشر من فريقي النزاع بمناسبة مبادرة الرئيس بري، وصحيح أن الاتصالات بلغت (كما يُشاع) الأسماء، والمواصفات، وتبادل "التنازلات"، وصحيح أن ثمة ضغوطاً تمارس على الأطراف اللبنانية وغير اللبنانية (لا سيما سوريا وإيران)، إلا أن الأصح أيضاً أنه يجب التزام الحذر، وعدم الركون الى تصديق آذاريي الوصايتين، ورش مساحيق الطمأنينة، والنيات الحسنة، لأنه خَبِرْنا، أنه كلما طرح حوار، وبرزت إيجابيات (لفظية) لمسنا أن هؤلاء كانوا يتخذون من الحوار ستاراً لتحضير خطوة انقلابية، أو لاغتيال، (أو لحرائق!) أو لاعتداءات (هذا ما حصل أخيراً لدى اغتيال الشهيد أنطوان غانم في لحظة تفاؤلية حماسية من بعضهم). وعلى هذا الأساس، على رموز 14 آذار وعلى جمهورهم، وناسهم، أن يكونوا على يقظة تامة وعلى جرعة من التفاؤل، على تفاوض وعلى حذر، ذلك أن بعض 8 آذار (من الداخل والخارج) معروفون بالغدر والطعن في الظهور وخربطة أي حل محتمل. ويكفي أن تردنا أخبار تدفق السلاح من وراء الحدود، (من الشقيقة الكبرى)، والتسلح (من غير شر بتوع ميشال عون الذين يتدربون لمقاتلة مَنْ يا غراب الرابية: أهلهم وشعبهم لخدمة أمراضك الرئاسية المنتنة؟). ولا نعرف، حتى هذه السطور، ما إذا كان سيعلن السيد حسن نصرالله باسم المعارضة، رفع احتلال جماعته وبعض 8 آذار وسط العاصمة. (والمضحك أن بعضهم نعى هذا الرفع باعتبار أنه يطالب بمقابل أو بثمن إزاء ذلك. وكأن بيروت أرض عدوة... أو أرض محتلة من عدو. فمَنْ هو هذا العدو اليوم؟). لا نعرف: ربما نعم أو لا. ونظن أن إدراج بند رفع العسكرة من مربعهم الأمني قد يكون إذا تم، وبحسب المعارضة، تنازلاً عن حق مشروع في الاحتلال. عال! فليكن برغم كل التبريرات! وليس غريباً أن يقبض "فريق" لبناني ثمن الانسحاب من أرض لبنانية ثمناً من اللبنانيين: الحكومة والعمال الذين صرفوا (بفضله تعالى) والمؤسسات التي أفلست (من المال غير النظيف إزاء مالهم النظيف).
إذاً، لا بد من التطلع من ثقب، أو رؤية بصيص... لكن لا بد من القول ان انجازات ثورة الأرز عبر الاستحقاق باتت في مرتبة التكريس، وأن أي مساس بها، ولأي سبب أو ذريعة مساس بكيان لبنان، وديموقراطيته، وحريته ومجتمعه، والقرارات الدولية ومحاكمة القتلة. نعني أن أي تبنّ لنموذج الرئيس الظل البارد والخافت اميل لحود يؤدي الى انتخاب رئيس بلا رئاسة، ورئاسة بلا رئيس، وجمهورية بلا جمهورية وسلطة بلا سلطة!

       ثقــافـة