|
انطوان غانم شهيد آخر ينضم الى موكب شهداء الاستقلال
والسيادة والحرية والديموقراطية. شهيد آخر مع شهداء
مدنيين آخرين مع شهداء آخرين دفاعاً عن الكيان
اللبناني ووجوده وحدوده وتاريخه ودوره وما مثل وما
يمثل في محيطه القريب والبعيد. والشهادة المنتظرة، لأي
نائب من 14 آذار، أو وزير في حكومة الصمود، أو كاتب أو
صحافي، متوقعة ذلك أن آلية الاجرام باتت معروفة
الأهداف، والسبل، والتوجهات. فكأن كل محطة من محطات
الاستحقاقات، وكل إنجاز من إنجازات أهل السيادة، هي
أيضاً محطة للقتل، والردع، والقمع، والترهيب، والمنع:
فلمحطة حكومة المقاومة الصامدة آليات القتل والتهديد
(معسكر بتوع 8 آذار كبديل من مقاومة العدو)، ولمحطة
المحكمة الدولية "ضحاياها"، شهداؤها، ووسائط تعطيلها.
وللمحطة الاقتصادية والاجتماعية تفجيراتها، ولتقويض
السلطة والنظام والبنية القائمة ما يجمع ـ مجمل أدوات
التخريب، والانقلابات، والاغتيالات والتربص، بما فيها
تعطيل كل شيء: من الحكومة الى مجلس النواب الى رئاسة
الجمهورية.
اليوم، واستمراراً "ميموناً" للمنحى الانقلابي
"الشغَّال" منذ انتصار ثورة الاستقلال، الذي شهدنا منه
فصولاً دموية: 23 و25 كانون الثاني، والمعسكر
الاحتلالي في وسط العاصمة، اغتيال رموز 14 آذار، ظاهرة
العبسي في مخيم البارد، كل هذه "الظواهر" العيانية،
ليست إلا حلقة واحدة مترابطة، يمسك بها نظاما
الوصايتين، ويفجرانها، من ضمن استهدافاتهما المعروفة،
استمراراً لهذا المنحى (الذي يخدم الصهيونية،
بامتياز!) يُغتال النائب الشهيد أنطوان غانم: الهدف
المباشر تعطيل الاستحقاق الرئاسي، أو قرصنته، عبر
إنقاص الأكثرية لتصير الأقلية أكثرية بالقتل (فيا لنبل
رموز الأقلية وأبطالها، ويا لوطنيتهم ويا
لأخلاقيتهم!)، أو محاولة منه الانتخاب لإكمال دوائر
الفراغ في السلطة والنظام (سبق الفضل أن انسحب حزب
الله من الحكومة لضربها، وأغلق مجلس النواب كدكان
لإعدام دوره). كأنه الاغتيال "الاستحقاقي" أو محاولة
اغتيال الرئاسة في ذاتها، قمة الهرم في النظام
والسلطة. ونظن أن هذا الاغتيال الشبيه بالاغتيالات
التي ارتكبت، يريد توجيه رسالة (شبيهة برسائل قرأناها
دماً وخراباً وسجوناً على امتداد عهد الوصاية وعملائه
البلديين) الى اللبنانيين: أنتم شعب غير موجود، ولا
يحق لكم الوجود، وبلدكم غير موجود، وتاريخكم غير
موجود، وإرادتكم غير موجودة، وكرامتكم غير موجودة.
نحن، نظام الوصاية نقرر متى نُظَهِّر وجودكم
الافتراضي، ونحن تقرر مَنْ يحكم. ومَنْ يُنتخب ومَنْ
يُحاكم ومَنْ يُقاضى، ومَنْ يحيا ومَنْ يموت،
فانتبهوا: دماؤكم في أيدينا، وأعناقكم في قبضاتنا،
ومصائركم نخطها بأيدٍ قدرية (العميل إميل لحود حَمَّل
يدَ القَدَر مسؤولية اغتيال الشهيد غانم!!). رسالة
واضحة: ممنوع أن تلتقوا، وأن تتشاوروا وأن تتوافقوا
وأن تنتخبوا رئيساً! ممنوع! مفهوم).
الرسالة المحمّلة الجديدة قديمة: نتذكر كل الذين
حُمِلّوها من شهداء: من كمال جنبلاط الى المفتي حسن
خالد الى رينيه معوض فإلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري
وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني
وبيار أمين الجميل ووليد عيدو وصولاً الى أنطوان غانم!
رسائل قتل! من نظام قام على القتل: واستمر بالقتل فإذا
حُذف القتل منه تهاوى كالكرتون! فأي نظام هذا لا يحكم
إلا بالقتل، ولا يتعاطى مع الآخرين إلا بالقتل اللهم
إلا مع اسرائيل: فهناك تتوقف "آلياته" فأي استباحة
لشعب "شقيق" وأي تهيّب أمام عدو يحتل جزءاً من الأرض
والسيادة والتاريخ! هكذا يكون الصمود أو لا يكون!
مدرسة في الصمود والتصدي والممانعة: أين؟ ليست حيث يجب
أن تكون، بل حيث يجب ألا تكون: عندنا بإذنه تعالى
وبإذن حلفائه.
إذاً النظام الشقيق يناضل عندنا (وطبعاً في العراق وفي
غزة) لإسقاط كياننا. وها هو، بمؤازرة عملائه وحلفائه
وطواويسه ودجاجه من أهل 8 آذار يواصل نضاله المبين بكل
الأنواع الأسلحة الانقلابية. لكن، إذا كان النظام
الشقيق يواصل ما خطط له، فإن ما نجح فيه حتى الساعة هو
القتل: لا أكثر ولا أقل! لم يَفُز سوى بالقتل والتخريب
والتدمير: فشلت كل محاولاته الانقلابية مع خلانه
والمتواطئين معه وأدواته الصغيرة والكبيرة، من إسقاط
الحكومة. الى منع قيام المحكمة، الى تقسيم لبنان عبر
مؤامرة عصابة العبسي المرتبطة به (بالاذن ممن يربطون
هذه العصابة بالارهاب أو بالقاعدة) والى تفجيره عبر
الحالة الانقلابية التي كادت تحدث في 23 و25 كانون
الثاني الماضي، فإلى القرارات الدولية: كل شيء فشل في
المخطط إلا القتل: فبراو! ولا أحد يشك في هذه المقدرة
الفريدة والمميزة والخاصة وهو الذي لم يصل قتله إلا
الى أهله وأشقائه... وليس الى اسرائيل أو أي زعيم
اسرائيلي. فبراو! أيضاً.
الآن يضع كل جهوده الفذة في منع الاستحقاق الرئاسي
الوشيك، يراهن على قدراته المميزة لتخريب هذا
الاستحقاق، فهو محشور ليس عنده سوى بضعة أيام أو
أسابيع فيمارس روائعه القاتلة على النواب والوزراء.
ولهذا يجب أن يحشد كل طاقاته "الفكرية" و"المادية"
والمعنوية ويشحذ كل أدواته، ويستنفر كل عملائه
(الجاهزين أيضاً لتمويه الجرائم) لإفشال عملية
الانتخاب وتنفيذ مضمون الدستور: فلا النداءات العربية
نفعت، ولا النداءات الدولية نفعت، ولا الزيارات ولا
المبادرات ولا الاغراءات أقنعته أو ستثنيه عن نضاله
لإحداث فراغ في الحكم قد يمهد لمغامرات انقلابية جديدة
ينشدها مع بعض عملائه وخلانه! لا شيء يثنيه عن لبنان:
فهو ورث هذا البلد من أجداده وآبائه، إذاً فهو حق له
بالوراثة. وخطيئة 14 آذار أنها انتزعت منه قطعة من
ميراثه الشرعي اسمها لبنان، فالويل لـ14 آذار المنتهكة
لحقوقه الموروثة المكتسبة. من ضمن شعار: يكون لبنان
لنا أو لا يكون، يعود إلينا أو لا يعود نستعيده أو لا
يستعاد! لكن يبدو أن الفشل "رفيق" هذا "الانتظام"
القائم. والفشل لا يجيء فقط من سوء التقدير، ومن الخفة
في وزن الأمور فقط، وإنما من صلابة هذا الشعب
اللبناني، الذي قرّر أن يضحي بكل شيء من أجل نفسه أي
من أجل بلده، (لا من أجل غيره) ومن أجل أحلامه، ودوره،
وديموقراطيته، وسيادته وحقه في العيش وتقرير مصيره.
والبديهي هنا بالنسبة الى اللبنانيين صار غرائبياً
بالنسبة الى الوصاية ومن يستتبعها؛ والطبيعي بالنسبة
الى اللبنانيين صار "الشواذ" بالنسبة الى المتربصين
بهم، والواجب عند اللبنانيين بات "خيانة" بالنسبة الى
بتوع الوصايتين (تأملوا أن يُتّهم مَن استرجع سيادة
بلده بالخيانة!) بل تأملوا أن من يدّعون الحرص على
لبنان العروبي والاستقلال من فلول عروبة الأنظمة
البائدة يحاربون استكمال السيادة والديموقراطية! وهذا
يفسّر لنا كيف يكون الإعلاميون والكتّاب مثلاً ضد
الديموقراطية: إقرأوا بعض الصحف العريقة والمستحدثة
تلقوا الجواب.
الشعب اللبناني الذي حال دون نجاح المناحي الانقلابية
وتحمّل الاغتيالات والتخريب وأفشل أهداف الوصايتين، ها
هو اليوم، ومن جديد، وبكامل "لياقته" و"عنفوانه"
وجماله (فما أجمل شعبي)، وقدرته على الصمود (الحقيقي،
لا الكرتوني) والتصدي (الفعلي لا النظري) وشغفه
اللامحدود بدوره الريادي، ها هو من جديد على منصة
المواجهة ليقول للإنقلابيين ستفشلون هذه المرة أيضاً!
لن تمروا لكي تحدثوا فراغاً دستورياً، أو تمنعوا
انتخاب الرئيس العتيد، أو تفرضوا علينا عميلاً آخر
كإميل لحود بأقنعة ومسميات جديدة؛ ها نحن، وبكامل
جهوزيتنا الديموقراطية، والوطنية، والاستقلالية،
سننتخب رئيساً ضمن المهلة الدستورية، مهما فعلتم:
خرّبوا ما شئتم، وهددوا ما شئتم، وتمادوا في لعبة
الاغتيال والتهويل، والتدمير... تمادوا في كل شيء:
فنحن هنا، بكامل إرادتنا الصلبة، نقف سداً منيعاً في
وجه إجرامكم، واستبدادكم، ومطامعكم، وشراهتكم،
وجنونكم، وأمراضكم... ها نحن: اغتلتم أخيراً الشهيد
أنطوان غانم وستستمر شعلة الاستقلال... تماماً كما،
عندما اغتلتم الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكانت شعلة
الاستقلال تنير سبيلنا! وهل نسيتم أن ثورة الأرز
انطلقت من دم الشهادة... واستمرت بدم الشهادة...
وتستمر وتقوى بالشهادة والمواجهة. ومن قال إن الاغتيال
سيحبط الشعب اللبناني؟ وهل سبق أن أحبطته عمليات
الاغتيال الكثيرة، والجرائم، والتخريب والانقلابات؟
اغتيال الشهيد أنطوان غانم محطة للحزن وللأسف وللدمع
نعم، ولكن ليست محطة للاستسلام، (يا أهل الاستسلام
والخنوع) ولا محطة للرجوع عن استكمال إنجازات الحركة
الاستقلالية، فأبشروا يا أهل المنقلبات والقتل
والتخريب والتدمير والموت، يا إيديولوجيي الخراب
والموت والإلغاء والمصادرة والاستبداد والمنع والقمع،
فالشعب اللبناني على منصة المواجهة.
ووفاء لأرواح الشهداء، وتجسيداً جديداً لمعنى
الاستقلال، والكيان، والوجود يقول الشعب للنواب
انتخبوا رئيساً ولو في الصين، إذا حال الانقلابيون
بينكم وبين المجلس النيابي. فكل الأمكنة مجلس نيابي
عندما يكون لنواب الأمة أن يمارسوا حقهم في هذا
الاستحقاق الرئاسي! فليس للديموقراطية مكان واحد ولا
كرسي واحد ولا قبّة واحدة ولا فضاء واحد، للديموقراطية
كل الأمكنة، وكل الفضاءات، لأنها هي التي تصنع
ساحاتها، تمارس حقها، وتنجز أهدافها. يغلقون مجلس
النواب بالتهديد والعنف والترهيب، فتفتح كل المنازل
والبيوت والساحات صدورها للنواب. فهم نواب الأمة
المنتخبون، ليس دونهم أي إرادة إرهابية، وليس دونهم أي
باب مغلق، ولا أي كرسي شاغر. وكما كانت ساحات لبنان
كلها لانتفاضة الأرز، فهي اليوم كلها لنواب الانتفاضة،
لكي يعطلوا أهداف من يريدون أن يعطلوا هذه الانتخابات،
ويهينوا الشعب، ويحتقروا إرادته، ويزوّروا مشيئته،
ويعدموا حقوقه في اختيار رئيس منهم وليس من مواشي
الوصايتين، ولا قطعانهما، ولا خردتهما...
رئيس لكل لبنان نعم! رئيس لكل حدود لبنان نعم! لكل
بقعة من بقاع لبنان. نعم! رئيس للجمهورية كلها
وللدستور كله، وللسيادة كلها من أقصاه الى أقصاه!
|