النهار 26-08-2007

البازار المفتوح على هاوية
الياس خوري

عام 1970 خاض لبنان آخر معاركه الرئاسية، ففاز سليمان فرنجية على الياس سركيس بصوت واحد. يومذاك لم يهدّد أحد بتعطيل النصاب، لأن منطق الدولة كان لا يزال مهيمنا. اعترف الخاسر بهزيمته بعد تردد دام لحظات، وانتهت المعركة.
في هذا المعنى كان سليمان فرنجية آخر رئيس لبناني منتخب، بعد ذلك انفجرت الحرب وتعطل منطق الدولة. الياس سركيس انتخب تحت وابل من الرصاص، بشير الجميل وشقيقه امين انتخبا في ظل الدبابة الاسرائيلية، رينه معوض انتخب على ايقاع الطائف الذي لم يكن هناك نية في تطبيقه، فجرى اغتياله، الياس الهراوي انتخب ومدِّد له بما يشبه التعيين، واميل لحود عيِّن عبر تصريح صغير للرئيس السوري نشرته جريدة "الاهرام"، قبل ان يصل لبنان الى التمديد الدموي.
السؤال هو، هل نحن امام استعادة للرئاسة، اي استعادة لمنطق الدولة، ام ان الطبقة السياسية اللبنانية اعتادت العجز، وسوف تعيد البلاد الى النقطة الصفر؟
التحالف المعارض يعلن ان لا انتخاب رئاسياً من دون الثلث المعطل الذي قد يكون وسيلة لتعطيل الرئاسة نفسها! اي انه يرفض الاحتكام الى منطق الدولة. حجته قوية، لأنها لا تستند فقط الى الدعم السوري، بل تستند ايضا الى تجربة ديموقراطية 1970، التي تمت بعد انحسار مظلة التسوية الإقليمية الدولية عن لبنان بعد هزيمة العرب عام 1967، وكانت مقدمة للحرب الأهلية.
قوى 14 آذار تعود الى منطق 1970، لأنها تعلم ان التسوية الاقليمية بعيدة المنال، إن لم تكن مستحيلة في الظرف الراهن، وهي تؤكد الانتخاب الرئاسي كبديل وحيد من انهيار الدولة.
بين المنطقين، هوة كبيرة يمكن ان نطلق عليها اسم الحرب الأهلية النائمة، لكن هذه الهوة لم تكن مستحيلة الردم لولا الانشقاق الذي حصل في قوى 14 آذار، عشية الانتخابات النيابية، حيث خرج العونيون الى المجهول، متحصنين بمنطق ضرورة وجود زعامة مسيحية قوية توازي منطق الزعامات السياسية المقفلة عند الطوائف السنية والشيعية والدرزية، ومصرّين على منطق "الجنرال للجمهورية" أو لا احد.
فقدت الاكثرية الثلثين مع انسحاب عون منها، وصارت اقالة جنرال بعبدا مستحيلة دستوريا، ودخل لبنان في المتاهة.
تحالف الجنرالين اللدودين عون ولحود ومعهما عسكر "حزب الله"، اقفل المعركة الرئاسية على احتمالات المواجهة، مما سمح بطرح اسم جنرال ثالث كحل، عبر تعديل الدستور من اجل انتخاب قائد الجيش! كأن التعديل صار منذ التمديد للهراوي، سمة النظام السياسي الواقف على كف عفريت الحرب الاهلية التي قد تستيقظ في كل لحظة.
غير ان المسألة لا تقف عند هذا الحد، اذ بدأ امتهان الرئاسة في نهاية عهد امين الجميل حين صار كل ماروني مرشحا ممكنا. اي حين اصيب اكثرية السياسيين الموارنة بالعته الرئاسي، وهو العته عينه الذي يراهن عليه رئيس مجلس النواب في سياق افراغ النظام السياسي من كل مضمون يتعارض مع سياسة المحاصصة التي نشطت في زمن الهيمنة في شكل لا سابق له.
السؤال هو، هل يستطيع لبنان ان يكون دولة مستقلة من دون مظلة اقليمية تشبه الوصاية؟
المعارضة منطقها واضح: انها ترفض استبدال الوصاية السورية بالوصاية الاميركية، وهذا ضروري لكنه غامض. هل يتضمن هذا رفضا للوصايتين معاً، ام انه يحمل حنينا معلنا الى الوصاية السورية؟! لا اعتقد ان قادة المعارضة يجهلون ان الوصاية السورية لم تكن سورية فقط رغم كل المظاهر، بل كانت اتفاقا سوريا - اميركيا - سعوديا قاد الى اقتسام السلطة بين سوريا والسعودية. وكان التمديد للحود واغتيال الحريري كسراً سورياً للاتفاق، في ما يمكن اعتباره هجوما وقائيا.
اي ان من يطلب الوصاية السورية او يحنّ الى زمنها، يعلم ان تاريخ لبنان الحديث هو تاريخ توازن اقليمي ودولي، وان انكسار التوازن يقود الى الانهيار. اي ان دعاة رفض الوصايتين يخفون حنينا اليهما. هذا ما تحاوله السياسة السورية عبر اصرارها على فتح حوار مباشر مع الاميركيين، لم يثمر حتى الآن، وهذا ما يدعو اليه بري في حديثه الدائم عن ضرورة ترميم العلاقات السورية - السعودية.
رافضو استبدال الوصاية يعرفون انهم لا يقولون الحقيقة كلها، وان طرحهم لا يقود الا الى تأجيل لبنان، وتركه معلّقا.
السؤال ليس موجها الى المعارضة اذاً، بل يجب ان يكون موجها الى قوى 14 آذار، التي لا تزال تحمل خطابا استقلاليا، رغم ما علق به من تشنجات مذهبية وطائفية، تمتد من مواجهة الدواليب، الى دواليب الكلام المحترق في معركة المتن الفرعية.
السؤال هو، هل رفض القوى الاستقلالية للوصاية السورية هو رفض لكل انواع الهيمنة، ويحمل مشروعا لبناء الدولة، من دون السقوط في حومة التخبط الاميركي في المنطقة، وعبر التمايز عن سياسات واشنطن الحمقاء في العراق وفلسطين؟
للأسف، فإن الجواب عن هذا السؤال ليس سهلا. فحتى لو سلمت النيات، فإن المبنى الطائفي الذي يأسر القوى السياسية اللبنانية، والصراع الجحيمي المفتوح في المنطقة، يحدّان من قدرة القوى الاستقلالية على بناء سياساتها في شكل مستقل نابع من المصلحة الوطنية وحدها، ويجعلان الوفاق الوطني مشروعا ناقصا في انتظار تسوية اقليمية ليست قريبة.
هل اضاع لبنان فرصة استقلاله؟ وهل يكون حصاد المعركة الرئاسية تأجيلا للصراع او تعليقا موقتا  له، عبر وهم "الجيش هو الحل"، الذي لا يقود الا الى السراب؟
ام تكون الرئاسة مدخلا لانفجار لبناني لن يكون سوى معركة بدماء اللبنانيين في الوقت الضائع؟
لا يحمل رفض الاحتكام الى الانتخاب الرئاسي سوى احد احتمالين:
التفجير الذي سيدفع ثمنه الجميع، او انتخاب رئيس يعلّق الأزمة، وهذا يعني ان فرصة اقفال "الساحة" تمهيدا لبناء الوطن قد ضاعت.
وفي الحالين سوف يكون لبنان المجرم والضحية في آن واحد.
اما الاحتمال الآخر، اي احتمال ان تكون الرئاسة بداية حل للأزمة، وتأسيسا للاستقلال، فإنه يحتاج الى قوى سياسية تمتلك جرأة وطنية ولا تسقط في فخ المساومات الذي اهدر انتفاضة الاستقلال، وتكون متحررة من الاسار الطائفي.
لا ادري كيف نجد هذه القوى، وأين، في البازار الرئاسي المفتوح على الهاوية.  

       ثقــافـة