السفير 23-08-2007

استشراق الأغبياء

وسام سعادة

يصاب العارفُ بالذهول والكدر حينما يطالع سرداً من الشتائم والحماقات اذ توجه لقامة عملاقة في تاريخ الفكر الغربي والعالمي تكون من طينة أرنست رينان، ويبلغ الأسى حدّ الغثيان حين يراد بطائفة الألفاظ النابية الموجهة ضد أرنست رينان والمحتفين بذكرى زيارته لبنان أن تستهدف أيضاً حرية الصحافة في لبنان.
واذا كان هذا النوع من التهجّم على رينان يعدّ بمثابة فضيحة ثقافية، فإن التهجّم في النص نفسه على الأرزة اللبنانية لا لشيء، الا لعقد نفسية ليس لها أن تعالج على حساب لحاء الأشجار، انما يعد عملاً يعاقب عليه القانون اللبناني بالسجن.
ان من حق لبنان، بل من واجبه، أن تحتفي بلدية من بلدياته، بل كل بلدياته، بزائر قديم في نهايات القرن التاسع عشر، دخل بانثيون الفكر العالمي. من حق لبنان أن يحتفي برينان وبلامارتين وبفولني وبماسينيون وبردونسون. من حق المستنيرين في هذا البلد أن يقولوا مهلاً لأولئك الذين يريدون رمي الطفل مع ماء الغسيل، وادانة الارساليات والمستشرقين بالجملة.
بعد مطالعة هذا الكم من الشتائم التي وجهت لرينان لمجرد تذكره في بلدية من جبل لبنان، يمكن القول بلا تردد بأن الاحتفاء به يعد واجباً وطنياً وقومياً يتخذ صبغة الضرورة القصوى في هذه الفترة العصيبة التي يجتازها مشرق يعاني الأمرين من اجتماع الجهالات والأصوليات، ومن يلتحق بها من الصبية العدميين، الذين مهما تزينوا بألقاب أكاديمية، لا تشي نصوصهم الموتورة بأي مواصفات منهجية ولا أسلوبية على حد سواء، ومن الأفضل أن تنهض حملة «مكارثية ثقافية» لنقلهم الى ميادين نشاط أخرى أكثر فائدة للانسان وللطبيعة، من مثل الاهتمام بأعمال الفلاحة أو الابتكار في صناعة النسيج.
من المستهجن تماماً أن يتمّ الغمز من قناة الاحتفاء برينان على أنه احتفاء طائفي مسيحي عنصري به، مع أن رينان هو الذي أثار بكتابيه عن «حياة يسوع» وعن «أصول المسيحية» (بأجزائه كافة) مشكلات حادة مع الكنيسة الكاثوليكية، وكان المبادر لفتح ملف استثنائية ظاهرة بولس الرسول (وهو ملف سيتابعه لاحقاً في القرن العشرين فلاسفة كبار من طينة كارل شميت وياكوب تاوبه وآلان باديو وجيورجيو أغامبين وسلافوي جيجك، وأكثرهم في ذلك مدين علناً لرينان). ان رينان الهائج على الكنيسة في زمانه، يحتفى به في فرنسا كأحد أعمدة الثقافة العلمانية الراديكالية للجمهورية الثالثة. وهو رينان نفسه الذي بادر الى تعريف مفهوم الأمة لأول مرة في التاريخ على أنها حصراً ارادة العيش معا بشرط التحيين المثابر لهذه الارادة، فنحى المفهوم تماماً عن صلة العرق أو الدم، وكم كان القوميون المشارقة بحاجة الى رينان في هذا الشأن بدلاً من الانصراف الى العقائد العنصرية الصرف.
ضحلة مريضة هذه الهجمة النشاز ضد أرنست رينان التي لا تتعدى معلوماتها عنه قراءتها لبعض استشهادات شائعة له، استجلبت كعدة نصب بغية تحريض القارئ العربي على «استشراقية» رينان، وكان من الممكن انتقاء استشهادات مماثلة لدى كانط أو هيغل أو ماركس أو هايديغر أو أي عملاق آخر في عالم الفكر، لقول الشيء ذاته.
قد تتلبس هذه القراءة بلبوس الجملة اليساروية، لكنها أكثر ظلامية من كل المتزمتين دينياً. اذ شتان شتان بين هذا الأسلوب النزق والمجاني في تناول قامة خالدة من القرن التاسع عشر، وبين الأسلوب الذي اعتمد حينها من قبل الاصلاحي السلفي جمال الدين الأفغاني (رحمه الله) عند مناظرته مع رينان على خلفية محاضرة للأخير تناولت مسألة تاريخ العلوم في الاسلام، ولم يكن رينان وقتها لينكر على الحضارة الاسلامية باعها الطويل في مسيرة التفكير والانجاز العلميين، وانما كان يقترح سبيلاً للاجابة عن سبب توقف هذه الحضارة عن العطاء في هذا المجال، وما اقترحه هو أن هذه الحضارة أبدعت حين «تقبلت» العلم، لكنها ساعة حاولت أن تنتقل الى «تبنيه» وقعت في مطب محاولة «أسلمته»، هذا في حين لم يقع التاريخ المسيحي الأوروبي في المطب نفسه لأن الميتافيزيقا الغربية قامت منذ نهايات العصر القديم على إعمال ثنائية حادة بين العقل والايمان، في حين طرح الاسلام نفسه منذ البدء كدين للعقل، ما مثل عقبة دون التمييز التصوري بين ما للعقل وما للايمان، الى حد كان على تاريخ الفكر الاسلامي أن يمضي قروناً عديدة في حركة جيئة وذهاب بين تقبل التمييز بين العقل والايمان، وبين اقتضاء المماهاة التامة بينهما، وتلك فرادة الاسلام أو التباسه كدين للوحي (من فوق الى تحت) ودين للفطرة (من تحت الى فوق) في آن، حتى اذا رجعنا الى المقابلة الهامة التي لجأ اليها مالك بن نبي (وليس وحده) بين قصة روبنسون كروزوه وحي بن يقظان لرأينا أنه في المثال الأخير ثمة تأكيد من جانب «العقل الاسلامي» انه لو وجد فرد واحد على اليابسة لما كانت حاجة لدين الوحي، وكان دين الفطرة يفي بالغرض.
كل هذه المسائل انما مثّل أرنست رينان الطريق الى اثارتها، في حدود ما كانت تسمح له ظروفه ومصالحه، وفي حدود ضآلة ارتفاع الشرقيين في زمانه لمسؤولية توجيه الأسئلة الجادة في ما عنى تراثهم وحاضرهم ومآلهم.

       ثقــافـة