المستقبل 18-08-2007

هل تعود الرئاسة الى الجمهورية؟

بول شاوول

هل يتمّ الاستحقاق الرئاسي أم تستمر سلسلة الاستحقاقات الانقلابية التي تتدفق علينا في صورها الشتى على مدار السنتين الأخيرتين، وتصطدم بصخرة الإرادة الشعبية السيادية والديموقراطية؟ هل يسمح للنواب بالذَهاب الى برلمانهم المعطل (ضمن تلك السلسلة الانقلابية) ويحركون ساكنه، أم يقتصر الذَهاب على من يريدون الاستحقاق، ليقابَلوا بمقاطعة من يدأبون على تطيير الانتخابات لإحداث مزيد من الفراغ، والفوضى (الدستورية) والبلبلة (السياسية)، والاستباحة المعلنة لمكونات جمهورية الطائف، وصولاً الى محاولة تعطيل المحكمة الدولية (لب الوسواس) وسائر قرارات المجتمع الدولي المعروفة فيما يهدد وجود اليونيفيل والجيش اللبناني على الحدود مع العدو الصهيوني. ونظن أن مجمل هذه العناوين التي أنجزها لبنان ـ السيادة هي من جديد على المحك في الاستحقاق الرئاسي.
فإذا كان المستهدف هو مكونات الدولة وإنجازات الحكومة وقرارات المجتمع الدولي، والديموقراطية نفسها، فهل يمكن أن نأمل في أن يمرر بتوع الوصايتين في الانتخابات بمرونة وبسهولة، هكذا لوجه "لبنان" (الذي لا يعترفون به إلاّ كجزء من هيمنتهم ومطامعهم)؛ وإذا كان الأمر كذلك فما بال المطالبة، وبهذا الإصرار المَرَضي الهذياني، بحكومة وحدة وطنية يقرصنون عبرها الثلث المعطل، لينسفوا الانتخابات الرئاسية بحد ذاتها بل كيان الجمهورية ذات الدستور والميثاق! ونظن أن فحوى إنقلابيي الوصايتين يتجاوز الاستحقاق الى ما هو أبعد منه: نفي موقع رئاسة الجمهورية نفسه، وإبداله بمجلس رئاسي قد لا ينتهي إلاّ بانتهاء الكيان اللبناني نفسه، دولة ومؤسسات وتوازنات (تاريخية)، أي بمعنى من المعاني التوصل الى "جمهورية" بلا رئيس للجمهورية، أو على الأقل برئيس بدون جمهورية أو بلا جمهورية ولا رئيس جمهورية ولا من يحزنون: دولة بلا رأس، أو رأس بلا دولة. وهنا بالذات تكون مرحلة انقلابية أخرى. ولا نظن أن حزب الله الذي تجاوزت "دويلته" مرحلة "التأسيس" الى مرحلة التعزيز والتوسيع، من خلال قوته "العسكرية" الموجهة الى الداخل (مع تهديد الخارج ـ الإسرائيلي!)، وإمكاناته المالية "النظيفة" "المصدر" و"المخرج"، والمصرف، المتدفقة بلا حساب (لا أحد سأل حزب الله كيف صرف أموال المساعدات "النظيفة" التي مَنّت بها إيران ولا كم صرف ولا أين الباقي؟)، ومؤسساته المستقلة في "جمهورية" السامية، وموظفيه وعسسه الكثر كدويلة أمنية مخابراتية، لا نظن أن من يبرك على دويلة (أقوى من الدولة) يريد للدولة أن تكون في الاستحقاق الرئاسي وسواه ونظن أن الحزب الذي لم يعد يعترف لا بالشعب اللبناني (كمصدر قرار)، ولا بالجمهورية ولا بالدولة، ولا بالحدود، ولا بالانتماء، مستعد للانخراط في لعبة لا تكرّس تعميق كيانيته الكانتونية التي هي في النهاية (ونبشره بذلك) لن تكون أكثر من مشروع استئصالي أو اقتلاعي... أي انتحاري. (إسألوا من جرّب الكانتونات في السبعينات تجدوا الجواب الشافي). ونقول أكثر: إن الجماعة الآذارية المعروفة بإشارة النصر المنكسة (أي 8) لا ترى في الانتخابات المقبلة إلاّ حلقة جديدة لا تختلف عن حلقاتها الانقلابية ومحطاتها السابقة الفاشلة، من الاعتصام في الوسط التجاري باعتباره ملك آبائهم وأمهاتهم، الى محاصرة الحكومة لإسقاطها، فإلى 23 و25 كانون الثاني الفاشلة (مع الرقيب المتقاعد ميشال عون) فإلى جماعة العبسي الوافدة بإذنه تعالى وبتواطؤ "إيماني" و"علماني"... من دون أن ننسى اغتيالات بعض نواب الأكثرية والتفجيرات... والتهديدات. (آخر التهديدات جاءت وبشكلها الروتيني الملول من بعض قيادات 8 آذار). ونظن أن هذه الحملة المبرمجة على المملكة السعودية لا تخرج على ذلك الإطار الانقلابي: ذلك لأن هذه الأخيرة ساهمت مع بعض الدول الشقيقة (حقاً!) بمساعدة الدولة على الصمود في وجه من كانوا يريدون تدميرها. (نتذكر بعد حرب تموز المظفرة بإذنه تعالى كيف دعمت السعودية وبعض الدول العربية الاقتصاد اللبناني وحالت دون انهياره)، وهذه بالنسبة الى الوصايتين وظلالهما خطيئة لا تغتفر، وعقبة في وجه محاولاتهما الانقلابية!
فمن الطبيعي إذاً أن يعلن هؤلاء الحرب على كل من يحول دون استفرادهم لبنان وشعبه كما كانت الحال على امتداد ثلاثة عقود، وكلنا يذكر كيف "هُشّلت" "قوات الردع العربية" المشتركة لمصلحة "قوات الوصاية" الأحادية، ولكن بإرادة أميركية ورضى صهيوني لتصفية المقاومة الفلسطينية والمقاومة الوطنية والإرث النضالي الطويل للديموقراطية والتعدد والدور اللبناني المميز! وثمة من يقول إن حزب الله وخلفه غربان الوصايتين رشحوا أسماء للرئاسة لا سيما الجنرال الذي أسقط المتنيون (المسيحيون) "ولايته الفقهية" ووكالته الحصرية عليهم في الانتخابات الفرعية، أو لا يعني ذلك أن هؤلاء يريدون فعلاً تحقيق الاستحقاق، فلنقل ربما من باب الافتراض أو الجدل، لكن من باب "المنطق"، وقراءة سلوك هؤلاء ونياتهم وباطنياتهم وإعلاناتهم، نرى أنهم لا يريدون من ترشيح الرقيب المتقاعد ميشال عون سوى التعطيل. وكما سبق أن قلنا يستخدمون "زغلول الرابية" رابوقاً لتعطيل الانتخابات، واستبدال الرئاسة "بمجلس" رئاسي لهم فيه الثلث المعطل للجمهورية كلها! مع هذا فالجنرال الذي "انتهت مدة استخدامه" يُصدّق أن السوريين وحزب الله يريدونه مرشحهم! فيا للسذاجة! مسكين! فهل يمكن أن يصدق عاقل أن حزب الله نفسه يمكن أن يقبل بميشال عون رئيساً! لكن علينا أن نتدارك ولو بشيء من "الاستبعاد" أن يقبل آذاريو الوصايتين بعقولهم الانقلابية (ربما) رئيساً "لا شيء"، رئيساً ـ ظلاً! يشبه إميل لحود "غراب بعبدا"، و"عندليب الخراب" و"بلبل العمالة"، رئيساً ـ ولا رئيس! لتكون عندنا جمهورية ـ لا جمهورية، أو جمهورية تابعة للوصايتين عبر تبعيتيها للدويلة "الإلهية". وعندها يكون لبنان جمهورية ضمن الدويلة الإلهية المرهونة للوصايتين، لا جمهورية تخترقها دويلة "إلهية"، أي يصبح "الفرع" هو الأصل، والأصل بلا فرع ولا تتمة ولا جذور. وهذا ما علينا أخذه بالحسبان، لا سيما وأن شهية "المسترئسين" من هنا وهناك، تُفسد أحياناً "انتماءهم"، وتبلبل "عقولهم"، وتنتهب إراداتهم. ذلك أن بعض هؤلاء (من هنا وهناك) قد يتخلون عن ثوابت وإنجازات كثيرة من أجل الحلم "بالوصول" الى سدة الرئاسة. وهم لا يعلمون (وربما يعلمون) أن مثل هذا الوصول يؤدي الى اللاوصول، وإن مثل هذه الرئاسة تكون بلا كرسي، ولا "عرش"، ولا سلطة، ولا حضور، ولا هيبة ولا دور يكون فيها "الرئيس" أصغر من كرسي، وأصغر من طاولة، وأصغر من قرار أو باشكاتب أو "بشكرجي"... أي يكون ذريعة لاستكمال الفصول الإنقلابية عبر "شخصه" الكريم الطموح، "قناص" الجوائز الأخيرة ولو على حساب دماء الشهداء على امتداد الوطن! فمن يخن دماء الشهيد لا يرث الشهيد، بل يرث القتلة! (مفهوم؟)! أكثر: إن كل من يتواطأ على "الثوابت الجمهورية" (السيادة، الاستقلال، الديموقراطية) وكذلك المحكمة الدولية وقرارات المجتمع الدولي، لا يخون فقط دماء الشهداء وإرادة السياديين بل يسهم في إهدار دمهم من جديد، وتدمير إنجازاتهم! بل كأنه عبر هذا "المنصب" الذي سيكون شكلياً (إذا تم كما يريده آذاريو الوصايتين) سيكون عدد الجمهورية بامتياز! فلنتدارك! إذاً! وليلجم بعض "شبقيي" الاسترئاس، من هنا وهناك شهواتهم الجامحة، لكي لا تقضي عليهم أولاً وعلى كل شيء وعلى لبنان وإنجازات شعبه.
مع هذا، ما زال كثير من اللبنانيين الذين يستنكهون بواطن الوصايتين وأهدافها واستراتيجيتها لا يصدقون ادعاء هؤلاء باحتمال تحقيق الاستحقاق الرئاسي ولو "بتسوية" على رئيس، ولو بضمانات (ونعرف ضماناتهم ووعودهم وقراراتهم الملحوسة بألسنتهم)؛ إن الانتخابات في حد نفسها تعني "انتصار" الدولة (كما هي الحال في الفرعية المتنية التي بدّد فيها المتنيون الأحادية الشخصانية ومصادرة القرار وجعلهم مواشيَ في أرسان "القائد" الواحد: أبو الميش لصالح التعدد والتنوع والمحاسبة)، وكما هي الحال أيضاً في صمود الحكومة. فإذا كان بتوع 8 آذار (إشارة النصر المقلوبة بإذنه تعالى وبإذن الشعب) ما زالوا مُصرّين على اعتبار الحكومة غير "شرعية"، لغياب الأقلية أو "لتغييب" نفسها بقرار من الخارج، وإذا كان آذاريو الإفلاس ما زالوا يعسكرون في "مربعهم الأمني" الجديد في العاصمة، وإذا كان حزب الله ما زال يصادر قرار اللبنانيين بتفرده بقرار الحرب والسلم (كأن الجمهورية كلها ملك آبائهم وأمهاتهم وأربابهم وأبواقهم)، وإذا كانت "الدويلة" تتعزز كل يوم، وإذا كانت التعبئة الداخلية للحزب ما زالت تتوجه ضد الدولة، وضد أكثرية الشعب اللبناني، وضد الشرعية، والاستعداد لإحداث الفوضى والتخريب والتدمير، والتهيؤ لاستمرار المنحى الانقلابي، إذا كان كل ذلك ما زال شغالاً فعن أي انتخابات يتكلمون! كلامهم رغوة صابون "حديث خرافة يا أم عمر"، أو مجرد ذر غبار لتغطية "مفاجآت" جديدة أو مغامرات جديدة بشرنا بها حزب الله ربما ينوي "القيام بها" من دون إعلام أحد، أو استئذان الدولة والحكومة (وحلفائه) والناس، لتكون ذريعة لمحاولة إنقلابية جديدة تماماً كما كانت حرب تموز التي استدرجت العدو الصهيوني لاستباحة لبنان وتدمير بنيته وتخريب اقتصاده. فبلبال الحزب الإلهي (من بلبالي الوصايتين) هو الاستيلاء على "السلطة" أو الفوضى، وتغيير الهوية التعددية للبنان، لإقامة نظام استبدادي "تكفيري" تقابله كحالات دفاع "أنظمة" كانتونية مضادة، فنقع من جديد بفضله في "جمهوريات" "الموز" الكانتونية التي يسعى إليها حزبنا الإلهي المظفر دائماً بإذنه تعالى!
كيف يُواجَه مخطط آذاريي الوصايتين؟ هل نستسلم "بتوافقية" لا تكون أكثر من حجاب تمويهي لانقلاب جديد يطيح ما تبقى من الدولة ومؤسساتها. فالتوافقية تعني في قاموس "آذاريي" الخارج تنازل الأكثرية عن حقها في السلطة وفي الحكم، وكذلك عن إنجازاتها من المحكمة الدولية الى آخر قرار دولي متعلق بلبنان. التوافق عند هؤلاء يعني فرض إرادتهم كأقلية على الأكثرية المنتخبة، وتالياً بعثرة 14 آذار، وتالياً أيضاً تحقيق أهداف الشقيقتين: العروبية والأعجمية في استعادة الهيمنة على لبنان. فرئاسة الجمهورية ليست الهدف إلاّ بقدر ما هي محطة انقلابية تكمن فيها عناصر الاستيلاء على السلطة، لضربها، وتعطيلها، وإعادة البلاد الى مناخات الفوضى والعنف والفتن الطائفية والمذهبية والارتهانات الخارجية، وجعل البلد "منصة" ينطلق منها "الخارج" في لبنان لتحقيق مكاسب له على حساب البلد، ولهذا لا بد من تحذير هؤلاء المتهافتين على الرئاسة من هنا وهناك وهنالك، وبأي ثمن، إن إنجازات 14 آذار، والديموقراطية والاستقلال والسيادة والمحكمة الدولية ووجود الجيش على الحدود مع اليونيفيل، أغلى على اللبنانيين منهم. وإذا كان "للإغراءات" أن تفعل فعلها وسحرها، و"تطير" بعض العقول، وتضعف بكل النفوس، فإن "إغراءات" الوطن أثمن، وأضمن، وأكبر، ليس لمن يريد مقايضة دماء الشهداء وإنجازات انتفاضة الاستقلال، مقابل في أي سدة أو في كرسي، أو في أي رئاسة! فالناس، برغم تعبها ومعاناتها والضغوط التي تمارس عليها من "ترهيبيي" (الداخل والخارج)، ما زالت مستنفرة، وقادرة (بإذنه تعالى وبإذنها أيضاً) على أن تفعل فعلها في أي استحقاق قادم، وفي أي "مرشح" سيأتي كرئيس مستعار لا يرى في الوطن سوى وطن مستعار تماماً كإميل لحود، هذا الرئيس المستعار يهدد السيادة، والاستقلال، وأرواح العباد، والديموقراطية...
فهل يريد أي مرشح اليوم أن يكون إميل لحود آخر؟

       ثقــافـة