|
النظام البرلماني، كما هي الحال عندنا، قد لا يكون
توافقياً، إلا في الشؤون المصيرية التي تتطلب إجماعاً
كإعلان الحروب، والكوارث... ولأنه برلماني، فهو
انتخابي، أي ممارسة مباشرة للديموقراطية، كميزان
لمشاركة المجتمع المدني في اختيار ممثليه، ومن ثم
حكومته، فرئيس الجمهورية. فالشعب، بهذا المعنى، هو
الذي ينتخب ممثل سلطاته، وحكامه، وليس حكامه هم الذين
ينتخبونه. هذا ما حصل عندما فازت ثورة الأرز بالأكثرية
النيابية لتحكم. ومع هذا فهي جمعت أحياناً بين
التوافقية وإرادة الأكثرية في ظروف معينة. والتوافقية
كما يُطالَب بها اليوم كانت مفقودة على امتداد وجود
الوصاية في لبنان، حيث كان التعيين، والفرض،
والاستفراد والاملاء من سمات تلك الهيمنة. وهذا ما
يفسّر الخلل الذي كان قائماً في التمثيل على صعيد
السلطتين التشريعية والتنفيذية وسواهما. فالتوافق
أثناء الوصاية كان يختزل بإبعاد كل من ليس مرضيّاً
عنهم، والإبعاد يتم إما بالتصفية، أو بالسجن، أم
بالنفي، أم بالتهميش أم بالتقزيم في أحسن الأحوال.فازت
ثورة الأرز بالأكثرية النيابية وجاء رافضو التوافق
أيام الوصاية والمتواطئون مع الاستبداد بالكلام على
تجاوز حق الأكثرية بالحكم، وصولاً الى "توافق" مزعوم
يشوّه انتصار انتفاضة الاستقلال ويقتنص نصرها...
ومصادرته. فالتوافقية، اليوم، (عبر ما يُطرح من حكومة
وحدة وطنية) هي محاولة استيلاء أقلية على أكثرية، ليس
فقط على صعيد الحكومة بل على صعيدي رئاستي الجمهورية
والبرلمان. وهذا ما يسمى انقلاباً تحت صورة برّاقة
إسمها المزعوم "التوافقية"، وتحت خدعة اسمها "حكومة
وحدة وطنية"، تحوز فيها الأقلية الثلثين المعطلين،
فتكون هذه الحكومة "الوحدوية" استكمالاً لضرب الدولة،
والبرلمان، والانتخابات، والتعدد تمهيداً لسلطة احادية
شمولية مربوطة بأرسان الوصايتين، أو تمهيداً لفراغ
سياسي ودستوري.
فهل هذا يعني أن "التوافقية" في المطلق شر لا بد منه؟
كلا إذا جاءت هذه التوافقية كمشروع لتنفيذ اللعبة
الديموقراطية (البرلمانية) وليس لتعطيلها. لتعزيز
الارادة الشعبية وليس لإعطابها. لتكريس السيادة وليس
للانتقاص منها. ونظن أن الذين يُخوّنون خصومهم الذين
يمثلون ثلثي الشعب اللبناني لا علاقة لهم لا بعناوين
التوافق، ولا المشاركة، ولا الديموقراطية. فالتخوين
كصنوه التكفير أحد التعابير الموروثة عن النازية
والفاشية والأصوليات الشتى والأنظمة الاستبدادية.
فكيف، لمن يرفض الآخر أن يدعو الى "محاورته"، أو الى
الموافقة على مطالبته بالتوافق. إنها خدعة، ومن يفتح
على حسابه دويلة، وكانتوناً، كيف له أن يتكلم على وحدة
الأرض والشعب والدولة. شيء غريب؟ بل أكثر: إن "الحزب"
"الكانتوني" "غير الآدمي" بات يشكل "نظاماً" مستقلاً
خاصاً بدويلته على متون الأرض اللبنانية والدولة. بحيث
أنه قد يطالب غداً بتبادل السفراء بين نظامه
"الاقليمي" (وكيانه الالهي) وبين الدولة اللبنانية
"المجاورة". ونظن أن مَنْ يشكل "نظاماً" انفصالياً
داخل النظام اللبناني، أنّى له أن يفكر جدياً أو أن
يقبل جدياً للعبة الديموقراطية والانتخابات،
والحكومات، والرئاسات، وحتى مفهوم الشعب كمصدر
وكينبوع. ومع هذا، وتمويهاً، يطالبون "بالتوافقية"
المزعومة عبر حكومة "وحدة وطنية" (وعندهم حكومتهم غير
المعلنة، وحاكمهم غير المعلن، وبرلمانهم غير المعلن)
تُصفّي "النظام" اللبناني لصالح "النظام" (الكياني)
التقسيمي القائم. على هذا الأساس، نرى أن أولويات
"التوفيقيين" المزعومين هي ضرب اللعبة البرلمانية،
ومنع "التوفيق" بين شرائح الشعب اللبناني وممثليه،
وهنا بالذات يمكن ربط "نظام" الحزب الالهي "المتكامل"
بأنظمة خارجية وانشقاقه عن النظام اللبناني، وتواصله
العضوي بدول خارجية، وحربه على الدولة اللبنانية. بحيث
يمكننا القول ان رموز 8 آذار قد يرفضون إقامة علاقات
ديبلوماسية لنظامهم الالهي ربما مع إحدى الوصايتين
ليسعوا الى مثل هذه "العلاقات" مع الدولة اللبنانية
الأم!
فالتوافقية كما تطرحها اليوم جماعة 8 آذار هي توافقية
بين مؤسسي دولة كانتونية وبين افتراض أن الدولة
الرسمية هي أيضاً كانتونية. مبادلة كانتونية (توفيقية)
بمبادلة كانتونية، مزخرفة ببعض الطرابيش من هذه
الطائفة أو تلك للتمويه. وعليه فإن التوافقية (عبر
حكومة وحدة وطنية) هي محطة انطلاق لانتصار الكيان
الكانتوني على الدولة. انتصار المنحى الشمولي على
المنحى النسبي التعددي. حتى عندما تطرح صيغة
"المثالثة"، فهي لا تخرج عن ذهنية "التوافقية"
الانفصالية، أو التوافقية كمحطة للتقسيم، أو للتشرذم،
أو لإحداث الفوضى في بنية الدستور والطائف والأعراف
والتوازنات. إنها وجه آخر من وجوه النظرة "القطيعية"
للواقع، بحيث تسود البيولوجيا كايديولوجيا مذهبية أو
طائفية؛ ويغيب الصراع السياسي القائم على الاختلافات
الفكرية والسياسية والطائفية. ويغيب معها الانتماء الى
تاريخ وواقع وحدود وعلاقات وأرض. يُصبح الانتماء
المحلي صورة مستنسخة عن الانتماءات الخارجية، بحيث
تغدو شرائح المجتمع مجرد "جاليات" أجنبية "استوطنت"
عَرَضاً هذه البقعة أو تلك. ونظن أن استعادة "مفهوم"
"الشعوب" اللبنانية التي كادت تُرسيها حروب الآخرين
السالفة على لبنان لتقسيمه، تستعيد معها الحروب
القديمة وإن بشعارات جديدة، تجعل من كل طائفة أو حزب
أو مجموعة ظاهرة موقتة على أرض موقتة، وفي تاريخ موقت،
وفي وجود موقت. أي تجعل الوطن كله في حالة انتقالية من
دولة مستقلة، موحدة، ديموقراطية الى ساحات منقسمة، بلا
تاريخ، ولا جغرافيا ولا هوية، ولا انتماء، ولا مستقبل،
يصبح كل شيء في متناول "الخارج" الذي تحتمي هذه
الجالية أو تلك به. ونظن أننا، حالياً، بين مشروعين
واضحين: مشروع الدولة الواحدة الديموقراطية، ذات
السيادة، والانتماء، والتعدد، والانفتاح، والدور، وبين
مشروع دويلة "تُفَقِّس" دويلات بلا سيادة، ولا انتماء،
وبلا دور. أي رميم تقسيمي، قائم على العنف،
والانقلابات، والالغاء، والعمالة.
فكل منحىً كانتوني (مذهبي أو ايديولوجي) يعني عمالة
للخارج. وكل انقسامية انفصالية تعني ارتهاناً للخارج.
(وهذا ما لمسناه جيداً في الحروب التي استنبتت
ميليشيات "الكانتونات").
ونظن، ان المخططين لهذه الحالات "الهيولية" العدمية
الذين يريدون إعادة لبنان الى نقطة الصفر التاريخية
والجغرافية والبشرية والثقافية والحضارية، يبدأون
وبشكل بات يتوضح يوماً بعد يوم، من استحصالهم على
السلطة ككل، لمصادرتها، وعلى الشعب لإلغائه، وعلى
الحدود لإعدامها. وهنا يمكن الكلام على محطتين: الأولى
مصادرة المجلس النيابي وكأنما نوع من نعيه، أو دفنه،
كركن أساسي للنظام، وسطوهم على رئاسة الجمهورية التي
لم يُبقوا منها سوى رئيس نظري، وهمي، افتراضي. أو
فلنقل ظلاً لا حول له ولا قوة ولا اعتراف به، ولا عمق
له، ولا إرادة، ولا أكثرية.
فالسلطة التشريعية معدومة من باب الانقلاب على دورها،
ورئاسة الجمهورية معدومة أيضاً بحكم انفصالها عن
"النظام". إذاً مجلس نواب "مفصول" عن النظام (بانقلاب
مموّه)، ورئاسة جمهورية "مفصولة" أيضاً عن النظام.
تبقى الحكومة: البنية الأساسية للدولة والنظام خارج
المنقلبات. وهي ومنذ انسحاب وزراء حزب الله وأمل منها،
باتت مُستهدفة بكل أنواع العدوان الانقلابي بالعنف،
والتهديد والتخوين (ما أجمل الخَوَنة عندما
يُخوَّنون!) من قبل جماعة الوصايتين وهنا بالذات يمكن
الكلام على خدعة "الوفاق" أو "التوفيقية"، او حكومة
الوحدة الوطنية. فبعدما فشلوا في دكّ آخر معاقل الدولة
والشرعية، ها هم "يواربون" (مع جهوزية عالية
للانقلابات العنيفة كما حصل في 23 كانون الثاني وما
يحصل الآن في مخيم البارد مع عصابة العبسي التي هي
صنيعة الوصايتين وربيبة "عقول" 8 آذار المظفرة باذنه
تعالى آمين!) يواربون ويضمرون والإضمار هنا اخطر من
غبار "الظاهر" الذي لم يعد ظاهراَ إلا بتظهير "شخصيات"
مجوفة، يصفر فيها الفراغ، والادعاء والكراهية
والارتهان، والعنف والالغاء... والتبعية!
ولعلهم من خلال هذه المحاولات "التوفيقية" الملغومة،
يريدون أن يُثبتوا هشاشة الكيان والنظام والدولة
نفسها، واذا "استظهرنا" وجود جيش "الهي" اقوى من جيش
الدولة، ومؤسسات "الهية" اغنى من مؤسسات الدولة،
وموظفين "الهيين" لا يقلون عدداً عن موظفي الدولة،
وادعاء "شرعية" فوق شرعية الدولة، فيمكن تبيان ما يريد
"آذاريو" الوصايتين، من تأكيد على هشاشة الدولة
الشرعية وتالياً ضرورة استبدالها بأخرى "قوية"
بالخارج، شرسة بالعنف، حاسمة بالاحادية، شرعية بلا
شرعيتها بكانتونيتها، متماسكة على حطام وحدة البلاد،
مستقلة بعنف ارتباطها بارادة الخارج. فكأن هذه الدولة
"المنشودة" يقدمونها كنموذج بديل من دولة الطائف وكأن
هذا "النظام" المنشود يقدموهه كنظام بديل من النظام
اللبناني. وهذا ما يفسر محاولاتهم تدمير البنى كافة:
الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والتاريخية، ليقيموا
على انقاضها دويلة اللادولة، وسلطة اللاسلطة، وحدود
اللاحدود وانتماء اللاانتماء اي مربعات "أمنية"
متشابكة ومتضاربة، ومتلاغية ومتنافية! انها لحظة
"تصفير" لبنان. اي الانطلاق من الأصفار، وتأكيد عدم
الاعتراف بلبنانية لبنان. وأصوله التاريخية. وتخومه
الجغرافية، ووشائج ابنائه العميقة، فكل هذا لا يعني
بالنسبة للحزب الكانتوني سوى اوهام وتخاريف. فلبنان
اذا كان له ان يكون فبدءاً بهم، وبأيديولوجيتهم.
فكأنما يريدون وضع "تقويم" جديد لا يقل عن أي "تقاويم"
اخرى نعرفها. بحيث قد نؤرخ لولادة لبنان بولادة الحزب
الالهي، او بقيام هذه "الجمهورية "المستألهة" او ذاك
النظام. هذا التقويم "الالهي الجديد (نتذكر هنا
التقويم الهجري والتقويم الميلادي، والروماني...
والليبي... والبوذي..)، لنطمئن الى اننا سندخل، زمناً
جديداً، وتاريخاً جديداً، لا علاقة لهما بكل تاريخنا
القديم والحديث والمقبل (باذنه تعالى! آمين).
قد لا يخفي اصحاب "التقويم" الثوري "الحرسي" هذا
"التصفير" للبلد، ولكن يحاولونه منقلباً بالعنف هنا،
وبالتهديد بالسلاح والاجتياح والتدمير هناك. "التصفير"
على ارض محروقة، ووقت محروق، وتقويم محروق، وها هم،
وبكل ما اوتوا من عزم "تصفير الاصفار" وبكل "جلالة"
يتخذون من شعار "حكومة الوحدة الوطنية" الانقاذية
(تنقذ لبنان من لبنان، واللبنانيين من لبنانيتهم)
لتكون المرحلة "التوافقية" الأخيرة. التي يتم عبرها،
السطو على الجمهورية والنظام واستبدالهما بجمهورية
الاصفار وبنظام الاصفار... الالهيين!
ولكن هذا "التصفير" سيرتد اصفاراً على "صافريه"
ومصفريه. ذلك ان هؤلاء تناسوا اموراً اساسية في
مقدمتها ان الشعب اللبناني بحكومته ومجتمعه وأدواته
الديموقراطية وما تمثل سيُفشل مخططاتهم "التوفيقية"
عبر حكومة وحدة اللاوحدة الوطنية لتنتصر الدولة
الديموقراطية العادلة السيدة الحرة. الدولة الجامعة،
في وجه الدويلات المقسمة! كل انقلاباتهم فشلت... ونؤمن
بأن "تصفيرهم" الانقلابي الجديد، لتغيير وجه لبنان
بالقوة والعمالة والتخريب، سيلقى مصير محاولاتهم
السابقة!
|