الحياة 25-07-2007

شكراً لكم يا ملح هذه الأرض

محمود درويش

افتتح الشاعر محمود درويش أمسيته التي احياها في جبل الكرمل (15/7/2007) بكلمة هي بمثابة شهادة حول عودته الى حيفا. هنا النص الكامل للكلمة التي خص بها «الحياة»:

أحاولُ، ما استطعتُ، أن أنزع عن هذا اللقاء صفة الحدث... إذ أنّ من الطبيعيّ أن يلتقي المرء بماضيه الحاضر، وبأهله، ومشهده الطبيعيّ وعناصر تكوينه الأوّل. ولكن، ليس من الطبيعيّ، إلا في حياتنا غير الطبيعيّة، أن يصبح هذا اللقاء شأناً عامّاً احتفاليّ المظهر. وليس من الطبيعيّ أيضاً أن أُسأل: ألا تخشى على حياتك من زيارة الكرمل؟ وأن أُجيب: لا أتمنّى نهايةً أعلى... وأجمل... وأكمل!

هنا أنا الآن، من دون أن أتساءل: لماذا نزلت على الكرمل؟ من دون أن أضيفَ: كيف صعدتُ إلى الكرمل؟ إذ أني أعلم أني، بما يعنيكم منّي، وهو أن يكون صوتكم صوتي وصوتي صوتكم، لم أغب تماماً ولا أحضرُ إلا لماماً، لأنّ المجاز هو أداة الشاعر القادرةُ على جعل الخياليِّ واقعيّاً، وعلى جعل الواقعيّ خياليّاً، من دون أن تفقدَ اللغة طريق العودة إلى أرض مرجعيّاتها الأولى.

وهنا، تكوّنت مرجعيّاتي الوطنيّة وتبلورت ذاتي الشعرية، وسلكتُ الطرقَ الوعرة إلى مغامراتي. ومن على هذه القمة، التي سمّيت بأنف الغزال، قفزتُ إلى ما وراء البحر، إلى مجهولٍ لا سرّ فيه... فليس للفلسطينيّ ذات ذاتية، ولا حقّ له في الوجود خارج صراع حقّه مع القوّة التي اقترحت عليه طريقاً وحيداً للنجاة هو: أن يكون الخروج من الجغرافيا خروجاً من التاريخ. وقد تأذن له بتأليف أسطورته الخاصة شرطَ أن تكونَ ركيكةَ النهاية!

من سوء حظّنا أنّ الركاكةَ ماثلة أمامنا بعدّتها الكاملة. ومن حسن حظّنا أنّ البداية ما زالت مفتوحةً على تجارب جديدة. وما يبدو أنه نهاية ركيكة ليس أكثر من فشل المؤلّف في السيطرة على النصّ. لكننا نجحنا في أمر واحد: نجحنا في ألا نموت، حتى لو ارتكبنا من الأخطاء ما سيدفع هوميروس إلى إعادة يوليسيس إلى أكَلَة اللوتس ليُنسُوه طريق العودة.

لكننا لم ننسَ تاريخنا الذي نحاول إصلاح ما أصابه من عطب، بكلّ ما أوتينا من قوّة الذاكرة وتفاؤل الإرادة وعناد الصمود وبراءة الرومانسيين. حتى لو لم نكن كنعانيين، فليس من حقّ المؤرّخين أن يسلخوا عن هذه الأرض اسمها وأن يُشكّكوا بهويّة أصحابها الأصليين. ولأنّ الإسراف في البحث عمّن سبق مَن في بناء الأسطورة، ومَن كتب على الحجر قبل الآخر... لا يخصّ سوى علماء الآثار العاجزين عن الإتيان بالبرهان، فإنّ حقّنا في وطننا الوحيد لا ينصاع إلى سجال البراهين المترف. لأننا نحن... نحن البرهان. إذ أننا لم نُولد في غير هذا المكان، ولم نضع على الورق مشروعاً لبناء أمّة تبحث عن أرض خالية من السكّان!

ولأنّ للتاريخ طريقته الوحشية العشوائية في تحديد المصائر، ولأنّه لا يرحم ضحاياه، ولا يمتثل لأبطاله دائماً. ولأنّ البشر هم ضحاياه ونتاجه في آنٍ واحدٍ، فقد أدركت الضحيّة الفلسطينية أن عليها، لتبقى وتُبقي حقَّها في الغد، أن تجري تمييزاً ما بين حقها في الوطن وحقها في دولة على أرض وطنها الذي جعلته العملية التاريخية بلداً لشعبين... لعلَّ سلاماً ممكناً يحلّ على أرض سمِّيت مجازاً بأرض المحبّة والسلام من دون أن تتمتّع بهذه التسمية.

لكنّ اللحظة التاريخيّة الراهنة ظلّت تسخر من حلم هذا السلام، لأنّ عقليّة الغيتو الإسرائيليّة تقبض على هويّتها المضغوظة كما تقبض على قنبلة، وتخشى من اندماج محتملٍ بين اللاعاديّ والعاديّ، وتغلق الذات على الذات خوفاً من هواء الآخرين. والآخرون جميعاً، من الدول «المعتدلة» و «المتطرّفة»، يتوسّلون اتفاق سلام ما كامل التطبيع والأوصاف، مقابل كيان هزيل عليل يسمَّى دولة فلسطين، قد يُلبّي عطش الهوية الفلسطينية إلى سرابٍ في صحراء هذا العبث والخراب. لكنّ الجواب هو الجواب: تنازلوا أكثر إلى أن تصبح صورة المعتدلين صورة خونة، ويصبح المتطرّفون هم أبطال المحبطين القادرون على الحلّ. وهكذا ينتقل صراع الحضارات والأديان من فرضية إلى واقع، لأنّ الفوضى هي بديل العدل. فوضى في كلّ مكان، وتعديل خرائط. ولماذا تعجبون – يقولون – فمن حقّ من رسم خرائطكم أن يجري عليها تعديلاً ضروريّاً لمتطلبات العصر الجديد.

لكنّ كوابيسنا لم تَزُجَّ بغزة في هذا المشهد، إلى أن صحونا من الغيبوبة على علَم ذي لون واحدٍ يصرع علماً رباعيّ الألوانِ، وعلى محاولة انتحار المعنى علانية في الشوارع، وعلى أسرى بزيّ عسكريّ يسوقون أسرى عُراةً إلى كاميرا النصر. انتصرنا واستقلّت غزة عن الضفّة الغربية، وصارت لشعبٍ واحدٍ دولتان – زنزانتان لا تتبادلان التحيّة. فيا لنا من ضحايا في زيّ جلادين. وأدركنا أنّ لكلّ واحدٍ منّا أكثر من أبٍ واحدٍ، لا لأننا أبناء زنا، بل لأنّ الأنا المتضخّمة تعمي البصر والبصيرة. انتصرنا، ونحن نعلم أنّ الاحتلال هو المنتصر. فمن يصدّق، في هذه اللحظة أننا نؤتمن على مصائرنا، وعلى مستقبل بلادنا الديموقراطي التعدّدي؟

سيجد الاحتلال من بلاغة الزيف ما يُشرّع له الوصاية وبناء المزيد من المستوطنات التي ستجعل إمكانية بناء الدولة الفلسطينية واحدةً من عجائب الدنيا، وهو الذي أسهم، هو الاحتلال لا سواه، في شحن المحاصرين المحبطين بطاقة العنف التي انفجرت داخل الأسرة الواحدة. المنتصر فينا مهزوم من دون أن يعلم. والمهزوم فينا لا يتعلم درس الهزيمة. لكننا نؤمن بأنّ الروح الحيّة في هذا الشعب البطل الذي استعصى على مشروع إبادته السياسيّة على أيدي أعدائه، ستعرف كيف تضع حدّاً لجنون أبنائه، وكيف تمنع العبث المتربّص بالمعنى، من قتل المعنى!

آن لي أن أتذكّر أن هذا المساء مكرّس للشعر. فماذا يفعل الشعر في زمن المحنة الطويل، تعديلاً لسؤال أدورنو الشهير؟ أكاد أقول: لا شيء، وكل شيء في آن واحد. وبين اللاشيء وكل شيء، ثمة الشيء البسيط. يصبح البسيط هو الأصعب، لأن على اللغة الشعرية أن تلملم شظايا الواقع وأن تكون وفيّةً لتاريخيتها ولتعاليها المجازي معاً. ويصبح الصعب هو الأبسط، لأن في اللغة الشعرية من مكر الاستعارات ومراوغة الغموض ما يجعلها توحي لنا بأنها تقول ما لا تقول ولا تقول ما تقول، وبأن المعنى متخفٍّ في ما وراء الكلام. قيل «إن الصدق يراد من الأنبياء وإن حسن الكلام يراد من الشعراء». فكيف تسفر بشاعة واقعنا عن حسن الكلام في عملية التحويل الكيميائيّ الكبرى في مختبر الشّعر؟ وبعيداً عن أخلاقية أو لا أخلاقية عملية صنع الجمال الكلامي من موادّ تراجيدية، فليس علينا أن نصدّق الشعراء إلا إذا أتقنوا هذا الكذب الصادق. فتلك هي طبيعة مهنتهم الخاصة: لا أن يقولوا الحقيقة، كما تراها آلة التصوير، بل أن يقولوا ما حُجِب منها، ورأوه بالحدس والخيال والرؤيا وشفافية الحلم.

إنّ على أرض وجودنا الإنسانيّ والوطنيّ ما يستحقّ الحياة. وما يستحقّ أن نحيا له وبه ومعه، يتمرأى أوضح وأصرح، في تطوير ثقافة الحياة، وهي الهبة الإلهيّة الأسمى. وإذا كان لا بدّ من موت ضروريّ، فتلك تضحية نبيلة من أجل أن تكون الحياة أجمل وأسلس، لا من أجل رفع الموت إلى مستوى الغاية المشتهاة. إن الشعر هو المرافعة النوعيّة المجانية للدفاع عن الحياة وعن حقّنا في أن نحيا حياتنا كما نريدها، ببداهة وحرية وسلام، وهو دفاع عن الروح والذاكرة الجمعية والهويّة، دفاع عن الحبّ والجمال وعمّا في أعماقنا من موسيقى خفيّة وفرح. وهو مقاومة لكل ما يجعل الحياة عبئاً على الأحياء، ومقاومة لكل ما يعيق حرية الإنسان وتطبيع علاقته مع ذاته ومع وجوده الإنسانيّ. إنه البحث عن الأمل، أو هو اختراع الأمل.

شكراً لكم يا ملح هذه الأرض!

       ثقــافـة