|
يبدو القاتل مرتاحاً جداً الى وضعه. فهو
يتحرك في مساحة ملائمة. رئيس الجمهورية يغطّي سقفه
السياسي. رئيس مجلس النواب يشلّ
البرلمان، وقواه المتعددة الذراع تقوم بعمليات
متزامنة: حرب في الشمال بهدف إنهاك
الجيش واستنزافه وضرب مكوّنات وجوده، حشود واسلحة في
البقاع استعداداً لمواجهات
مفتوحة، تفجيرات متنقلة في المناطق اللبنانية بهدف
ترهيب الناس وكسر الاقتصاد،
وفراغ دستوري يقوم لاعداده مبدأ التصويت بالرصاص
والمتفجرات، لتحويل الاكثرية
النيابية محض اقلية.
في المقابل، يواصل "حزب الله" وحلفاؤه الضغط الميداني
في
مخيم رياض الصلح، والضغط الاعلامي التهويلي الذي لا
يكفّ عن اعطاء الغالبية دروسا
في الوطنية تمزج قاموس البعث السوري بمفردات الصحوة
الايرانية.
المعركة الفاصلة
التي بدأت في نهر البارد، ليس المخيم الفلسطيني سوى
مقدماتها، على ان يتابع المسلسل
الدموي الذي اودى بحياة القادة الاستقلاليين: رفيق
الحريري وباسل فليحان وسمير قصير
وجورج حاوي وجبران تويني وبيار امين الجميل ووليد
عيدو، في انتظار الضحايا الجدد
على حائط الاعدام الدموي الذي يبنيه النظام
الديكتاتوري لاحرار لبنان.
المواجهة
غير متكافئة منذ البداية. فالنظام السوري يملك جميع
الأسلحة:
آلة القتل والجريمة
المنظمة، الفخاخ الأمنية التي زرعها في لبنان، من
المخيمات الى تلال الناعمة الى
قوسايا... التحالف المعارض الذي يشق الوحدة الوطنية
بخطاب طائفي يراوح بين السعي
الى الهيمنة (حزب الله) واستغلال الخوف من هيمنة
طائفية جديدة (التيار العوني). لكن
الفزاعة الكبرى التي يملكها ويريد تحويلها الى ورقة
للتفاوض مع المجتمع الدولي هي
الفوضى، من "حماسستان" التي تنشأ وسط حمّامات الدم في
غزة، الى امارات "القاعدة" في
العراق، الى شاكر العبسي واضرابه في مخيمات لبنان.
وهو ينفّذ مشروعه بدم بارد
ووحشي، غير عابئ بالنتائج، لأنه يسوّق نفسه على انه
الانكشاري الجديد الذي يستطيع
وحده ضبط الجنون الذي يطلقه. وعلى العالم وأد المحكمة
قبل ان تولد للتفاوض معه،
ومراعاته، لأنه يملك القدرة على اطلاق الفوضى وضبضبتها
ساعة يشاء.
وهو في لبنان
يستند الى رئيس لا شرعية له، لذا فهو مستعد للقيام بأي
شيء، وتغطية كل شيء، وتسويق
خطاب القتل في اعتباره باباً لتحطيم المؤسسات
الدستورية وتحويل لبنان امارات على
الطريقة التي تخدم اسياده في دمشق.
كما يستند الى ثغرة الانقسام الطائفي
والمذهبي، التي يعتقد قادتها انهم يخوضون صراعا
استراتيجيا مع العدو الاسرائيلي،
وهم في الواقع يصيرون بإرادتهم ادوات لاعادة
الديكتاتور الى الوطن الصغير الذي طُرد
منه.
لكن نقطة قوته الكبرى، تكمن في آلة القتل المافيوية
التي يملكها ويحركها في
اتجاهات متعددة ومتزامنة: اغتيال بيار الجميل تزامن مع
المخيم في رياض الصلح رغم
انه سبقه بأيام. حرب امارة العبسي مهّدت لاغتيال وليد
عيدو، والعبوات الناسفة في
الأشرفية وفردان وعاليه والزوق ترافقت مع المذبحة
الوحشية لجنود الجيش اللبناني في
الشمال.
يستغل النظام السوري في شكل كلبي الدرسَ الذي خرج به
اللبنانيون من
الحرب الأهلية، وهو ان لا عودة الى الحرب، ولا عودة
الى لغة السلاح والقتل، لأن
المنتصر في هذه الحرب مهزوم، ولأن الضحية الكبرى للعنف
لن تكون سوى الوطن.
وفي
كل مرة يجري إفشال مخطط الحرب عبر اللجوء الى المؤسسات
الدستورية، يجري تعطيل
المؤسسات وشلّها، كي يشعر اللبنانيون بأن لا حول لهم،
وبأن مصيرهم صار معلّقا في
فراغ الموت، وبأنهم باتوا تحت رحمة من لا يرحم.
هذه المعركة الوحشية ترمي
بظلالها على كل شيء في الحياة السياسية والثقافية
اللبنانية، بحيث يريدون اخراس
الضحية كي يسهل قتلها. فأنت لا تستطيع مقاومة العبسيين
لأن هناك معتوهاً برتبة مثقف
سوف يتهمك بأنك ضد الشعب الفلسطيني. كأن القتلة
والمجرمين في نهر البارد او في غزة،
الذين يذبحون اربعين عاما من النضال الوطني الفلسطيني،
وبيعه من الديكتاتور العربي،
هم فلسطين. وانت لا تستطيع ادانة قاتل سمير قصير او
وليد عيدو او جبران تويني او
جورج حاوي، لأن عليك انتظار نتائج التحقيق الممنوع
لأنهم لا يريدون لا محكمة دولية
ولا أيّ نوع من المحاكم، بل يريدون تجهيل الفاعل مثلما
فعلوا سابقا. وانت لا
تستطيع، او لا يحقّ لك، التمسك بالشرعية الدستورية
لأنهم لا يعترفون بها.
انهم
لا يعترفون بسوى ديموقراطية المسدسات والمتفجرات.
حسابهم بسيط وعملي: لم يبق سوى
اربعة نواب، فاذا اغتيلوا صارت الغالبية اقلية، وعادت
المؤسسات مطية لعنجر التي صار
اسمها ريف دمشق.
هذا هو المجلس الدستوري الذي يعترفون به.
وهم ادرى، لأن من
سبق له وركع في عنجر، فقد تعوّد الركوع، وهو مستعد
لتقديم غطاء الذل والمهانة لمن
اذلّه واستباح وطنه.
المعادلة الاجرامية بالغة التعقيد. انها وحش بأربعة
رؤوس،
وآلة استباحة مطلقة.
لبنان اليوم في الخطر.
انه الصيف الدامي الذي سيقرر مصير
الدولة والشعب.
ولكن كيف نواجه الوحش ولعنة الموت؟
موت لبنان ليس قدرا،
ومقاومة الشعب اللبناني ليست سدى، ودماء الشهداء لن
تذهب إهدارا.
نبدأ من هنا،
ونعلن اننا لن نقاوم بالعنف، ولن ننجرّ الى لعبة الموت.
مقاومتنا سلمية وسياسية.
مطلبنا من الحكومة اجراء انتخابات فرعية تكون استفتاء
على لبنان.
لن يوقّع اميل
لحود مرسوم دعوة الناخبين.
فليفعل ما يشاء.
على الحكومة واجب دعوة الناخبين،
ولتكن انتخابات في بيروت وفي المتن، وفي كل مكان يتم
اغتيال نائبه، ولنذهب الى
صناديق الاقتراع. ولنتابع المقاومة.
المقاومة ان نفرض المقياس الدستوري على من
ائتمن على الاستقلال والدستور، فجعل الاستقلال اقل من
متصرفية تابعة لعنجر، وحوّل
الدستور مطية.
حماة الدستور هم اللبنانيون انفسهم.
التردد الآن يساوي
الانتحار.
الرد على القتلة يكون تمسكاً بالديموقراطية، ويداً
مفتوحة لوفاقٍ
شرطُه الاستقلال والاستقلالية، وثباتا على المبادئ.
لا شيء يمسح دمنا المهدور
سوى الحرية.
لا شيء ينتقم للشهداء سوى بناء الاستقلال.
وسنثبت للطغاة والقتلة
ان النصر صبر ساعة.
الملحق
|