|
كأن نقول ان وليد عيدو آخر الشهداء. لكن متى يكون
للشهداء من آخر أو أول أو ترتيب زمني أو حتى أبجدي.
كأن كل الشهداء واحد. وأولّ. الأخير الأول. والأول الى
الأخير. وليد عيدو السادس أو السابع... أو بين شهداء
14 آذار. ورفيق الحريري الأول وباسل فليحان، وما
بعدهما سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار
الجميل... لكنهم واحد. والموكب واحد. ومتلاصق. يتحد
السابق باللاحق اتحاد مجرى الدم، والهواء... والعناصر.
والشهيد الذي سيختاره القتلة لن يكون الأخير في
التعداد ولا في المرتبة ولا في الرتبة. والقتلة يحصون
الواحد من الشهداء ليكون الكثير المحتمل. وهم لا يدرون
(لأنهم رعاديد وجبناء!) ان وراء كل شهادة حياة. وان كل
حياة هي مشروع شهادة، للوطن، وللأرض، وللحرية، وللضوء
(وهل يعرف الضوء من تسكن عينيه العَتمة وبصيرته
الوحل)؟ ذلك، ان وليد عيدو، القاضي، والنائب، وابن
بيروت، واللبناني المتفتح، والعروبي الديموقراطي
الحضاري (لا العروبي بالاسم والخوارجي والمستبد
والصهيوني بالفعل والتاريخ)، طلب الشهادة لنفسه كمن
يطلب الحياة. طلب الشهادة فدية للحقيقة وافتداء
للعدالة والسيادة والحرية.وكل من يؤمن بهذه القيم، وسط
هذه الأدغال من القتلة والمأجورين والعملاء (المحليين)
والمدججين بالحقد، والعقد الدونية (أمام لبنان الضوء)،
ورثة التسلط والاستبداد بالجبنة، وبالسياسة، وبالذهن،
وبالممارسة وبالفساد، كأنما يطلب الشهادة، لكي لا
يستشهد الوطن وما يؤمن به.
فالكاتب الحر، هو مشروع شهادة. يطلبها لنفسه أراد
أحياناً أم لم يُرد. والمفكر السيادي مشروع شهادة.
والصحافي الاستقلالي مشروع شهادة (لا أقصد صحافيي
الارتزاق وكتبة التواطؤ والارتهان والارتزاق فهم قتلة
أسوة بمن يغطونهم ويحولون الأنظار عن جرائمهم)،
والسياسي الديموقراطي مشروع شهادة. والمطالب بالعدالة
والمحكمة مشروع شهادة. والصارخ بوجه المعتدين على
البلد مشروع شهادة. والرافض الوصايات وبتوع الوصايات
والعملاء، مشروع شهادة... والمدافع عن أرضه وكرامتها
والدولة والمجتمع مشروع شهادة. فالجنود والضباط الذين
يقاتلون الزنادقة وشذاذ الدين وخَوَنَة العروبة وحلفاء
بني صهيون في نهر البارد مشاريع شهداء. ومَنْ سقط منهم
هو شهيد، بين الشهداء الذين استشهدوا. فكل شهيد هو
قافلة شهداء. وكل قافلة شهداء هي شهيد يتكاثر ويتقدّم
ويسير وتنبح خلفه بنباح أسود ودموي قوى الشر والتآمر
لصالح العدو الصهيوني، باعتبارهم كانوا "صهاينة" تحت
الطاولة وباتوا صهاينة فوق الطاولة وفي وَضَح
النهار... بلا خجل ولا استحياء. (إنه الفجور بعينه!).
ذلك أن الشهداء وسط هذه الغابات من القتلة والسفاحين
(يرفدهم بعض داخل محلي لا يقل عنهم قتلاً وتواطؤاً
وسواداً وخسة) تواكب النضال، وترافق أهله، في مسيرتهم
الطويلة (فالشهادة كمسيرة أي استقلال طويلة)، وقد
خطاها اللبنانيون بالثبات، وهم يعرفون أن كل خطوة هي
كذلك مشروع شهادة! ولذلك يعرف اللبنانيون أن لا شيء
يُنال إلا بثمن. ولكل شيء ثمنه. (وما في شي لا مجاني
ولا ببلاش). وها هم ينتصبون بكل إصرارهم وعنادهم
وإيمانهم ويجعلون من أنفسهم "ثمناً" للحرية والعدالة
والاستقلال. فلْنَتَكاثر في الفداء لِنتكاثرَ في
الحقيقة، وفي قيامة الوطن. ولنتضاعفْ في التضحية
فنتضاعفَ في حماية قيمنا، وحدودنا، وأهلنا ومستقبلنا.
وهذا ما لا يعرفه القتلة (ذلك أن كل قاتل هو مشروع
قتيل... لكن مشروع جبان ورعديد) إن عتمة القبور، لا
تخفي النور. نور الحقيقة. ذلك أن عتمة القبور، قبور
مَنْ ماتوا من أجل الوطن، تضيء الدروب وتنافس الشموس
في قببها الساطعة. ذلك أن عتمة القبور لا تجفف دماء
مَنْ قدّموا حياتهم في سبيل الوطن، فالشهداء هم الذين
يرثون الشهداء، ولأن دماءهم التي أهدرها أعداء الانسان
والانسانية إنما تجري في عروق مَنْ يكمل سبيلهم الى
تحقيق السيادة، والعدالة، والحرية... (وهذا ما لا
يعرفه القتلة، ذلك لأن القاتل يجف دمه في رأسه وفي
قلبه وفي شرايينه... ليصير بلا دم ولا قلب وبلا عقل
ولا ضمير ولا حياة ولا إشارة إلا إشارة العدم).
الشعب اللبناني، وربما المرة الأولى منذ عشرات السنين،
عرف طريقه الى نفسه كشعب واحد، وعرف طريقه الى وطنه
كوطن واحد وعرف طريقه الى حدوده كحدود له واحدة غير
منتقصة، وعرف مشروعة الاستقلالي كمشروع جماعي شامل
وليس كمشاريع مذهبية طائفية... ولهذا بات يعرف، أكثر
من أي وقت مضى، وبفعل التجارب والتجاريب، ما معنى أن
يتكهن، وما معنى أن يصمد، وما معنى أن يستبصر أهداف
الأعداء (من اسرائيل الى هذا الشقيق أو ذاك!)، وما
معنى أن يرى بوضوح خلفيات الجرائم المرتكبة وأساليبها،
ولغاتها وتبريراتها. ولهذا وقف وراء جيشه الباسل الذي
يدافع عن كرامة الوطن وسيادته. وتماهى بشهدائه
وبالأحرار لأنهم يخوضون المعركة الأخرى الموازية
لمعركة الجيش، في ميادين التحركات السلمية والنضال
الحضاري، والديموقراطي. ويعرف جيداً ما معنى مواقيت
القتل عند القتلة: يعرف بالحدس والخبرة والوعي أنهم
قتلوا رفيق الحريري ليمنعوا قيام ثورة الاستقلال
ويزرعوا الرعب في قلوب الاستقلاليين. ويعرف أنهم عمدوا
الى قتل الشهداء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني
وبيار الجميل ليمنعوا قيام المحكمة الدولية. ويعرف أن
الذين آزروهم من عبيد الداخل كعملاء ووكلاء لهم، لا
يختلفون عنهم لا في أساليبهم ولا في ذهنياتهم
الاستبدادية والانقلابية: عرفوا ماذا عَنَتْ حرب تموز
التي كانت موجهة الى الداخل للانقلاب على الشرعية أكثر
مما كانت موجهة لمحاربة العدو! وعرفوا ما وراء كل
المحاولات الانقلابية: من إغلاق مجلس النواب، الى
محاولة تعطيل الحكومة، الى التمسك بالعميل المظفر
الساقط شرعياً وشعبياً اميل بن لحود بن رستم بن مخلوف
بن شكوت بن آخر نفر مخابراتي... بن كل "أبوات"
الانقلاب. وعرفوا ما معنى "العسكرة" في قلب العاصمة...
بخيم مصادرة من المساعدات التي قدمت للنازحين. وعرفوا
ما معنى أن يساوي هذا الحزب (الطاهر النقي الالهي) بين
الجيش الباسل شريكه في المقاومة وبين عصابة فتح
الاسلام وعرف ما معنى أن يضع آلهة الحزب المذكور
الخطوط الحمر للجيش، وعرفوا ما معنى أن يعمد بتوع 8
آذار، وامتداداتهم الاعلامية المكتوبة والتلفزيونية
ومرتزقتهم "الشامخة" في قلاع الايمان والعروبة، ان
يموّهوا الحقائق، ويحوّلوا الأنظار عن "مُعلّمي"
ومصدّري فتح الاسلام... لينسبوهم الى جهات أخرى، وهم
يذرفون دموع التماسيح على الجيش، ويبدون غيرة لا مثيل
لها على "استنزافه"، ويستنكرون "توريطه" في معركة
البارد... وهم يطالبون بذكاء (من العروبيين
والايمانيين السابقين!) بحلول سياسية! وعرف الشعب ما
معنى أن يواكب عمليات الغدر والاعتداء على الجيش حشود
عملاء النظام السوري وَخَوَنة القضية الفلسطينية على
الحدود البقاعية (حدود الجولان بين اسرائيل ونظام
الممانعة هي الأهدأ مطلقاً في العالم وفي اسرائيل...
وفي كل الأراضي العربية)، يحشدون الجيوش على الحدود
اللبنانية، ويغدرون بالجيش، وفي الوقت نفسه يحمون
الجيش الاسرائيلي المحتل في الجولان. فيا للممانعة ويا
للصمود ويا للتصدي ويا للبسالة ويا للتحرير!
وأين الذين يدّعون محاربة اسرائيل من الأعاجم وأعوانهم
لاعتبارها الشر الأكبر ويهددون برميها البحر!
أليسوا حلفاءهم، هؤلاء الذين يسعون الى التفاوض بلا
شروط... "وجربونا! هذه المرة"). فيا للباطنية. ويا
للخبث وللتواطؤ. ويا لخيانة الذات، ومَنْ سيصدق أهل
"الايمان" بعد الآن حتى هم باتوا لا يصدقون أنفسهم!).
وإذا كان الناس باتوا يعرفون ما ومَنْ وراء كل جريمة
وتحرّك جبان... ومحاولة انقلاب فهم يعرفون أن مَنْ قتل
الشهيد وليد عيدو يفتح "زمناً" جديداً (قديماً)، بعد
إقرار المحكمة. أول قتل كفعل عقابي (من رَهابيين
وإرهابيين ومهووسين بأعناقهم تلتف حولها المشنقة)،
تماماً كما هو العدوان على الجيش (وقبل ذلك مجزرة عين
علق)، والتفجيرات لضرب المراكز الاقتصادية والموسم
السياحي (خدمة لاقتصاد اسرائيل التي باتت الملاذ
الأخير مع "الدولة العظمى قطر" المقاومة الشرسة)،
والتهويل بحروب أهلية، وصراعات فلسطينية ـ لبنانية
(سفّاحو المخيمات الفلسطينية في السبعينات والثمانينات
يتهمون الجيش بضرب المخيمات. سفّاحو المدنيين
الفلسطينيين "يدافعون" عمن نجا منهم من المدنيين
الفلسطينيين فاستذكروا يا أولي الألباب).
واستشهاد عيدو أول قتل يرافقه اعتداءات على المواطنين
والفلسطينيين والجيش، وتواكبه تفجيرات وحشود عملاء
النظام السوري على الحدود، و"حشود عملائهم عندنا،
بفضله تعالى!" برسم المحكمة كمردود رجعي، وبرسم
استكمال محاولة تدمير الدولة، وتعطيل الانتخابات
الرئاسية... لكن كل ذلك مرشح للتصعيد باعتبار ان
الحدود اللبنانية ـ السورية تتدفق منها الاسلحة
والعملاء ليحاربوا لبنان (وحدودهم آمنة مع اسرائيل إلا
من الحمام الزاجل) إزاء عدم قدرة القوى الأمنية عن منع
تهريب العملاء والأسلحة لاستمرار المناحي الانقلابية.
إذاً، تجددت الاغتيالات باستشهاد وليد عيدو، وتكثفت
الاعتداءات من منظمات وحركات هي الى ارتباطها بالأجهزة
السورية تؤدي خدمة لاسرائيل المرضي عنها اليوم...
وربما دائماً من قبلهم، وتجددت التفجيرات...
والتهاويل، وكذلك اسطوانة التشكيك في الجيش من باب
الحرص عليه (!) من قبل "البكائيين" على الجيش بدموع
التماسيح... والوصايات، وتجدد بزخم إقفال مجلس النواب
ورئيسه يقفله وكأنه هو الذي انتخبه وليس المجلس هو
الذي انتخب ذلك الرئيس الحِدِق!) وكذلك ذرّ الغبار
للتغطية على المجرمين في مخيم البارد... وصولاً الى
محاولة "إنهاك" المحكمة (بدأوا يهددون بعض القضاة...
كجوزيف شاوول بإلقاء قنبله قرب منزله...! ومحاولة
يائسة لتعطيلها...
لكن، ولأن الشعب اللبناني بأكثريته يعرف المرامي،
ويرصد "المناحي" الانقلابية، ويتكهن ما وراء عمليات
القتل والاعتداءات وانتهاك الدستور وتدمير الدولة...
فاإنه يعرف كيف يحمي إنجازاته... كلها، ويعرف جيداً
كيف يمنع عقارب الساعة في الرجوع الى الوراء. (ساعاتهم
متوقفة عند ميقات القتل) بل وبات يعرف كيف يصد كل
أشكال العدوان على لبنان... ويحفظ جيّداً درس
العدالة... ليقول بالفم الملآن للمجرمين والمتواطئين
من البلديين وغير البلديين... بشّروا القاتل بالقتل،
بل بشّروا القاتل بالمحكمة الآتية بلا ريب بالعدالة
والعقاب والحق والحقيقة!
بشّروا الانقلابيين من حَفَظَة دروس الارهاب والعنف
والعمالة والتقسيم والكانتونية والتواطؤ والموت وتدمير
الدولة... إن ما يريدون "قلبه" انقلب عليهم بكل
"خبثهم" و"جزويتيتهم" "وباطنيتهم" ونياتهم السود...
المبرقعة أحياناً بإيمان مزيّف، وببطولة مستعارة
وبغيرة (لا سيما على الجيش) قاتلة، وبتنويرٍ مُوحل!
ووعود "فردوسية" استنقعت بعَبقهم وموبوءاتهم وأمراضهم
وإفرازاتهم المَرَضية وهواجسهم الخلفانية.
بشّروا الانقلابيين وأساتذتهم أهل الطغيان والظلامية
والمطامع "الاستعمارية" في بلدنا الصغير (الأكبر منهم)
إنه وكما فشلت كل محاولاتهم لقلب الشرعية وتخريب
المجتمع، ومنع قيام المحكمة ومصادرة الارادة الشعبية
بالقوة، والارهاب والترهيب والتهويل والاغتيالات
والتفجيرات ستفشل كل مخططاتهم (التي تصب عند مخططات
الصهاينة إزاء لبنان) وسيتساقطون في قيعانهم، وفي
مُنقلباتهم وسينتصر هذا الشعب الكبير، الذي ينصر بلاده
بالشهادة، وبأي تضحية، وبأي صمود، وبأي مواجهة،
تدعيماً لقيام الدولة وظفر الحقيقة وانتصار العدالة
والديموقراطية والسيادة والحرية والاستقلال!
سينتصر هذا الشعب للبنانه المضيء، الحي، المتنوّع،
الحضاري، المنتفخ، في وجه كل ما يرسمه مأجورو الوصايات
وما بينها كتقاطع استراتيجية بني صهيون!
فنم يا وليد مع رفاقك الشهداء. الابرار ! فالوطن بكم،
وبكل مواطن وفرد وطفل وعجوز وجندي، مقبل على نفسه،
مقبل على ما ستصنعه أياديهم الخلاقة، للمستقبل، من
طمأنينة واستقلال وازدهار وثبات! |