|
سنتان من دون
سمير قصير في
"النهار" والعالم؟
ظاهريا،
نعم. فعليا، لا.
لان سمير الذي كان شخصاً فرداً، قلماً مفرداً، صار
شعباً. كان
رجلاً، صار حكاية. كان اسم علم، صار صفة.
كان ينتسب الى عائلته ومدينته. صارت
تنتسب اليه الانهار والصباحات والاطيار ومدن بيروت
والقدس ودمشق. وينتسب اليه
الاحرار.
لم يغب سمير، بل ذاع وانتشر. استقرّ في مسام كل
الاحرار، في انفاس كل
الكلمات، في احلامه اجيال لن تنسى السحر: سحر طلته،
وسحر كلمته.
عندما اعتبر
عميد "النهار" غسان تويني في مقدمته لكتاب سمير "عسكر
على مين" ان سمير قد "فكفك"
آلية القمع والتسطيح حتى أدق دقائقها في دهاليز
العسكريتارية وزواريبها وزواياها
كان يوجز بكلمات ما كان سمير يفعله في جميع كتبه:
التفكيك من اجل اعادة التركيب.
التوثيق والتدقيق من اجل التفسير. ثم التحليل من اجل
صياغة الموقف المركّب الواضح،
الدقيق، المشبع ثقافة ورؤية.
في كتابه المشترك مع فاروق مردم بيه "الطرق من
باريس الى القدس"، قام بـ"تفكيك" الموقف الفرنسي من
القضية الفلسطينية منذ 1917 حتى
1958،
مرحلة مرحلة، رئيساً رئيساً، عنصراً عنصراً، متكئاً
الى قاعدة توثيقية صلبة،
والى قدرته على اعادة التركيب في نظرة شاملة، وصولاً
الى التحليل.
في كتابه "حرب
لبنان" (بالفرنسية) عمد ايضا الى "تفكيك" جميع الاسباب
الدولية والاقليمية والعربية
والمحلية للحرب، جميع الفاعلين، جميع المراحل، من اجل
ان يعيد تركيب الحروب
الرئيسية والثانوية، ليبلغ منها الى استنتاجه "ان
الحروب كانت حربا واحدة متصلة، لا
مجموعة حروب متناثرة".
في "عسكر على مين"، قام بـ"تفكيك" آلية القمع الداخلي
على
يد النظام المخابراتي السوري – اللبناني، منذ "ورود
الانباء على ترئيس العماد اميل
لحود حتى بداية 2003" متناولا تفاصيلها وتجلياتها
المختلفة في حقول السياسة والامن
والاعلام، ليصوغ خلاصة تقول ان القمع الداخلي من غير
حاضنة سورية ما كان يمكن ان
ينهض ويستمر ويتعزّز.
في "ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان – البحث عن ربيع
دمشق" قام مرة اخرى بـ"تفكيك" آليات القمع التي
مارستها دمشق في عهدي الاسد الاب
والاسد الابن، ليعلن في النهاية ان "الربيع" واحد في
بيروت ودمشق، مثلما الليل
واحد.
في "تأملات في شقاء العرب" جال على الواقع العربي،
معيداً تقويم عصر
النهضة، ناظراً الى الشقاء العربي باعتباره "ابنا
للعجز"، رافضا ثقافة الموت، داعيا
الى ثقافة الحياة "عبر تعددية ثقافية وسياسية تشكّل
بداية الرد على الشقاء. وترتبط
هذه التعددية بفكرة الحداثة" (من مقدمة الياس خوري
للكتاب). اما القضية القديمة فقد
باتت "تكمن في التخلص من انظمة الارهاب والانقلاب
واستعادة حرية الشعوب كمدخل الى
نهضة عربية جديدة". (18/2/2005).
بهاء المزاوجة
لكن مواهب سمير لا
تقتصر على هذه القدرة على تناول أدق التفاصيل، ثم
اعادة تشكيل الصورة الاجمالية، بل
تتجاوزها الى المزاوجة التي تطبع سيرته الفكرية
والشخصية كلا:
-
المزاوجة بين
الراهن الحدثي، اليومي، التفصيلي، وبين التاريخي
والمديد. بين الخبر اليومي والحقبة
التاريخية. فالخبر يتخطى نفسه في اطار اعم يمنحه معناه
ومدلولاته. كما ان التاريخ
لا يقفز فوق الخبر ولا يعدم الدقائق والتفاصيل.
-
المزاوجة بين قراءة الواقع
اللبناني او السوري او الفلسطيني، وقراءته الواقعين
العربي والدولي، كإطار تفسيري
وتحليلي جامع. فلا سقوط في محلوية ضيقة، ولا تحليق
عربي او دولي فوق الواقع المحلي.
انها حركة العبور في الاتجاهين: يقرأ اللحظة المحلية
في اطارها العربي والدولي، ثم
يعود الى المحلي بعد اغتذاء من ثقافة شاملة وعين تبصر
الصورة الاعمّ.
-
المزاوجة
بين السياسي والاقتصادي، بين التحليل السياسي والرقم
الاقتصادي، في تشكيل صورة
متعددة البعد، هذه ثقافة لا تقيم عازلا بين النطاقين،
ولا تحبس نفسها في مستوى وحيد
يفقر التحليل عوض ان يمد آفاقه.
-
المزاوجة بين الفكر السياسي والالتزام النضالي
في حركة سياسية تغييرية.
ان المثقف الذي لا "يأنف" من السياسة او "الشارع"، بل
يمارس مصالحة بين نبض الواقع ونبض الكلمة.
...
حتى تبلغ المزاوجة لحظة البهاء
الكبير: بين شهوة الثقافة وشهوة الحياة ومتعها، فاذا
المثقف يعيش ملء الزمن ويشحن
كل لحظة بفرح العيش، فيحضر في المثقف والزوج العاشق
والاب الرقراق، حضورا سويا
ومتوقدا.
سمير لم يؤلف كتبا فقط. كان يؤلف حياته، ويؤالف بين ما
يبدو متناقضا،
او متنافرا او متباعدا.
كل صباح، يستقبلني سمير وجبران، في اللحظة نفسها.
سمير،
جالسا وسط حديقته، باسطا كفّه، حارسا مدخل المبنى.
جبران رافعا يمينه من اعلى
المبنى، محييا الوافدين.
فممن يخاف كاتب تحرسه قامتا جبران وسمير؟
من يهزم
بلداً يهدر في جوفه نهران: سمير وجبران؟
|