المستقبل 02-06-2007

العدالة الآتية من جميع الجهات

بول شاوول

.. ثمّ أُقِرَّت المحكمة الدولية في مجلس الأمن تحت الفصل السابع بعشرة أصوات وبامتناع خمسة بينها الشقيقة المناضلة جداً والمقاومة جداً قطر!
قلنا في مجلس الأمن وبالسابع، وكان مطلوباً ان تعبر من المؤسسات اللبنانية لا سيما مجلس النواب. لكن عبرت من الحكومة معقل الصمود الأساسي لأهل الدولة والشرعية. ثمّ قيل ان اقرار 1757 اعتداء على السيادة! ومناقض للقوانين. وان بعضهم من 8 آذار (ورسلهم الجُدد فتح الاسلام!) استمر في التهديد والوعيد وبمزيد من سوء الأحوال والبلبلة حتى... الشمال الآن وربما أمكنة أخرى! بل وقال بعضهم إن المحكمة لُزّمت للبنان، أو للحكومة اللبنانية "غير الشرعية" طبعاً ازاء رئاسة جمهورية "شرعية" ورئاسة مجلس نواب تحمل مفاتيح قصر النواب في جيوبها الداخلية... وغير الداخلية...
أُقِرّت اذاً! المحكمة، وانتصب ميزان العدالة. وأشرق ضوء لم نألفه منذ زمن بعيد: محاكمة المجرمين والسفاحين والقتلة. أُقِرّت: وكانت زمناً بين زمنين! زمن القتلة شاهري "قتلهم" بسيوفهم وفي عيونهم وفي ألسنتهم، وزمن أن يفكر القتلة في أن أحداً ينتظرهم ويحاسبهم. فمن حرية استباحة الأرواح والأملاك والقرارات إلى عدالة الحرية المتمثلة بقضاء ذي طابع دولي. فنصف الترياق أممي، وربما أكثره. وربما نصفه محلي من قضاة من عندنا! آه! انه التدويل. قالوا! ومن قال ذلك؟ سفراء التدويل في لبنان، المدَولون بالدولار "الحلال"، ورسل حروب الآخرين، وحماة انتهاكاتهم، ومنفذو القرارات الآتية من الجهات "الالهية" القريبة... والأخرى الأعجمية!
قتلوا رفيق الحريري. (والقتل أساس من أسس وجودهم ونهجهم وتفكيرهم ولذاذاتهم واستمرارهم)، ثم قتلوا من قتلوا: سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني وبيار الجميل! فَلْنُداوِ (قالوا) القتل بالقتل تيمناً بـ "وداوني بالتي كانت هي الداء". فلنعالج القتل بالقتل! لمنع قيام المحكمة ذات الطابع الدولي. وكان مسلسل منع قيام المحكمة طويلاً ودموياً وبلا رحمة.
وعبر ذلك انسحب حزب الله وامل من الحوار. ثم من الحكومة. ثم هبطت علينا حرب تموز مع العدو الاسرائيلي. ثم الاعتصام، والمطالبة بتغيير الحكومة ثم أخيراً عصابة فتح الاسلام الصهيونية المستعربة في مخيم البارد... مروراً بالسيارات المفخخة، والتهويل والتخفيف من حروب أهلية ومذهبية وتقسيم وضرب للدولة، وعصيانات مدنية...
في محاولة لمنع قيام المحكمة الدولية وضرب انجازات 14 آذار كل 8 آذار وعلى رأسهم حزب الله وفي مؤخرهم جنرال الهزائم الأبدية في الرابية، وما بينهما من صنائع أجهزة، وأنظمة أمنية بائدة، انخرطوا في مخطط منع محاكمة المجرمين، ومنع كشف حقيقة من اغتال الرئيس الحريري والشهداء الآخرين. لكن أخيراً "صحّ الصحيح" ... وأخيراً اأُقِرّتْ! وانتصبت المنصة عالية وقلبت صفحة لتفتح صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد: صفحة العدالة، صفحة لبنان الآخر. او فلنقل صفحة الدولة الآتية، فعلوا كل شيء ومن دون أي رادع ولا محرّمات ليحموا القتلة. لكن عبثاً! فشلوا ذريعاً! فشل بتوع 8 آذار في محاولاتهم الانقلابية منذ انسحاب الوصاية من لبنان، ولكن اي قوة هذه هي التي كانت تردهم على اعقابهم كلما نظموا عملاءهم للانتفاض على ارادة الأكثرية. عندهم ما عندهم من الأسلحة. جبخانات. وعندهم ما عندهم من الأموال والعملاء والمدربين والخارجين على الدولة والقانون والمتهمين بالارتباط بالخارج، وعندهم الوتر الطائفي هنا والمذهبي هناك، و"القومي" هنالك!
ما الذي اوقعهم في "شرورهم" واسقطهم في مآثمهم؟ الحكومة وصمودها البطولي؟ نعم!
14 آذار وتماسكهم التاريخي؟ نعم! ولكن خلف الحكومة، وخلف حركات 14 آذار مخزونان: الشهداء الذي امدوا الانتفاضة بالمعنى والرمز، لكي لا اقول الاسطورة، وأكثر والمخزون الثاني الشعب وعناده واصراره وقوته ومدنيته وانخراطه في الدفاع عن انجازاته وحقوقه و"حقيقته"... بالديموقراطية!
كأن هذا الشعب الذي تصبّر ما تصبّر وتحمل ما تحمل على امتداده عقود، كان له أن يترجل عن الخوف ويفك عقدة الخوف ويحلل خدر الخوف، ويمتطي ارادته وعزمه واصراره ليكون هو، أولاً وأخيراً، الدرع الواقية، عن الوطن، وعن قيمه وعن مبادئه وثوابته وحيوياته وتحولاته!
وعلى هذا الاساس، ومن تلك الطاقات الفائقة افشل الشعب اللبناني بأكثريته كل المحاولات الانقلابية، والطغيانية وكل ما نضحت به الرؤوس الاستبدادية الهية كانت من هنا... أو "قومجية" من هناك... أو "فقاهية" من هنالك، وقد استشف هذا الشعب، مصقولاً بآلامه، وما عاناه، وتجاربه وتجاريبه، ان بتوع "يلا صلاة الزين" اي 8 آذار "دقي دقي يا ربابة" من فبركة مصانع الأجهزة والمخابرات الفرنكشتانية، وانهم مجرد ادوات ودمى! وانهم، انطلاقاً من تبعياتهم، بدأوا برسم الخطط الانقلابية منذ خروج احدى الوصايتين... ودخولهم الحكومة كان نوعاً من التمويه والتغطية على تحضيرهم للانقلاب. وكذلك انخراطهم في الحوار، وتأييدهم للمحكمة وللقرارات وتظاهرهم بالحرص على "الوحدة" وعلى عدم الانجرار الى حروب مذهبية... كل ذلك كان للتمويه. وحتى حرب تموز كانت تمويهاً لمحاولاتهم الانقلابية، وذريعة للارتداد على الداخل تحت شعار "النصر الالهي"! وقد استشف الشعب ان هؤلاء غير صادقين! وانهم لم يوافقوا على قرار إلا وتراجعوا عنه. واستشف ان هؤلاء لا يريدون الدولة إلا اذا حكموها. ولا يريدون وطناً الا ليقرصنوه، ولا ارضاً إلا لتكون ساحة للآخرين. ولا شعباً إلا ليكون قطيعاً من قطعانهم، ولا ثقافة إلا لتكون تبريراً لبربريتهم، وطغيانهم ولا مثقفين إلا تُبَّعاً لاجهزتهم! استشف الناس... واستعدوا، وكانوا حتى الآن، على تلك الجهوزية المادية والنفسية والمعنوية العالية لدرء الأخطاء الانقلابية التي يحضرها وينفذها هؤلاء، على مراحل، او بطرق مختلفة... ذلك ان الناس هم الذين وعلى امتداد عقود من التجارب، عرفوا كيف يصنعون بأنفسهم ثقافتهم الدفاعية السلمية بامتياز، عرفوا كيف يفرزون ثقافة اخرى، غير ثقافة الخوف والموت والقتل والسواد والاستذلال والخضوع والقبول، والتعصب والانغلاق والتطرف والانتهازية والاستسلام.، هذه الثقافة السلمية الشعبية هي التي اسست لديمقراطية متجددة. ولأفكار متجددة ولمقاومة جماعية متجددة ولقيم أخرى، ولعروبة لا تطلع من استبداد الأنظمة، وسجونها وكرابيجها وانما من قلب الناس، ومن مشاريعهم الفكرية والسياسية والحضارية ولدت العروبة من جديد هذه المرة من الناس. في الساحات والشوارع والطرقات والجامعات والمنازل . لم تكن ثمرة افكار نخبوية... فحسب. بل ثمرة انتماء شعبي مفتوح. (والطريف ان الذين يدعون العروبة يرتمون في احضان الاعاجم فيا لهذه العروبة المستعجمة!) وهذه الثقافة المجبولة بالدم والقهر والألم هي التي تفرز ادواتها عبر الناس وتريد وعلى المدى المفتوح تغييراً، تغييراً يقلب صفحة الوصايات، تغييراً ينبع من التعدد ، تغييراً يكرس منحاه غير المقنن وكل ذلك لا يتحقق إلا بديموقراطية ما، بهوامش حُرّة ما، كان الناس محرومين منها!
وبهذه الثقافة الديموقراطية يعزز الاستقلال، وتلحق السيادة.
من هنا القول ان اقرار المحكمة الدولية هو اعلان عن افشال الخطط "الفئوية"، والخوارجية، والاستبدادية، ومحاولات استعادتها زمن الوصايات. ان هذا الاقرار هو التعبير الانضج عن ان لبنان، وبرغم ما عاناه (وربما ما سيعانيه) يصنع استقلاله او ما زال يصنع استقلاله، وكذلك سيادته (فلنقل انه قيد ربط سيادته باستقلاله، اذ ما نفع استقلال بلا سيادة، او سيادة بلا استقلال) واذا كان جزء من المؤسسات الحكومية والدستورية معطلا عن قصد من قبل بعض 8 آذار، واذا كان بعض البؤر الامنية والاجتماعية خارج سلطة الدولة، واذا كان جزء من القيادات اللبنانية مرتهناً لوصاية من هنا وأخرى من هناك، لقاء احداث فراغ انقلابي في البلد، وتهديد بنية الدولة والسلطة والنظام.. والسلام الأهلي، فان تحكيم الديموقراطية المباشرة وغير المباشرة كفيل ان يحيي الممارسة الوطنية عبر التعددية الفكرية والسياسية والاجتماعية. ونظن ان مثل هذه الامور سيحاربها العديد من بتوع 8 آذار المرتبطين بالوصاية، لانها تضع حدا لمخططاتهم التقسيمية والانقلابية ولتدخلهم في الشؤون الداخلية اللبنانية.
اقرار المحكمة، وبعد طول اناة، وتحمل، اثبت ان كل شيء ممكن التحقق، اذا ما اختيرت السبل السلمية الناجعة، في مواجهة العنف والبؤر الارهابية والتفجيرات المتنقلة. ونظن ان الاصرار اكثر فأكثر على تنفيذ بنود المحاكمة، وعلى كشف القتلة، سيرسخ اكثر فأكثر الحماية المدنية للديموقراطية، والسياج المتين للدولة، والدرع الشعبية للجيش الوطني والقوى الأمنية لتحرس العملية الديموقراطية عند الجميع، الموالاة والمعارضة.
انها مسألة شعب، ومسألة صمود شعب، واستفادته من عِبَر الماضي والحروب والهزائم، الامثولة هذه قدمها الشعب اللبناني بأكثريته، عندما قاوم كل اشكال الارهاب والترهيب والاغتيالات لمنع قيام المحكمة الدولية، ولاسقاط الحكومة، ولتدبير الانقلابات، وصولا الى الظاهرة الصهيونية ـ العروبية الابهى والأنقى فتح الاسلام؟ التي نظنها من صنائع مطابخ المخابرات الاسرائيلية ـ السورية في محاولة تخريب السلم الاهلي، والتمرد على الدولة، و... الحؤول دون المحكمة؟
هذه الظاهرة ـ الصهيونية المستعربة ـ او العربية ـ المتصهينة، يعالجها الجيش الوطني وسط اجماع شعبي فلسطيني ـ لبناني على ادانة هذه الظاهرة، ودعم الجيش، وان طلع علينا بعض نعيق 8 اذار يدافع عن هذه الحركة المشبوهة، وغامزة من قناة الجيش ومستنكرة (مع بعض الصحف ـ قلاع العروبة يا عين!) تعزيز قدرات الجيش، وكأن الجيش اللبناني بات الجيش الاسرائيلي! وكأن جنوده الذين غدرَ بهم بتوع الصهاينة ـ العرب ـ الاعاجم ـ فتح الاسلام ـ فتح ولا اسلام، ليسوا شهداء، ذلك ان "العملاء" بعدما عجزوا عن استيعاب الجيش وضمه الى موجوداتهم (تتدفق الاسلحة عليهم كالامطار من إيران والصين وروسيا وسوريا) احمرت عيونهم منه، وباتت ترصده لتضعفه، او لتحاول تفكيكه، او لتلصق به التهم الجاهزة اياها. الم يساو السيد حسن نصر الله شريكه الجيش بحفنة المجرمين الذين غدروا به، او لم يبشرنا بحرب مخيمات شبيهة بحروب المخيمات التي شنتها اسرائيل واكملها حلفاء دمشق والجيش السوري
ابطال حروب المخيمات "يعبرون عن غيرة، اليوم، عليها، انها غيرة القتلة، ومستبيحي دماء اللبنانيين والفلسطينيين حقا! فأي مخيمات تصادرها مجموعة وافدة من خارجها وتصادر القرار الفلسطيني. وأي مخيمات يا سيد حسن هذه بين "الجيش" والفلسطينيين! عندما نجد ان هذه المجموعة تمد ارهابها (السوري ـ الاسرائيلي) على سكان المخيمات! اي ظاهرة صهيونية هذه وافدة من القرب، تريد ان تجر الشعب الفلسطيني المنكوب الى حرب مع اهله اللبنانيين خدمة للنظام السوري ولاسرائيل ولو على جثث الفلسطينيين واللبنانيين!
انه الجيش اليوم، الوطني، يستعيد دوره بعدما كاد يلحق على امتداد السابق بأجهزة المخابرات والجيش الوصاية، بدأب العملاء وعلى رأسهم رئيس جدران قصر بعبدا.
ونظن انه وكما سقطت المؤامرات الانقلابية التي نسجتها قوى 8 آذار انفاذاً لمخططات خارجية، فان ما يسمى "فتح الاسلام" الصهيونية المستغربة، او العروبية المتصهينة، مصيرها الانتكاس، وكما انتصرت العدالة، وهي هدية لكل اللبنانيين، (ما عدا المتورطين او حماة القتلة!)، ستنتصر المؤسسات الديموقراطية المدنية وغير المدنية: من الحكومة ورئيسها رجل الدولة الرفيع بامتياز، وصولاً الى الجيش الذي يحرص في مواجهته العصابة الصهيونية في نهر البارد على تحييد المدنيين، لان الشهداء اليوم، ابتداء من الرئيس الحريري وانتهاء ببيار الجميل ومروراً بسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني.. هم في عز انتصارهم! ها هم ينتصرون مع العدالة المقبلة، ومع الديموقراطية المعززة... ها هم يضيئون في عيون كل لبناني قَاوَمَ وصمد وحمى الانجازات وجبه الانقلابات المتعاقبة!
انها العدالة تشرق!
انهم الشهداء يشرقون بالعدالة وتشرق بهم
انها العدالة أخيراً مقبلة من جميع الجهات!
بول شاوول

       ثقــافـة