|
اسكندر حبش
«كأنني
امرأة مطلقة»
عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر يحيى جابر،
الصادرة حديثا عن «دار النهضة
العربية» في بيروت. وفيها يتابع جابر كتابة هذه اللحظة
المحيطة بتفاصيله، لكن تبدو
لغته هنا، أكثر حسية، وأكثر ميلا إلى كتابة هذه
المأساة الداخلية، وإن جاء ذلك عبر
الضحك. أي ليست السخرية سوى الجانب الآخر لهذه الدراما
الداخلية، التي يحاول يحيى
جابر كتابتها، منذ بداياته. لكن التجربة تختمر هنا
أكثر، وتقوده إلى ما يشبه طلب
القطيعة مع هذه الحياة. حول الكتاب، هذا الحوار.
أعلنت منذ فترة طويلة أنك
«شاعر
سابق»، لكنك لا تفعل شيئا الآن سوى كتابة الشعر. هل
هذه العودة إلى الكتابة
هي جزء من الخيانات الذاتية التي نقوم بها دوماً؟
{
في ما يخص الخيانة، يمكنك
أن تخون الوطن وتجد وطنا بديلا، يمكنك أن تخون المرأة
وتجد امرأة أخرى ولكن أفظع
الخيانات هي أن تخون موهبتك. أنا أعتذر من موهبتي وعدت
إليها كنجم اعتزل سابقا وعاد
تحت إلحاح الجماهير وأقصد بالجماهير مشاعري الداخلية
التي عادت والتهبت كتابة في
الشعر. كشاعر سابق لم أتوقف يوماً عن كتابة محاولات في
القصيدة وغيرها ولكن لم أنشر
ولم أرتكب فعل الإشاعة والنشر وبث قصائدي مكتوبة وذلك
حرصاً مني على سمعة داخلية
تخصني في ستر ما أرتكبه من فضائح خاصة يبني وبين نفسي.
لكنك ترتكب حاليا هذه
الفضيحة، أقصد أن كتابك الأخير، يبدو أكثر جرأة من
كتبك السابقة بمعنى هذه القدرة
على قول كل المحرمات التي يمكن أن نفكر بأننا لا
نستطيع قولها؟
{
أعترف بأنني
مريض منذ ولادتي ولا أخفي سرّا أن الكتابة هي علاجي
الدائم. لم يشفني شيء سوى هذا
الجلوس اليومي على سرير الكتابة، وفي ما يخص الفضيحة
أنا أكشف أمراضي وعللي التي
تتحكم بي كالحب مثلا، إذ هو ما أفتش عنه دائما وأعتقد
أن علاقتي مع الحياة هي حب من
طرف واحد ولا أظن حتى هذه اللحظة أن الحياة تحبني
بمقدار ما أعشقها أنا، وهذا الحب
للحياة هو الذي قادني إلى مشاعر فضائحية مجنونة جريئة
ربما لأنني كنت صادقا زيادة
عن اللزوم! وهذا يستدعي مني أحيانا أن أعتذر عن أية
إساءة سببتها للآخرين نساء أم
رجالا، شعراء أم قراء.
كتابة العري
بعيدا عن هذه الفضائحية تبدو لغتك
اليوم، في الكتاب الأخير، أكثر حسيّة عما كانت عليه من
قبل، وكأنك تريد أن تكتب هذا
العري بالكامل؟
{
أنا رجل روحاني بكل معنى الكلمة! وأمارس طقوسا خاصة
بي، وكل
ما يبدو حسيا هو محاولة مني لتعرية هذا الشيء! أنا
أتعرى لنفسي، لأنني أملك من
الأحجبة والسواتر، وكل يوم أحاول أن أفك هذه الأسرار
ولكني أقع يوميا في حبائل
وحبال وهمية تعيد ستري الحسي هو الروحاني!
ولكن هذه الحبائل تقودك إلى السخرية
من كل شيء، هل وصلت إلى مرحلة فقدت معها كل إحساس
بقيمة الأشياء؟ هل كانت هذه
الأشياء زائفة بالأصل؟
{
كل هذا الضحك في كتبي، يترقرق من فائض دموع، أنا
مأساوي في حياتي الداخلية والخارجية أحيانا، الضحكة هي
مخرج طوارئ لهذا الحريق
الداخلي. أشعر أحيانا بأنني مهان ومذل حين أخرج إلى
الشارع. بصراحة تامة! أستيقظ
حين ينام المجتمع، وأنام حين يستيقظ المجتمع، لست
متصالحا مع الخارج، ولكني أعترف
بأنني تزوجت نفسي وقصيدتي.
هذه المأساة التي تتحدث عنها تقودك إلى موقف جذري من
الحياة كأن تقول مثلا «لم تكن ضرورية تلك السفينة يا
نوح»، هل المأساة هنا هي وجه
آخر للعبث أم رغبة في مغادرة كل شيء؟
{
يحدث أحيانا أن أقول في سري، لولا وجود
ابني زكريا، لغادرت هذه الأرض. ويحدث أنني أحب الله
أكثر من كل المؤمنين على وجه
هذه الأرض. ويحدث أنني أشعر بأنني البشري الوحيد في
أرض الآلهة. مأساتي هي فرديتي!
ما زلت كما أنا فرد يحاول استقلاله وسيادته وحريته...
الكتابة أرضي، والكتابة سمائي
وأرفض أي احتلال لحبري وصفحتي البيضاء.
في «كـأنني امرأة مطلقة» محاولة كتابة
هذا الجزء الأنثوي فيك، هل تعتقد أن الجزء الذكوري كان
طاغيا لفترة واكتشفت أنه سبب
لك كل هذا الخراب؟
{
استعدت وبقوة أنوثتي في مواجهة ذكورية النساء! «وما
حدا
يربحني جميلي» وخصوصا جماعة نون النسوة، أنا رجل خجول
ومُغتَصب ومحروم ومغلوب على
أمري، وكائن ضعيف وأبكي وأدمع أمام فيلم عاطفي أو على
باب محكمة شرعية! وأخاف أيضا
من ليلة كل دخلة، وأعاني من أوجاع دورة شهرية بلا دم،
ومن إجهاضات لا تحصى لأفكاري
وأحلامي على أيدي نسوة!
هل هذه الصفات التي تقدمت هي ما حاولت اختصاره في
العنوان؟
{
نعم وبقوة أنا وجعي يعادل أوجاع كل المطلقات في هذه
الكرة الأرضية،
وتحديدا آلام المهجورات والمتروكات في هذا العالم
العربي.
توصف قصيدتك عادة
بأنها قصيدة يومية وقصيدة تفاصيل وما إلى هنالك، كيف
ترى أنت هذه التوصيفات وثانيا
ماذا تريد من الكتابة؟
{
ما أريده من الكتابة أن تبقى مخلصة لي، أن تبقى إلى
جواري كممرضة، أو كسكرتيرة تترجم أوجاعي، الكتابة
رفيقتي وشريكتي ولولاها لم يكن أي
قيمة وسط هذا العبث، وفي ما يخص اليومي والتفاصيل وغير
ذلك من التوصيفات فأنا أفتخر
بأنني يومي وابن لحظتي ومعاصر لما رأيت وسمعت وحدست!
وسأبقى دائمــا أنظر إلى ساعتي
الروحية ولن أتخلى عن موعدي الدائم في النظر والبصر
إلى ما يجري حولي وحول الآخرين
كأي جاسوس؟
كل هذا الوجع
هذه اللحظة التي تكتبها تقودك دائما إلى أن تكون
على تماس مباشر مع العالم، هل نستطيع القول انك تبحث
عن كتابة «خرائطية» ما للروح
وللخارج؟
{
اللحظة التي نسكنها الآن هي ابنة آلاف من السنوات
الضوئية؟ أي لحظة
هي كــــل الماضي، كل الحاضر، كل المستقبل؟ لا لحظة
تمر مجانا. وأنا أيضا أكتب تحت
هاجس «يحيى جابر مرّ من هنا» أنا ابن هنا بكل ما تعنيه
من ظرف مكان وزمان ولن أسمح
لأحد أن يُهجّرني من هذه اللحظة. واللحظة بيتي الأخير.
وهذه اللحظة، قادتك الى
كتابة لغة خاصة؟
{
أنا أحترم اسمي! واسمي لا معنى له إذا لم أكن وفياً له!
وانطلاقا من ذلك لأن الله الذي خلقني، طلب مني أن أترك
شيئا ما على هذه الأرض، لذلك
كل ما أفعله أن أترك اسمي هنا عاريا، طاهرا، صافيا،
وأعود إليه راضيا مرضيا، وأقول
له «حاولت أن أكون نفسي».
في كتبك الأخيرة تجنح إلى نوع من كتابة سياسية على
تماس مع اللحظة، هل تريد بذلك أن تعيد «تفعيل» هذا
النوع من الكتابة بعد أن
تناسيناه لفترة طويلة! ما معنى الموقف السياسي في
القصيدة؟
{
كل الكتابات
سياسية. وحين قرأت الكوميديا الإلهية أذهلتني الروح
السياسية في هذه الملحمة. وأيضا
دون كيشوت الرائعة هي لرجل سياسي! وحتى الالياذة هي
كتابة سياسية. السياسة بالنسبة
إلي هي لمن تنحاز وإلى أي طرف تميل! أنا رجل ينحاز إلى
السلام بكل معنى الكلمة!
السلام الروحي الداخلي. سأبقى ضد الظلم وضد الاحتلال
وضد كل الطغاة انطلاقا من
رؤيتي الفردية والمتواضعة!
سؤال أخير، ما هو السؤال الذي كنت ترغب أن أطرحه
عليك حول الكتاب الأخير؟
{
يحيى جابر إلى أين؟
إذا ما هي الإجابة عليه؟
{
هيا بنا إلى الحياة؟
حاوره: اسكندر حبش
|