|
يقدّم الياس خوري في "كأنها نائمة" عملاً روائياً
مسكوناً بفضاءات الأحلام وما تحويه من مشاهد وذكريات
وشخصيات تتداخل وتتفاعل في أمكنة وأزمنة متبدّلة
يربطها خيط رفيع من الأحداث ومن التسجيل الانتقائي لها
في لاوعي ميليا (وأحياناً في وعيها)، بطلة الرواية
وعنصر الجذب والتماسك فيها.
يتكئ خوري في روايته الجديدة الى مخزون ثقافي مثلّث
الأضلاع يتعانق فيه علم النفس والتأريخ الاجتماعي
والقصص الديني، ويجد له انعكاسات في محفوظات شعرية من
الأدب العربي الكلاسيكي. على أن هذا المخزون بروافده
المختلفة لا يثقل على البنية الروائية، بقدر ما يأتي،
خاصة في النصف الثاني من الرواية، عنصر دعم لها وإغناء
لمداها الحدثي ولتبلور الشخصيات فيها.
تتشكل الرواية من مشاهد ثلاث، أو ليال ثلاث بحسب النص،
تؤسس الأولى باكتظاظ تفاصيلها وكثافة الشخصيات
والحوادث فيها للثانية وللثالثة حيث الانسياب يأتي رغم
الاسترجاعات وعوالم المنامات والكوابيس سمة لحياة
متوترة في مكان تتشكّل ملامح الموت فيه على وقع اكتمال
الحمل والحياة في أحشاء ميليا. فتأتي النهاية مجبولة
بعرق الولادة ودفاع المرأة عن وجودها حتى الرمق، أو
الحلم، الأخير...
في أن فضاء الشخصيات الداخلي طاغ على الحدث التاريخي
وجغرافيته
تتتابع أحداث الرواية بين منتصف أربعينيات القرن
الماضي وأواخرها، في حقبة حبلى بالتطورات التي ستغيّر
حياة المنطقة وأهلها. لكنها تغزو من خلال منامات ميليا
واستذكاراتها (حيث تتداخل مخيلة المرأة بمخلّفات
الأحلام وبسرديّات أمها وجدتها والراهبة ميلانة التي
رافقتها طيلة طفولتها ومراهقتها) حقبات سابقة لتبحث في
أصول بعض العائلات والشخصيات وحميميّات حياتها.
ملعب أحداث الجزء الأول ومعظم الاستعادات اللاحقة هو
بيروت، ليس بوصفها عاصمة لكيان كان يتجه نحو الاستقلال
السياسي (أو هو في سنوات استقلاله الأولى)، بل بكونها
مدينة تجارية متوسطية لم تتشكّل بعد لجزء من طبقتها
الوسطى المسيحية (التي تنتمي إليها ميليا) ثقافة
اجتماعية ولم يقم لها وعي سياسي ناجز (أو هما ثقافة
ووعي على هامش أحداث الرواية لا يفيدان سياقها). وتأتي
شتورة (من طريق ضهر البيدر الى فندق مسابكي وليلة شهر
العسل الاولى) وبرج حمود (حيث أطباء التجبير الأرمن
وروائح بهارات السجق والبسترما) وحلب (التي تظهر من
خلال شقيق ميليا الأكبر الذي هاجر ليتزوج ويعمل هناك
مصطحباً معه خطيب شقيقته ومزوّجاً إياه غيرها) كأمكنه
إضافية تبدو عارضة أول الأمر، ثم يبان لاحقاً حجم
الجرح الذي خلّفته في وعي ميليا وفي لا وعيها، حين
تنتقل الى الناصرة فيافا حيث أحداث الجزء الثاني من
الرواية الذي يخترق الليالي الثلاث (ويتركّز في
الليلتين الثانية والثالثة) عشية النكبة ومع تصاعد
هجمات الجماعات الصهيونية على المدن والقرى
الفلسطينية.
ورغم الجهد التوثيقي والتأريخي الكبير في الكتابة عن
الأمكنة والعادات والقيم الاجتماعية السائدة في تلك
المرحلة الخطيرة، ورغم أهمية الأحداث المتلاحقة (لا
سيما في فلسطين) وانعكاس تبعاتها على حياة شخصيات
الرواية وأماكن عيشها وتفاعلها معها، تبقى بعض تلك
الشخصيات، وتحديداً شخصية ميليا (وقد نضيف الراهبة
ميلانة ثم الأم فالجدّة الغائبة – الحاضرة لتكوينها
مخيّلة ميليا القصصية) محور الرواية الأهم، كما يبقى
فضاؤها الداخلي فضاء الرواية الأرحب حيث تشابك الدين
بالذاكرة وبالجسد، وحيث تسيّد اللاوعي وأشكال هضمه
للخارج واستيعاب أحداثه وشخصياته وإعادة تركيبها.
بهذا المعنى، تُحدث "كأنها نائمة" ما يشبه "التحوّل"
في مسيرة الياس خوري الروائية، لا سيما تلك الممتدة من
"الجبل الصغير" الى "رحلة غاندي الصغير" "فباب الشمس"
ثم "يالو" ، إذ تجعل صناعة الشخصيات وعوالمها الداخلية
منطلق العلاقة بالمكان والزمان وأحداثهما، في حين أن
"الجغرافيا" و"الاجتماع السياسي" كانا في السابق
منطلق الوصول الى الشخصيات والنفاذ الى ذواتها
وعلاقاتها. وهي تأتي لتطوّر ما ظهر في "يالو" من
"تعادل" بين شخصية البطل النافرة والأحداث المحيطة بها
(في حين أن الشخصيات في الروايات السابقة رغم قوة
حضورها ومبررات هذا الحضور الذاتية، ظلت أضعف من
المكان – الأشرفية – أو أحداث المكان – بيروت وحربها
الأهلية أو فلسطين وقضيتها). كما أن كل الأحداث في
"كأنها نائمة" وقعت واكتملت قبل حياة خوري نفسه
(على عكس الروايات السابقة)، ويمكن لذلك اعتبارها
نوعاً من أنواع الرواية التاريخية ليس وفق التعريف
اللوكاشي
فحسب (الذي قد ينطبق على "باب الشمس" أيضاً) بل وفق
التعريفات العامة التي تركّز على زمن الرواية وما سبق
حياة كاتبها من أحداث وشخصيات يعاود رسمها أو
معالجتها...
رواية المرأة في عالمها المسيّج بالصمت... والأحلام
"كأنها نائمة" هي في جانب منها رواية المرأة. المرأة
العادية في المجتمعات المحافظة. المرأة التي تولد
وتعيش وترحل وحجة ارتباطها بالآخرين هي ما يعرّف بها.
هي البنت والأخت والخطيبة والزوجة. تمضي في وحدة لا
ينقذها منها غير التماثل مع شبيهاتها واعتناق البداهة
في المسير والمآل الى حد فقدان الشعور بكل وحشة
وغرابة، أو الغوص في عالم الأحلام وكتابة القصص لا
إرادياً فيه، ثم اعتماده إرادياً لإعادة قراءة الحياة
والبشر وترتيب الأمكنة والروائح والأشياء.
هي رواية المرأة بين بيت أهلها وبيت زوجها حيث المكان
وعاء لا تملكه، وحيث العمل والخدمة والانتظار أولاً ثم
الخوف والقلق والوحدة والأشواق الدفينة والجنس الصامت
خفراً أو متعتة مكبوتة ثانياً سمات العلاقة بالآخر
وبحضوره قبل المنامات وبعدها.
لكنها، الى ذلك، رواية ميليا وحدها. تلك المرأة غير
العادية. الخصبة في الصور التي تجتاح عينيها وإذنيها
وأنفها، المقلّة نطقاً وتفسيراً لما تشاهد، المبدعة في
الطبخ وفي اللطف، وفي صناعة الأحلام. المرأة الرحم،
التي تولد وسط البخور والأدعية والأوجاع الملوّنة،
وتموت وهي تصارع آلام الولادة. تتمسك بالحياة
بأحلامها، بذكرياتها، باستعادة أخبار جدتها ووالدتها
وخالتها وراهبتها وذاتها في طفولتها "الزرقاء" (حين
كانت السماء والبحر يلوّنانها) وفي لحظة تكوّر نهديها
وظهور "الخروف الصغير" عليها، ثم في لحظة شوقها لفتح
عينيها وإنهاء مناماتها والتخلّص من هذا "الخروف"
(القربان – الأضحية) ومن يوسف وابراهيم ومن صوت الله.
هي المرأة التي يستحيل دليلها للحياة دربها نحو الردى.
يتحوّل المنام الذي طالما حماها وأحياها وأخافها الى
ملاك الموت الذي ينتزعها ويبعدها عمّن ولّدت وأحبّت
قبل الولادة، وعمّن رأت في كابوس موت وغرق في بحر يافا
قبل خروجه الى الشمس...
... ورواية الماء والدين والشعر واللاوعي
"كأنها نائمة" هي أيضاً رواية الماء. ماء يحضر على
امتداد الرواية. ماء العطش، وماء العرق، وماء الأحلام
المتسللة الى كل مكان، ماء الحياة وماء الرغبة وماء
الدين سمكاً وبحراً وخمراً وزيتاً شافياً يرشح من
"شبح" المسيح المستوطن دوماً جوار الشخصيات الرئيسية
وأرضها، تتعاطى معه كل على طريقتها ومذهبها، تستقي
الأخبار المرتبطة به أو المستوحاة من سيرته وسير أهله
وتسقط فهمها لها على واقع تعيد نسج رواياته وقصص
موتاه.
وهي رواية الشعر العربي كفعل ارتباط المسيحيين اللغوي
والثقافي ببلاد وتاريخ وجغرافيا مقيمة بين الأديان
وماء البحر ورمل الصحراء. شعر يطل مع الحب والحياة
والحرب والمأكل، ومع ارتشاف القهوة والعرق. ولعله،
بمعزل عن غزوه النص الروائي وتظهيره معنى الانتماء غير
الديني للأرض الذي يمارسه منصور مثلاً (زوج ميليا
الفلسطيني)، يعوّض على الأرجح في مخيلة الراوي غياب
الموسيقى عن يوميات شخصيات روايته وما كان يمكن أن
تسمعه في تلك المرحلة التاريخية.
أما توظيف بعض معطيات علم النفس في السياق الروائي،
وبشكل خاص في أحلام ميليا وفي الاخبار المنقولة مشافهة
أو تواتراً عن بعض الشخصيات، فيأتي على خطّين ليس
الحدّ الفاصل بينهما جلياً على الدوام، هما الدين
واللاوعي. فمخزون الذاكرة الديني عبر القصص وإعادة
تأليفها وتكييفها مع كل إطلالة على الواقع من ناحية،
وتشكّل اللاوعي ثم خروجه أحلاماً أو "رؤى" تبدّل
الشخصيات أو تربط بعضها بأدوار ليست لها في "الحقيقة"
(وإنما في فهم اللاوعي لوظائفها) وتدخل أحداثاً الى
أمكنة ليست مسرحها من ناحية ثانية، وطبيعة العلاقات
بين الأخت وأمها وجدتها ووالدها الغائب والراهبة
المهيمنة على عالمها العائلي، ثم بحث الأخت عمّن
يذكّرها بأخيها موسى (وهو في الرواية أشبه بصديقها
وحتى بابنها) للزواج منه من ناحية ثالثة، جميعها
مناخات فرويدية أو قريبة من التأويلات البسيكاناليتية،
يضاف إليها ما يشبه الفانتازيا الروائية حين يزور
الموتى الأحياء في الأحلام، أو يبدّل الأحياء رواياتهم
حول الموتى وما أفضى بهم الى قبورهم الصامتة.
كل ذلك يجعل من "كأنها نائمة" رواية ذات زاد غني من
علم النفس (يزيد من واقعيتها في مواضع كثيرة)، يستكمل
عبرها الياس خوري ما بدأ بعض جوانبه في "يالو" حين خلق
شخصيات تعتنق بسلوكها ولغتها قصصاً وتفسيرات وطقوساً
دينية (سريانية) ومرويّات عن مناشئ الناس ومسارات
تنقّلهم من جغرافيا الى أخرى، أو من حال الى غيرها.
في اللغة والأسلوب غير المتبدّلين
حدوث ما اعتبرناه تحوّلاً في المقاربة الروائية لخوري
في "كأنها نائمة" لا يعني تجريبه أسلوباً روائياً
جديداً أو لغة مختلفة أو حتى تغييراً في البنية
القصصية والسردية لروايته. فهو يؤكد مرة جديدة ثباته
على ما اعتمده مذهباً له في الكتابة. واقعية تعكسها
نماذج الشخصيات وملامحهم وعلاقاتهم ومدنهم وأسرارها
الاجتماعية المعلنة والدفينة، وتعكسها اللغة في تزاوج
الفصحى السردية بالعامية الحوارية وكلاهما بأسلوب سهل،
وتوسّع آفاقها ومساحات الفعل لأبطالها مخيلة لا تقيم
الحدود بين باطنها و"سطحها"، غارفة من الذاكرة
النصرانية ومن البيئة العربية المشرقية أكثر رموزها
واستعاراتها.
وخوري يواصل كذلك اعتماد مبدأ التأسيس البطيء المليئ
بالتفاصيل لروايته الى حدّ يدفع الى التساؤل عن غاية
التكثيف في الفصول الاولى، قبل أن يتضّح الامر لاحقاً
مع القدرة على إعادة وصل التفاصيل والرموز بخيط
الرواية الرفيع وتلاطم الأحداث المربوطة فيه، مع ما
يتطلّبه الأمر من مزاوجة بين "الفلاش باك" والتكرار
الاستيعادي واقتحام شخصيات جديدة للرواية تبدو للوهلة
الأولى من خارج السياق ثم تلتحق به دون تصنّع أو عناء
(كالصحافي الشاب ابن أخ ميليا المحقّق في حياة الراهبة
ميلانة وخوري الرعية البيروتية واليونانية ماريكا ابنة
شارع المتنبي الشهير "التائبة")...
ويمكن القول إن الياس خوري، بمعزل عن عنائه الواضح في
حشد المواضيع ونسج الأخبار واستقاء الرموز من تراث ومن
جغرافيا اجتماعية وتبرير ذلك اعتماداً على مقاربات
بسيكولوجية، يكتب بمتعة عفويّة أحياناً يعبّر الشعر
عنها تارة، ويتكفّل الطبخ والعرق والعسل والقطر
بتظهيرها تارة أخرى!
النهاية والبداية والمسافة بين النوم والموت
"الموت نوم طويل لا هبوب له والنوم موت قصير
بعثه أمم" - أبو العلاء المعري
"لم تمت الصبية لكنها نائمة" - لوقا.
بهذا البيت المعرّي وبهذا الاستشهاد الانجيلي، يمهّد
خوري لروايته. وبهذين البيت والاستشهاد تنتهي الرواية
مع موت ميليا أو ربما مع استسلامها للنوم. ويمكن
الذهاب أبعد من ذلك، والاتكاء الى عنوان الرواية للقول
إنها لم تكن نائمة ولم تمت بل كانت على الدوام على
جانبي النوم. "كأنها نائمة" يصبح افتراضاً مخيماً على
الرواية من أوّلها الى آخرها. هي مستيقظة، لكن حياتها
تشبه المنامات، وهي نائمة ومناماتها تشبه الحياة، وهي
في الحالتين صارت على تقاطع خطوط الحياة والنوم
والموت، وليس لأحد هذه الخطوط أن يسبق سويّيه الآخرين.
"إنشقت أهداب ميليا عن عينين يغطيهما النعاس، فقررت أن
تغمضهما من جديد وتتابع المنام". هكذا يفتتح وصف
ميليا.
"حاولت أن تفتح عينيها لكن المنام لا يتوقف.
حاولت أن تفتح عينيها، لكنها لم تستطع، فعرفت أنها
ماتت"، وهكذا يختتم "وجود" ميليا وتقفل روايتها.
كأنها تولد مع الحلم بوصفه مفتاح حياتها، وتنتهي مع
الحلم بوصفه دليل حتفها. تبدأ وسط عاصفة ورياح وثلوج
وضوء شمعة خافت، وسائق سيارة وعاملتي فندق، وعريس
ينتظر الغوص في أعماقها، وتنتهي وسط زوبعة آلام ومياه
ولادة وعتمة موت وطبيب وممرّضتين، وعريس ينتظر ما
كوّنه في أحشائها. تبدأ مع امرأة تائهة وسط حلم ضبابي
في سيارة تريد سدّ نوافذها في وجه البرد والريح،
وتنتهي مع امرأة تعي موتها (كأنها لا تموت) وسط منام
لا يتوقّف في مستشفى انحبس فيه الهواء وهي تفتش عن
نوافذه لفتحها.
هي البداهة التي تطوى مع صفحة الرواية الأخيرة تاركة
أسئلة الشك في خاتمتها. والأهم، تاركة حق التأويل
والعودة الى محطات سابقة ولاحقة، ليس لتبيّن ما جرى أو
ما قد يجري، ولكن لإدراك معنى ال"كأنها" أنّى كان
الفعل الذي يليها، والذي سيختم أو سيعيد الى البدء
الكلمة والنوم والموت والولادة وكل الرواية بلياليها
الثلاث أو الألف وليلة...
"إن
ما يهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد
الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ
الشـعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث.
وما يهم هو أن نعيش مرة أخرى الدوافع
الاجتمـاعية والإنسانية التي أدّت بأولئك
الناس الى أن يفكروا ويشعروا ويتصرّفوا كما
فعلوا في الواقع التاريخي"، لوكاش، "الرواية
التاريخية".
|