المستقبل 21-04-2007

لمن يقرعون طبول الحرب؟

بـول شـاوول

كأنما توزع غربان الوصايتين على الزوايا والخرائب لينعق كل منهم بما يُنذر بالموت، والحرب، والتقسيم والتدمير والفوضى. فعندنا غراب بعبدا بشرنا وبابتسامته المحشوّة بالحقد والكراهية (لشعبه)، بأنه إذا أقرّت المحكمة تحت البند السابع، فسيؤدي ذلك الى حرب أهلية. وفي مقابل ابتسامة "أبي اللحاحيد" تجهّم محمد رعد، أبي الرعود البلا بروق والبلا مطر، يرفع أصابعه مهدداً اللبنانيين أيضاً بما هددهم به "أبو ضحكة جنان"، وهنا يستوي تجهم محمد رعد وبسمة أبي اللحاحيد في أنهما ينفضان سواداً وينضحان تهويلاً. ولكي تكتمل الأدوار لا بد من أن ينبري نعيم قاسم شاهراً صوته علينا... وهو يُهدر ما يُهدر من سلامة اللبنانيين. وفي جهات أخرى لا بد أيضاً من أن يُردد "الصغار"، من كتبة التقارير ومن منتوج المخابرات، ومن صنيعة الكيميائيات الاجرامية، من أن يحذوا بسحنهم الكالحة حذو السابقين من أمثالهم، رهائن هذه الوصاية المستعربة، أو تلك المستعجمة.
فالكل على جبهة 8 آذار "الانقلابية" وبالمعنى التصحيحي العروبي وغير العروبي، يعزف معزوفة الدم الواحدة: الحرب أم المحكمة! هكذا. إما أن يُلغى مبدأ المحكمة الدولية وإما أن يلغى لبنان ويُشحن ثلاثة أرباع أهله بالبواخر! تأملوا! هذا المنطق يعتمده "لبنانيون": يهددون أكثرية شعبهم بالطرد من بلادهم. (وهذا ما لم تفعله اسرائيل في أشرس لحظاتها العدوانية. أو الأحرى هذا ما لم تجرؤ اسرائيل على إعلانه حتى في أعهر أزمنتها البربرية!) أما كيف ولماذا يضع بتوع 8 آذار وعلى رأسهم الحزب الذي ينتحل اسم الله وربما أسماءه الحسنى وصفاته: (وهذا ما أفتاه علي عمّار مراراً بوصف نفسه وناس حزبه بأنهم من غير طينة الآدميين... بل من طينة الآلهة والأنبياء والكتب المقدسة! فيا له من إشراك لم يحاسب عليه حتى إسلامياً!)
ولا يكتفي هؤلاء الغربان، بتهديد أهلهم بأقسى ما هدد به العدو الاسرائيلي في عز مقاومتهم إياه (انتقلت المقاومة لتوجه ضد عدو جديد هو الشعب اللبناني! فيا للتراسفير العجيب) بل بتهديد العالم العربي كله. (محاولين افتعال الفصل بين النظام العربي والرسمي والشعبي هذه المرة، فكأن الشعب العربي لم يفرنقع عنهم!). فهذا العالم العربي الذي حياهم في نضالهم وفي جهادهم ضد الاحتلال الصهيوني، ودعمهم وتظاهر من أجلهم، ها هو يكتشف، (مثلنا) أنهم انتقلوا من جبهة مقاومة العدو الى جبهة مقاومة لبنان. وقد رأى هذا الشعب العربي، بالصوت والصورة، مآثر بتوع 8 آذار عندما اعتصموا محتلين جزءاً أساسياً من العاصمة. ورأى كيف هدّد حفدة رستم غزالي ونجاد باقتحام المبنى الحكومي. وكيف هجموا بالسلاح والحجارة والعصي على الأحياء الآمنة. وكيف طوّقوا الجامعة العربية. وكيف حاولوا القيام بانقلاب في يومي الثلاثاء والخميس، وإحراق الدواليب وتكسير المتاجر وقمع الناس وإذلالهم وزرع الفتنة المذهبية... وكيف كادوا يحوّلون البلاد حريقاً طويلاً. هذا الشعب العربي الذي وقف معهم عندما كانوا يقفون مع أنفسهم انقلب عليهم عندما انقلبوا على أنفسهم ودورهم المقاوم واختاروا دوراً شعبوياً بمحاولة تدمير الدولة اللبنانية والكيان وشل المؤسسات الدستورية، من مجلس النواب الذي يظن رئيسه أنه هو الذي انتخب النواب، وليس النواب من انتخبه. الى "المتمسك برئيس جمهورية فقد شرعيته الشعبية والوطنية وبات خرقة في أيدي الخارج... وها هم، بتوع الوصايتين، يُصوّبون على الحكومة... وأخيراً يطالبون بانتخابات نيابية مبكرة... ثم باستفتاء (عال! فلماذا لا يطالبون باستفتاء الشعب اللبناني حول أسلحتهم التي إن بدا أن الأكثرية ترفضه صار فاقد الأهلية والشرعية، وخارجاً على القانون!). إذاً لا هم يريدون "العرب" (ويتهمون 14 آذار بمعاداة العروبة لا سيما وأن أرسانهم مربوطة في إيران العربية ذات الرسالة العروبية الخالدة. بالاذن من الزعيم الكبير جمال عبد الناصر الذي لم يسلم من سمومهم!). ولا يريدون مبادرة عربية... وصولاً الى رفضهم قرارات الأمم المتحدة (وقد وافقوا عليها ربما مناورة! كما وافقوا على قيام المحكمة خداعاً! براو! عفواً أقصد خداعاً إلهياً! نظيفاً عفيفاً رهيفاً)... عال! لا عرب ولا عالم ولا جامعة عربية ولا أمم متحدة. ولا شعب عربي. ولا مجتمع عالمي! إضافة الى رفضهم أيضاً إرادة الأكثرية اللبنانية! فيا للانفتاح! ربما للتصدي والصمود! براو! خصوصاً عندما يتهمون العرب (عرب القمة كما صنفهم الاعلام العروبي! يا عين) بالانحياز الى أميركا واسرائيل (من دون أن يرف لهم جفن لزيارة أحد آل سليمان للكنيست وذرفه الدمعة العروبية الصامدة المتصدية والممانعة على ضحايا الهولوكست! ولكن براو! هيك تكون المراجل أو لا! هيك يكون العداء لاسرائيل أو لا! أو هيك يكون الايمان أو لا!
إذاً: عزلة في الداخل وانعزال عن العرب واعتزال العالم. كل هذا لماذا؟ أمن أجل المحكمة الدولية؟ طيب! عال! لماذا يرفضون مبدأ المحكمة، لماذا يريدون أن يخربوا البلد ويهجروا أهله ويدمروا أسسه ودولته ويشعلوا الحروب من أجل إلغاء المحكمة؟ شيء غريب!... بل سوريالي. أمن أجل حماية المجرمين وتبرئتهم ومن أجل إفراغ المحكمة من كل مضمون، وصولاً الى تجهيل القتلة، يقامرون بوطن؟ وليس أي وطن! بل يفترض أنه "وطنهم" الغالي! (يا غالي). وعندما نعرف أو نتكهّن أو يتناهى إلينا أن المشبوهين الأساسيين من خارج البلد، تزداد دهشتنا، وتكبر ريبتنا، ونتساءل: أمن أجل حماية مشتبه من خارج البلد تحرقون البلد ومن فيه؟ أهذه هي مهمتكم؟ أمن أجل هذا تقاومون الدستور وتعطلون البرلمان وتضربون الاقتصاد وتهددون حتى بالقتل والتصفية؟ ألهذه الدرجة أنتم مرتبطون بالخارج حتى لا تقيموا أي اعتبار للداخل؟ (أترى هذا هو السبب أيضاً في ارتجال حرب تموز واستدراج العدو ليدمر لبنان؟). وإذا كان لنا أن نبحث عن أسباب أخرى لهذا "الجنون" الخوارجي فمن السهل إيجاده في جهات أخرى خارجية أيضاً: كل هذه الأسلحة (يقال 30 ألف صاروخ!) الثقيلة والحديثة، وكل هذه الاستعدادات، وكل هذا التخريب، والتهويل، والتخوين، والتكفير، ليزدوج الهدف الأول: المحكمة من ضمن هدف "استراتيجي" آخر هو صراع أميركا وإيران (الحبايب معاً ضد صدام وطالبان) حول الموضوع النووي، واحتمال عدوان أميركي على إيران. أيضاً: موضوع خارجي. نحن نتفهم أن يتضامن من يشاء مع إيران لدى أي عدوان أميركي عليها (ونحن من هؤلاء)، لكن ما لا نفهمه أن يوضع مصير البلاد والعباد والتاريخ والجغرافيا والدين والصيغة... في مهب هذا "التضامن". "عادت حليمة الى عادتها القديمة". استخدام هذا البلد بناسه ومستقبله أضحية على مسرح وصراعات الآخرين. في الوقت الذي ينعم به هؤلاء الآخرون بالأمان والسلم والهدوء والدعة في بلادهم وعلى حدودهم! أما لماذا لا تحارب إيران ومن داخل إيران بالذات العدو الأميركي، وتختار أن تهزمه في لبنان فهذا والله لأمر عجيب! أما لماذا لا تواجه إيران نجاد بطلها المغوار وإيران الآيات الالهية العجائبية، إسرائيل وأميركا، بما توفر لديها من ترسانة أسلحة: طائرات وصواريخ وبوارج وغواصات يصل مداها الى العدو الأكبر، فهذا أيضاً أمر عجب؟ وبدلاً من استخدام أسلحتها ترسل إيران أسلحة الى لبنان لمحاربة العدو عنها من عندنا! فكأنما لم يبقَ سوى "عندنا" لتواجه بلاد فارس كيان الصهاينة! هذا إذا أرادت فعلاً أن تواجهه بغير الشعارات والكلام. ونتساءل لماذا، وبحكم العلاقة الاستراتيجية والمصيرية بين إيران وسوريا وما تشكل من قوة معنوية وعسكرية "ضاربة"، لماذا لا ينطلق النظامان من قلب العروبة النابض لمواجهة العدو الصهيوني! لماذا لا تنطلق "المقاومة" مثلاً من الحدود الشقيقة؟ ولماذا على أرض لبنان أن تكون المنطلق الوحيد للمواجهة، ما دامت هناك أمكنة كثيرة يمكن الانطلاق منها للمواجهة! فقط. هنا؟! ومنذ عقود جاء كل "أبطال" العروبة وغير العروبة ليحاربوا بعضهم عندنا... تحت شعار محاربة العدو! ألم تبقَ بقعة في هذا العالم الشاسع سوى لبنان ليحارب عن هذه الأنظمة وصراعاتها وقضاياها! لماذا لا يحارب السوريون إسرائيل من سوريا مثلاً، بدلاً من أن تتدفق الأسلحة الى هذه الجهات المعروفة عندنا تحت شعار "مواجهة إسرائيل" (من بيروت! ومن الشمال! ومن الشرق! براو!).
فبأي ضمير ديني. أو وطني. أو إسلامي. أو مسيحي. أو علماني. أو عروبي. أو لبناني، علينا أن نبقى "معلقين" بين حرب وأخرى من أجل حروب الآخرين؟ ومتى نعود الى حروبنا! حروبنا الحقيقية من أجل الديموقراطية، والحرية، والرفاهية، والوحدة، والسلم، والدولة العادلة القوية (بديموقراطيتها لا بأسلحة الميليشيات المموهة!). الى متى نبقى رهائن عند الخارج عبر بعض قوى الداخل؟ الى متى سنُمنع عن بناء مجتمعنا المتعدد، بأدواته النقابية والسياسية والفكرية؟
إنهم يقرعون "طبول الحرب" (وطبولهم بحمده تعالى كأصواتهم ـ الأصداء، مثقوبة!) في لبنان، من أجل قضايا الآخرين! ومن أجل حماية المجرمين والقتلة! طبول الحرب يقرعونها عندنا من أجل "الخارج"! أي يريدون الحرب يقرعونها عندنا من أجل "الخارج"! أي يريدون أن يستمروا في تحويلنا، نحن اللبنانيين مجرد مرتزقة (بالمال والسلاح) في جيوش الآخرين. لماذا يقرع هؤلاء "الطبول" الجوفاء، طبول الحرب! مسألة طبول بطبول! ويكفي عبر قرعهم هذا أن يزرعوا الرعب في قلوب اللبنانيين، وكذلك اليأس من وطنهم، ومن مستقبلهم، ليختاروا الهجرة، حتى تفرح القلوب الإلهية! فقد حققت على الأقل "الطبول" هذه أهدافاً استراتيجية مهمة: حمل اللبنانيين على مغادرة لبنان (وقد صرحها بعضهم أو بعض طبولهم!). براو. ليبقوا وحدهم! لكن من سيحارب؟ هذا هو السؤال؟ فقارعو طبول الدم يحاربون بمال غيرهم وبأسلحة غيرهم وبجيوش غيرهم! لكن هناك من سيُفَشّل هذه الحروب المستعارة، وهو الشعب اللبناني بأكثريته "المدنية" السلمية، والديموقراطية... وقد لا يتوانى هذا الشعب أن يصد الحروب الإلهية المستعارة عليه بما يتناسب من وسائل ومن أدوات، ما دام الجيش اختار الوقوف على الحياد في الأحداث الانقلابية الأخيرة. وما دامت فئة واحدة تملك السلاح وتهدد الناس به... بحناجرها وزلاعيمها "غير الآدمية" بالطبع! وعندما يكون على أكثرية اللبنانيين أن تدافع عن نفسها وعن إنجازاتها ودولتها الديموقراطية العادلة ومجتمعها المدني المهدد بالبربرية وبالتقسيم والكانتونية واستفحال الطائفية والمذهبية، فلكي يكون دفاعها إشارة واضحة: أنه لا عودة الى نظام أي وصاية: سورية، إيرانية، أميركية، عربية، روسية! ذهب زمن الوصايات! ولا عودة عن المحكمة لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين، ولا مقايضة، ولا متاجرة بها كما يروّج "تجار" القضايا... والإيمان والورع والتقوى والنظافة بحمده تعالى آمين! وإذا أقرت المحكمة تحت البند السابع، وثار من ثار، وغضب من غضب، وفار من فار، وغامر من أراد أن يغامر، فالناس يستعدون لكل جنون جديد، ولكل اعتداء جديد عليها، ولكل حرب مستعارة؛ وكذلك إذا قامت أميركا بالعدوان على إيران (ونحن نؤيد إيران طبعاً) وثار من ثار، وحاول هذا أو ذاك من "أنبياء" الأزمنة "الأخيرة" أن يلعب بمصيرنا، وبمصير الدولة، بالعنف أو بالقوة، والسلاح... فلن يجد الشعب اللبناني نفسه إلاّ مواجهاً، ومقاوماً حقيقياً... لكل من يريد أن يحوّله حجراً يرمي به من يشاء، وورقة يستخدمها حيثما يشاء... وساحة يشرعها لكل الصراعات الخارجية!
كل شيء ممكن! هذا ما "يبشّرنا" به غربان الوصايتين! وكل شيء جاهز أيضاً لرد "القدر" الأسود... عند أكثرية الشعب اللبناني!

 
      ثقــافـة