السفير 13-04-2007

نهايــة جولــة أو بــاب علــى المجهــول

عباس بيضون

إذا كان لنا أن نعلق أدبياً على خطاب السيد حسن نصر الله الأخير قلنا إنه ساخر وغير حماسي: أعطونا دولة قبل أن تتكلموا عن دولة داخل الدولة، حزبنا في ريعان الشباب وعليكم أن تنتظروا 50 سنة بعد وربما حتى تغيير المنطقة، يشكون من 650 خيمة وهم الذين سرقوا 45 ملياراً. ليس التحريض سمة الخطاب فرغم القول بأننا لم نهزم في يوم ولن نهزم لا يدعو السيد جمهوره إلى أي خطوة مقبلة، لا يتكلم عن تصعيد ولا عن برنامج تحرك قادم. وفيما يكتفي الرئيس بري بالتهويل على المعارضة نفسها بمخاطر الاستقالة الجماعية من البرلمان فإن السيد نصر الله ينتهي من مطلب 19 ـ ,11 «باخت وهزلت» كما يقول من هذه الناحية، وليس أمامه عملياً أي شيء سوى ترك الحكومة «غير الشرعية» تتنعم بحالها، سوى بقاء الوضع على ما هو عليه، أي بقاء الاعتصام والمقاطعة الوزارية والبرلمانية ربما عامين طوالاً.
الاختيار مر بحسب السيد فهو بين الحرب الأهلية والبقاء في الشارع، بين الحرب والمقاطعة، والسيد يختار بطبيعة الحال الانتظار والمقاطعة غير أن خياراً أكثر إيجاباً، خيار تفاهم واتفاق يبدو مستبعداً. لقد انتهت جولة أو مرحلة، الرئيس بري يرى أن الوقت ضاق عن التفاهم الحكومي فالحكومة لن تعيش أكثر من 4 أشهر والوقت هو للمعركة الرئاسية. إنه وقت فارغ، لكنها أربعة أشهر كاملة وربما عامان وعلى اللبنانيين أن يختاروا الأقل سوءاً، أن يقنعوا بتجنب الحرب ويعيشوا كل هذا المدى في وضع معلق. لا يقول لنا السيد ماذا جنت المقاطعة، إنه يعتبر الخروج من الوزارة خطوة مدروسة محسوبة جيداً. أما الوصول الى هذا الوقت المفرغ فهذه، بالطبع، مسؤولية السلطة. الوصول الى وضع الركود والمقاطعة فيه هما الخيار هو الأفضل مسؤولية السلطة. لا نعرف ماذا يرى العماد ميشال عون في هذه النهاية، لقد دخل الى تحرك جزم بأنه سيؤدي الى تغيير الحكومة قبل الأعياد، كانت هذه مجرد عملية تغيير حكومي بالنسبة له، واليوم هي خيار بين انقسام أهلي بارد وانقسام أهلي دموي. لا نعرف ماذا سيكون أصاب مخيلته الحكومية. «حزب الله» لم يغفل الحرب في أي من تصوراته وإن تكن حرباً من نوع آخر، أما ميشال عون الذي حسب نفسه دائماً في مطاردة حكومية، في لعبة سلطة ومعارضة، فإنه لن يستهول بالطبع أن يفضي الأمر الى لعبة بابها الأول حرب إقليمية والثاني أهلية، فالمسؤولية على السلطة، ما دامت سلطة، وعلى عاتقها يقع اللااعتراف بالأكثرية الذي هو تدمير لمبدأ الدولة، والاعتصام الطويل بالأشهر الذي هو اعتداء على الفضاء العام، والاضراب بالفرض الذي هو استضعاف للمجتمع والدولة. يقع كل ذلك على عاتق السلطة بما أنها سلطة، ولو تخطاها المجتمع وتجردت من أي قوة. لن يفكر العماد عون في صلة اللااعتراف بالانشقاق الأهلي والاعتصام بالاستفزاز الأهلي والإضراب بالاستنفار الأهلي. بل يريد مع ذلك خطوة أعلى، ذلك أن خداع الذات يصل الى حال ميؤوس منها، عمى كامل، لكن السيد هو الذي يرى أن الخطوة المقبلة لن تكون سوى الحرب الأهلية، وعلينا أن ننتظر. هل يناسب العماد عون فراغ أربعة أشهر وهل للمطاردة الحكومية أن تعيش في هذا الفراغ، وكم سيمكنه أن يقول إن الحكومة لم تنفذ برنامجها، حين لا يكون لها أن تحمي ملكاً عاماً أو حرية خاصة أو تعمم قانوناً أو تأمر جيشاً، وحين تكون للمعارضة سلطة أقوى، وحين يكون تفتيت السلطة وتفكيكها سياسة المعارضة الراجحة.
تعرف المعارضة أن تغيير الحكومة انتهى الى زوال الحكم نفسه، لكن هذه في نظرها هي مسؤولية السلطة أيضاً. تعرف أن الحرب الأهلية على الأبواب، لكنها لن تجازف بالطبع برد أسلاب السلطة والمجتمع إليهما. لن تحرر الفضاء العام ولن تعود الى اعتراف بالأكثرية. التغيير غير ممكن لكن الاهتراء والركود ممكنان. وإذ لم تستطع أن تجبر السلطة التي لم يبق لها من سلطة سوى رفض هذا الإجبار، وليس الظرف الدولي والعربي ملائماً لتركيعها بالقوة، فإن الاستنزاف البطيء أشهراً أو سنوات، التحلل والاهتراء البطيئين للواقع هما ما يمكن الاستمرار فيه. لن تقول المعارضة إن هذه هي الحصيلة النهائية للملاحم المليونية، لن تقول إن شق السلطة كان على قاعدة انشقاق المجتمع وأن هذا هو الذي جعله غير قابل للعلاج وجعله سريعاً وقاضياً وقاطعاً. لم تكن السلطة سوى مبدأ السلطة وأمكنت الإطاحة به من الضربة الأولى، الآن سيكون على عون أن يعاني وحده انقطاع العملية السياسية والفراغ السياسي وزوال السقف الذي يجعل طموحه الرئاسي نفسه غير ذي معنى، فالأرجح أنه إذا وصل لن يجد شيئاً يستحق.
يقول السيد «مبروكة عليكم هذه الحكومة» لكن للسيد مقاومته ودولته وليس للعماد غير الحكومة. ولن يبارك بسهولة بتركها لـ«اللصوص» أو بتعريضها لتآكل نهائي. لكن الحال هي هذه وباستحالة خطوة أعلى، لن يبقى سوى الركود والاهتراء طوال أشهر وربما سنوات، وبعدهما سنرى إذا بقي حقاً شيء للصراع عليه.
إذا كان أن نعلق أدبياً على خطاب السيد سنقول إنه مشوب بالمرارة. لقد بدأ بالمقاومة التي ستبقى ببعدها العسكري والسياسي والاجتماعي، بالحزب الذي سيبقى لا خمسين سنة فحسب بل الى أن يتغيّر وجه المنطقة وربما وجه العالم، هذان هما الركنان وهذان هما الباقيان، أما الحملة السياسية التي قادها الحزب في سبيل حكومة توافقية فلا توحي بالثقة والثبات نفسيهما. تلك الحكومة، التي جرى كل شيء في سبيل إسقاطها أو تغييرها، لا تستحق «تحميل الدنيا عليها» وبالتالي فـ«مبارك عليكم هذه الحكومة». أما المطلب العتيد 19 ـ 11 فهو الآخر لا يستحق «باخت وهزلت». لا نريد أن نتكلم عن يأس من الحملة السياسية، لكن السيد لم يطلق أي مبادرة في هذا السبيل ولم يعد بأي مبادرة. بالعكس بدا مستعداً للانتظار حتى الانتخابات النيابية المقبلة. «غمض عين وفتح عين وتخلص السنتين». ليس للحزب ما يخاف عليه، إن له مقاومته ومؤسسته الضخمة وله حاله وشبابه وقوته وشعبيته، له ما يبقى ولا يخشى أن تغيّره الظروف. لا نعرف إذا كانت «أمل» و«التيار الوطني الحر» يتمتعان بعناصر القوة هذه أو يقدران على الانتظار سنتين. أما الذي يصعب أن ينتظر فهو الواقع اللبناني، إذا بدأنا بتعطيل الدولة والأزمة الاقتصادية فإن ذلك سيتسرب إلى كل المرافق، وسيتعرض كل ذلك الى عملية تفكيك، لا نتخيل أن في الوسع بعدهما، استعادة مجتمع أو سلطة، ولا يمكننا أن نعرف ماذا سيبقى لنا منهما.
«
قولوا ما شئتم.. فهذا لن يقدم أو يؤخر شيئاً» من الواضح أن اللااعتراف بدأ يؤسس واقعه أو أمره الواقع، القطيعة تتحول الى انفراد. كل في محله وعلى أرضه، في ذلك تتعادل السلطة والانتي سلطة مع رجحان الثانية التي تتمتع في الداخل بتماسك وقوة يعوزان الأخرى. في القطيعة ينقطع آخر خيط للمراعاة أو المساومة. المحكمة الدولية لم تعد التابو، أرسلتها الحكومة الى مجلس الأمن، وحان الوقت للقول إنها ستكون «معتقلاً سياسياً»، وللقول إن الضباط الأربعة معتقلون سياسيون. وربما آن الأوان للتخلص من الدين الرمزي لاستشهاد رفيق الحريري فسرقة الـ45 ملياراً تعود بالمسألة الى وقته، ويمكن الآن تمجيد إميل لحود بدون حرج.
أحيلت المحكمة على مجلس الأمن، لقد عادت الى بارئها. الغضب على حسم المسألة بهذا الشكل متوقع، لكن الكلام عن الاعتداء على الكيان الوطني يتطلب اعتبار مجلس الأمن قوة معتدية، وهذا أمر تجري الغمغمة، لا التصريح فيه، وإن فلت عقب مسألة كهذه. ثم أننا لا نعرف أين يكون الكيان الوطني في ظل إلغاء الحكم، وأين يتمثل، وأين تكون الحدود الوطنية إذا لم تكن هي نفسها حدود الدولة، وكيف يمكن أن نجري على اعتبار الدولة والحدود الوطنية أمرين مختلفين أو حتى متعارضين. مع ذلك يمكننا أن نعتبر بأن هماً ارتفع عن الجميع، لا شك أن زفرة ارتياح غير مسموعة خالطت الغضب. لقد خرجت المسألة من النقاش الذي كانت عموده وبات ممكناً الانتقال الى جدول أعمال آخر: الانتخابات الرئاسية مثلاً، انتهى الحرج ازاءها وأمكن التحرر من الدين الرمزي لاغتيال الحريري وبات في الوسع القول إنها مؤامرة أجنبية. أما الحكومة و14 آذار فسيدخلان في حيرة، فمع انتهاء المحكمة ينتهي العمود الأساسي للبروباغندا الحكومية. لقد انتهت مرحلة أو جولة. هناك إعلان واضح عن ذلك، لكن الذي انفتح أمامنا ليس محدداً بعد، إنه تقريباً المجهول.
هناك حديث عن حرب أخرى غير الحرب الأهلية، إنها الباب الثاني للوضع القائم. هناك دائماً هذا الخيار إما أو، وفي الحالين هناك الأسوأ، حرب إقليمية أو أهلية. لا نعرف لماذا هذا الحديث الآن ولماذا تعيين الصيف موعداً للحرب. إذا كان هذا من البروباغندا فإن الغاية صريحة، ملافاة الاهتراء القائم بالحرب، ملافاة السيئ بالأسوأ، مع ذلك فإن النقاش يعود هكذا الى نقطة البدء وهي نقطة جوهرية: الحرب. الحرب التي إذا وقعت ستقع الآن على الناس أنفسهم والمناطق نفسها لكن في جو أقل استقبالاً وحسن ضيافة، وفي ظرف من الانشقاق الأهلي الشنيع. لا يمكن أن نحلم بملحمة في ظرف كهذا. إذا كانت الحرب هي الخيار الأسوأ فلنبعد الخيار الأسوأ. هكذا نضع جانباً النقاش المتحذلق حول المحكمة الدولية والديموقراطية التوافقية والدولة... ونطرح السؤال الأولي ماذا تريدون؟ حرباً ثانية ومجتمع حرب أم شيئاً آخر، هذا سؤال لا يشق على اللبناني فهمه ولا الخيار فيه. ومن هنا يمكن أن نبدأ.

 
      ثقــافـة