المستقبل 17-03-2007

مَنِ الغالب وَمَنِ المغلوب؟

بـول شـاوول

كأن اللبنانيين ينتظرون، هذه المرة، وكمراَّت عديدة سابقة، أن ينجلي غبار "المفاوضات" الجارية بين الأكثرية والأقلية للتوصل الى "حَلّ" يرضي "الجميع"، ضمن صيغة "لا غالب ولا مغلوب". قلنا، ينتظرون، ولم نقل "يتوقعون". صحيح أنهم يتمنّون، من كل قلوبهم أن تنتهي "الأزمة"، ولكنهم، يتهيأون لكل الاحتمالات، بكل تجاربهم وتجاريبهم السابقة على امتداد عقود الحروب والمفاوضات، والاتفاقات، و"المعاهدات"، والمؤتمرات. فقد لقنهم التاريخ أن ينتظروا. وإذا توقعوا فبحذر. وإن تمنّوا فباستعداد. وان خافوا فبتماسك، وان توجّسوا فبتمالك، وان "يئسوا" فبإيمان بأنفسهم وبوطنهم، وان تفاءلوا فبشيء من التشاؤم، وان تشاءموا فبشيء من التفاؤل. حالات رجراجة. نعم! عدم ثقة؟ نعم! ثقة؟ نعم! كأنما تعودوا أن يخترقوا "غبار" الكلام الظاهر الى ما ورائه، أو الى كمونه، وباطنه، ومجهوله. فالقاموس السياسي المتداول صار جزءاً من "الطقوس" و"التقاليد" المجازية. وباتوا، ومن ضمن هذه "الطقوس"، يعرفون كيف يميّزون بين ما هو خرافي، وبين ما هو واقعي، بين ما هو برسم التسويق، وما هو برسم الفرض، بين ما هو برسم التضليل وما هو برسم التحليل، ما هو برسم التبرير وما هو برسم التدبير.
اللبنانيون باتوا يعرفون جيداً "لبّ" المسائل، وَ"لَبيبَها"، ولهذا ما عادت "المناورات" و"المداورات" واللعب على الكلام، وحتى التهديدات، لتخدعهم. وإذا كانوا يتابعون "المفاوضات" الجارية لمحاولة إيجاد "حلول ما"، هنا، وعلى امتدادات الجغرافيات الواسعة من السعودية وإيران وأوروبا وصولاً الى الولايات المتحدة... والصين، من دون أن ننسى روسيا... فلأنهم باتوا يعرفون أن "المسألة" قد "حُوّلت" إقليمية، عربية، دولية! قلنا حُوّلت، لأنه، كان في الإمكان، محاولة حصرها، في مرحلة من المراحل، بالداخل اللبناني على تشعبه، وامتداداته. فكل هذا معقول أيضاً. والتوسع مقبول أيضاً. لأننا "وُسّعنا" و"أوسعونا توسيعاً" من أهل الوصايات الوسيعة المستعسية و"الكريمة" التي استوصتها علينا الدول الكبرى وإسرائيل على امتداد 30 عاماً.
لكن ما يتجاوز "المنطق" أحياناً، أو ما يراه كثير من اللبنانيين متجاوزاً حدود المنطق، أن يُدمن بعضهم على الوصايات، ولا يستطيع منها براء. وبمعنى آخر أن يرفض فكرة "بلده" من دون وصاية عليه من هنا أو وصاية من هناك. بل كأن هذا الإدمان كمذاق الوصايات تحول نوعاً من الغريزة. غريزة بقاء الوصايات. غريزة "العبودية". وهي غريزة رفض "الحرية"، و"السيادة"، والاستقلال، تماماً كمن بات يُخيفه الهواء إذا هبّ بعد انحباس، أو تُخيفه الشمس إذا طلعت بعد احتجاب. فمن يخاف الهواء، ومن يخاف الشمس؟ هؤلاء "غريزيو" الوصايات، يريدون أن يعطلوا كل محاولة عودة الى "الثوابت" الوطنية والإنسانية، والسياسية، وحتى الاجتماعية. بمعنى آخر يريدون أن يرفضوا مثلاً أن في إمكانهم أن "يفكروا" بمعزل عمّن يُفكر عنهم، وأن يقرروا بمعزل عمّن يقرر عنهم، ويختاروا بمعزل عمن يختار عنهم. وهذه الظواهر إنما كرّست في عقول "بعضهم" على امتداد عهود الوصايات وصولاً الى الوصاية المزدوجة الأخيرة: "مِسك" الوصايات، الشقيقة والأعجمية (بحمده تعالى، وحمد فتح، الإسلام) وترسخت في سلوكهم وفي تفكيرهم وفي أسلوب حياتهم وطريقة عيشهم. تماماً كما حدث أن رفض بعض العبيد الحرية بعد التحرير، وان رفض "المرتبطون" السيادة بعد الاستقلال. هؤلاء هم المشكلة الأساسية. وليست "الحلول" أو عدمها، فَدَاؤهم على قول أبي نواس هو "داؤهم"! والمتتبع سير المفاوضات الأخيرة بين الأكثرية والأقلية، تبرز هذه "الممانعة". لا يريد بعض الأقلية، أو كثرتها (من يعلم) أي حل "نهائي" قد يُمكّنهم من استعادة "حضورهم" الحر، كجزء من حضور البلاد المتحرر. فهم يقبلون القيد باعتباره "امتيازاً" لهم؛ إذ لا يتصوّر بعضهم أو كثيرهم (من يعلم؟) أن يتنفس بلا آلات اصطناعية من الخارج، ولا أن يرى من دون عيون مركبة من الخارج، ولا أن يمارس "أعضاءَه" من دون أعضاء مركبة من الخارج. فهذه "الكائنات" المركبة، المسحوبة بـ"الفيش"، لا تعيش إذا انفصلت عن "مركباتها" الاصطناعية. محكومة بالضياع، أو بالتفكك. ولهذا إذا "لاح" حل أو بريق حل... من هنا أو هناك، استنفرت هذه "المركبات" لتجهضه، إذا ما أحست بأن "مرجعياتها" الوصائية غير راضية عنه. وأخيراً قيل أن ثمة مشاريع حلول ترعاها السعودية وإيران وتدعمها (ربما) أوروبا ولا تعرقلها (الولايات المتحدة). عال! لكن قيل أن هذه المشاريع من شأنها أن تمس مصلحة إحدى الوصايتين، فيما يخص تركيبة المحكمة الدولية؛ وفجأة تصاعد "بخار" الكلام من أفواه وأفاويه وأوراك وزلاعيم "المركبات" التي أشرنا إليها. وصلت التعليمة، وها هم، وبكل "وطنية"، و"عروبة" (آه! من بعض الذين يخلطون بين العروبة وبين بعض الأنظمة!)، و"استقلالية" يشنون "هجمات" على مشاريع الحلول التي ترعاها السعودية وإيران.. هجمات بكل ضروب الكلام المضلّل والبذيء والسوقي الذي يميّز لغة بعض بتوع 8 آذار "التصحيحيين"! أفهمونا بالأفواه الملآنة أنه ولو خرب البلد كله. ولو دُمّر. ولو احترق. ولو هُدّد بالزوال. ولو هاجر اللبنانيون كلهم... فلن تقوم قيامة لحل لا يرضي أسيادهم من أهل الوصاية الشقيقة. أفهمونا: أنه لو وقف العالم كله من أقصاه الى أقصاه بشعوبه ومؤسساته الدولية، مع أي حل لا يرضي أسيادهم، فلن يتوانوا عن الإقدام على أي أمر لتعطيل هذا الحل: بالسيارات المفخخة، بالاغتيال، باستحداث منظمات إرهابية آخرها "فتح الإسلام" (فلا هي فلسطينية ولا هي إسلامية: وإنما من لدن المخابرات الرستمية الغالية على قلوبنا!) بالاعتصامات، بقطع الطرق، بالتهديد بحروب أهلية، أي كل ما يظنون أنه يُرعب "اللبنانيين" ويُخيفهم. وهؤلاء "الغربان" باتوا معروفين، ككائنات رُكّبت بكيميائيات الوصاية، من وزير البنغو الى جنرال الهزائم في الرابية، الى جنرال العمالة والقتل والتواطؤ في بعبدا، فإلى بعض "كتبة" التقارير الصِغار الذين أوكلوا "مهمات" إعلامية بلا طائل ولا جدوى! فإلى بعض "أشاوسة" الحزب الإلهي الذين ما زالوا يضعون رجلاً في الفلاحة الفارسية ورجلاً في بور الوصاية الشقيقة، وكأنما يتأرجحون بين "هذه الرجل" وتلك في عملية توازن يريدون أن يربحوا بها "وقتاً" إلهياً ثميناً! لكن الوقت يزلق من بين أصابعهم كالرمل، وإن كان هذا الرمل "ذهبي" البريق!
صحيح أن لا حلّ يرضي الجميع. وصحيح أن الحل لا بد من الاّ يرضي الجميع. لكن الأصح، وبعيداً من "الجميع" هنا، و"المجاميع" هناك، فإن اللبنانيين المنتظرين، يريدون حلاً يرضي بلدهم ككل. (والوطن فوق جميعهم!). وإذا كان شعار "لا غالب ولا مغلوب" مرفوعاً، فلا غالب ولا مغلوب إذا كان الوطن هو المغلوب. ونحن قد لا يهمنا من يُسجّل "انتصاراً" هنا، أو نقطة هناك، أو تقدماً هنالك، على فريق آخر، بقدر ما يهمنا: هذه الغلبة هل تُسجّل للبنان أم لا؟ ومن هذا القبيل: إن أي مكسب لهذه الطائفة أو تلك، أو لهذا المذهب أو ذاك، أو لهذا الحزب، أو العشيرة، أو النظام... هو مكسب مرفوض إذا جاء على حساب لبنان. وعندما نقول لبنان، لا نعني كياناً تجريدياً افتراضياً أو "حلمياً" بقدر ما نعني مكوّنات لبنان كدولة حرة، مستقلة، عادلة، سيادية، قوية بتماسكها، وسيطرتها (الديموقراطية) على مقدرات البلد، يحميها دستورها، وتحصّنها قوانينها، وترعاها مؤسساتها السياسية والأمنية المستقلة.
على هذا الاساس، يقوم الصراع المرير بين ناس انضموا نهائياً الى الدولة، والسيادة والاستقلال و"النظام" ذي الهامش الديموقراطي المتنامي، وبين ناس استعبدتهم "غريزة العبودية، واستهوتهم متع "الوصايات" وأغوتهم أدوات الارهاب، وأعمتهم غوايات "الفوضى" واللادولة، والكانتونية والانعزالية والتقسيمية.
فهؤلاء لا يريدون استقلالاً، لأن الاستقلال من شأنه ان يُبعد "أوصياءهم" عن النفوذ داخل البلد، ويرفضون السيادة، لأن السيادة تعني "نهايتهم" اي قطع "أرزاقهم" من الأموال والسلاح والمساعدات "النظيفة" ويرفضون فكرة الدولة لأنها تهدّد دويلاتهم المفروضة على بيئاتهم! ويرفضون فصل القضاء عن السياسة لأن في ذلك تعريضاً لوجود اوصيائهم كأنظمة وسلطة، من هنا، يفهم اللبنانيون ان رفض هؤلاء "مبدأ" المحكمة لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين، يعني رفض وجود الدولة برمته، أو فلنقل رفض استكمال فكرة الدولة المستقلة، بسلطاتها المنفصلة، ورفض العدالة يعني رفض أي محاولة لإقامة دولة ذات حرية ديموقراطية، بعيدة من القمع والمناصب البوليسية والمخابراتية. صحيح ان النظام السوري لا يريد المحكمة ولا حتى مبدأها (وربما هذا هو بيت القصيد بالنسبة اليه) لكن الصحيح ايضاً، ان المرتبطين بالوصاية الشقيقة يحققون في رفضهم المحكمة تكريساً لارتباطهم ولكن ايضاً تكريساً لنفيهم مبدأ قيام الدولة بما تعنيه من بُنى مؤسساتية ضامنة، منبثقة عن الممارسة الديموقراطية! ونظن ان ما يلتقي عنده عبيد الوصايتين يتركز على هذه النقطة: الغاء مبدأ المحكمة أو افراغها من مضمونها، يعني الغاء كل ضمانة لقيام لبنان الدولة، المستقلة الحرة البرلمانية ويفهم اللبنانيون جيداً ان انجراف اهل 8 آ ذار بقوة الوصايتين لا يعني في بعض جوانبه سوى استغلالها لتدمير الكيان اللبناني، أو للانقلاب على السلطة، والدولة لاسترجاع ايام الحكم المخابراتي والنظام الأمني المشترك.
تنتصر الدولة أو لا تنتصر. تكون أو لا تكون، هذا هو منطق لا غالب ولا مغلوب ان تكون الغلبة للدولة بمؤسساتها الديموقراطية المنبثقة عن الارادة الشعبية، وبوحدتها (كاسرة الظواهر الكانتونية، والمعسكرات الأمنية خارج متناولها)، وبقوة حمايتها للمجتمع المدني واطلاق ادواته بعيداً عن اي تهديد موجه اليه من اي مجموعات مسلحة دون سواها، وبقوة عدالتها: والمحك في هذه الازمة ان يخرج لبنان منتصراً بانشاء المحكمة بخاصة لكشف قتلة الشهيد الحريري والشهداء الآخرين.
هذا هو لا غالب ولا مغلوب! اما اذا سجل هذا "الفريق" بتماديه الترهيبي أو الفجوري هدفاً على حساب هذا الوطن... كما سبق ان اشرنا الى جوهره، فيعني اننا كشعب لبناني قد غلبنا كلنا! وهذا يعني ان منطق الغلبة لفريق (ومن خارج الثوابت الوطنية) لا بد من أن يؤدي الى حلول هشة... قد تؤدي الى حروب مقبلة. فالضمانات "الخاصة" المتعلقة بهذا الفريق أو ذاك لا تكفي. ولن يكون استقرار مكرس الا اذا تجاوزنا الضمانات المذهبية والطائفية الخاصة، من هذا الفريق أو ذاك، الى ما هو جامع: الدولة .
فالدولة هي الضمان. دولة المؤسسات الديموقراطية، دولة الدستور الواضح، دولة الجيش الوطني حامي المجتمع والحدود. دولة البرلمان الحر، دولة الحكومة المستقلة. هذه هي الضمانات التي تريح. وهذه هي الضمانات التي يؤسس عليها مجتمع غني بطاقاته وتعدديته وتنوعه وخصبه. اي المجتمع الذي ان تنامى بديموقراطيته، رسم الجمهورية على صورته المتعددة... وليس على الصور المفروضة من ذوي العقول الكانتونية أو المذهبية... أو القبلية.
فهل على اللبنانيين، وضمن ما يرشح من "حلول" قريبة، ان يتجاوزوا انتظارهم، الى ما يجعلهم يتوقعون ترياقاً... من هنا أو أماناً من هناك!
هذا هو بيت القصيد: هل يتوقعون لا غالب ولا مغلوب تخدم بعض الافرقاء.. أم لا غالب ولا مغلوب يغلب فيه الوطن؟
بول شاوول

 
      ثقــافـة